المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
678 - مَسْأَلَةٌ :
قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : تُزَكَّى السَّوَائِمُ ، وَالْمَعْلُوفَةُ ، وَالْمُتَّخَذَةُ لِلرُّكُوبِ ، وَلِلْحَرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِنْ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : أَمَّا الْإِبِلُ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي سَائِمَتِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَّا الْإِبِلُ ، وَالْغَنَمُ فَتُزَكَّى سَائِمَتُهَا وَغَيْرُ سَائِمَتِهَا ، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ ؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ سَائِمَةَ الْإِبِلِ وَغَيْرَ السَّائِمَةِ مِنْهَا تُزَكَّى سَوَاءٌ سَوَاءٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ : 145 وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ ، ثُمَّ لَا تَعُودُ الزَّكَاةُ فِيهَا .
فَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، بِأَنْ قَالُوا : قَوْلُنَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق سُفْيَان ، وَمَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ : لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةُ شَاةٍ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ .
وَعَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ : لَا صَدَقَةَ فِي الْمُثِيرَةِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ : لَا صَدَقَةَ فِي الْحُمُولَةِ ، وَالْمُثِيرَةِ ؟ وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَالْحُمُولَةُ : هِيَ الْإِبِلُ الْحَمَّالَةُ ، وَالْمُثِيرَةُ بَقَرُ الْحَرْثِ ، قَالَ تَعَالَى : { لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ } .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَيْسَ عَلَى ثَوْرٍ عَامِلٍ وَلَا عَلَى جَمَلِ ظَعِينَةٍ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ مُجَاهِدٍ : مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي مِصْرٍ يَحْلِبُهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَلَا صَدَقَةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ ؟ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ : لَيْسَ فِي السَّوَانِي مِنْ الْبَقَرِ ، وَبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبَقَرِ الصَّدَقَةُ كَصَدَقَةِ الْإِبِلِ ، وَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي عَوَامِلِ الْإِبِلِ ؟ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَيْسَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَالْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ . 146
وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ . لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ صَدَقَةٌ ، إلَّا فِي السَّوَائِمِ خَاصَّةً ؟ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَالضَّحَّاكِ ؟ وَعَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ : لَيْسَ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا زَكَاةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ ، وَأَوْجَبَهَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ .
وَقَالَ سُفْيَانُ : لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ الْمُتَّخَذَةِ لِلذَّبْحِ - وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ ، فَعَجِبَ ، وَقَالَ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَغَيْرِهِ وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ ؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ غَنَمٍ ، وَبَقَرٍ ، وَإِبِلٍ ، سَائِمَةٍ ; أَوْ غَيْرِ سَائِمَةٍ ؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامًا لَا فَائِدَة فِيهِ ; فَدَلَّ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ : " فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ " قَالُوا : فَقِسْنَا سَائِمَةَ الْبَقَرِ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَقَالُوا : إنَّمَا جُعِلَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا فِيهِ النَّمَاءُ ; وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ الْكُلْفَةُ فَلَا ، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا ؟ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي تَخْصِيصِ عَوَامِلِ الْبَقَرِ خَاصَّةً بِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي الْبَقَرِ لَمْ تَصِحَّ ; 147 فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَّا حَيْثُ اُجْتُمِعَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا ; لَمْ يُجْمَعْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ بِأَنْ قَالَ : قَدْ صَحَّتْ الزَّكَاةُ فِيهَا بِالنَّصِّ الْمُجْمَلِ ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنْ تُكَرَّرَ الزَّكَاةُ فِيهَا فِي كُلِّ عَامٍ ، فَوَجَبَ تَكَرُّرُ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ ; وَلَمْ يَجِبْ التَّكْرَارُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعٍ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا حُجَّةُ مَنْ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ ; وَبِأَنَّهُ قَوْلُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ - : فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ نَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، إذْ قَالُوا بِزَكَاةِ خَمْسِينَ بَقَرَةً بِبَقَرَةٍ وَرُبُعٍ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِي الْمَيْتَاتِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَتَمُوتُ فِيهِ ، فَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَسَّمَهُ قَبْلَهُمْ ، وَتَقْدِيرِهِمْ الْمَسْحَ فِي الرَّأْسِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَرَّةً وَبِرُبُعِ الرَّأْسِ مَرَّةَ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْهَوَسُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَعْرِفَ بِأَيِّ الْأَصَابِعِ هِيَ ؟ أَمْ بِأَيِّ خَيْطٍ يُقَدَّرُ رُبُعُ الرَّأْسِ ؟ وَإِجَازَتِهِمْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالرَّوْثِ ; وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا أَجَازَهُ قَبْلَهُمْ ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِيمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْفِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَقَوْلِهِمْ فِي صِفَةِ صَدَقَةِ الْخَيْلِ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ; وَخِلَافِهِمْ لِكُلِّ رِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَخِلَافِهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو حَثْمَةَ ، وَابْنَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ فِي تَرْكِ مَا يَأْكُلُهُ الْمَخْرُوصُ عَلَيْهِ مِنْ التَّمْرِ ، وَمَعَهُمْ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ بِيَقِينٍ ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ - وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَكَذَلِكَ نَسِيَ الشَّافِعِيُّونَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَقْسِيمِهِمْ مَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ ، وَتَحْدِيدِهِمْ مَا يَنْجَسُ مِنْ الْمَاءِ مِمَّا لَا يَنْجَسُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ وَمَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَخِلَافُهُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ 148 فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ وَبِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُزَكَّى عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَهُمْ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ السَّائِمَةِ ، فَنَعَمْ ، صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً ؟ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذَا الْخَبَرِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ ; لَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلَ - إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ جُمْلَةً ، فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا .
وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ فَقَطْ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ زِيَادَةَ حُكْمٍ عَلَيْهِ وَالزِّيَادَةُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } مَعَ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ } مَعَ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ ؟ 149 وَهَلَّا اسْتَعْمَلَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ هَذَا الْعَمَلَ حَيْثُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } فَقَالُوا : وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَهُ مُخْطِئًا ؟ وَلَعَمْرِي إنَّ قِيَاسَ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى السَّائِمَةِ لَأَشْبَهَ مِنْ قِيَاسِ قَاتِلِ الْخَطَأِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ وَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فَقَالُوا : نَعَمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُجُورِنَا وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ، لَا يَتَثَقَّفُونَ فِيهِ إلَى أَصْلٍ فَمَرَّةٌ يَمْنَعُونَ مَنْ تَعَدَّى مَا فِي النَّصِّ حَيْثُ جَاءَ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، وَمَرَّةٌ يَتَعَدَّوْنَ النَّصَّ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَهُمْ أَبَدًا يَعْكِسُونَ الْحَقَائِقَ .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ ، وَلَمْ يَتْرُكُوا بَعْضَهَا لِبَعْضِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّوْهَا إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ - : لَكَانَ أَسْلَمَ لَهُمْ مِنْ النَّارِ وَالْعَارِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا فِيهِ النَّمَاءُ ; فَبَاطِلٌ ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَلَا تَنْمِي أَصْلًا ، وَلَيْسَتْ فِي الْحَمِيرِ ، وَهِيَ تَنْمِي ، وَلَا فِي الْخَضَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ ، وَهِيَ تَنْمِي ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَوَامِلَ مِنْ الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ تَنْمِي أَعْمَالُهَا وَكِرَاؤُهَا ، وَتَنْمِي بِالْوِلَادَةِ أَيْضًا ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَهَا مُؤْنَةٌ فِي الْعَلَفِ ؟ قُلْنَا : وَلِلسَّائِمَةِ مُؤْنَةُ الرَّاعِي وَأَنْتُمْ لَا تَلْتَفِتُونَ إلَى عَظِيمِ الْمُؤْنَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْحَرْثِ ، وَإِنْ اسْتَوْعَبَتْهُ كُلَّهُ ; بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهِ ، وَلَا تُرَاعُونَ الْخَسَارَةَ فِي التِّجَارَةِ ، بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهَا فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ؟ 150 وَأَمَّا مَنْ خَصَّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَقَرَ بِأَنْ لَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا فَقَطْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ عُمُومًا ، وَحَدُّ زَكَاتِهَا ، وَمِنْ كَمْ تُؤْخَذْ الزَّكَاةُ مِنْهَا : فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ .
وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَمْ يَصِحَّ فِي صِفَةِ زَكَاتِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ إلَّا فِي بَقَرٍ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا ، وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ ; فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا ، دُونَ غَيْرِهَا الَّتِي لَا إجْمَاعَ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا خَطَأٌ ; بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ - : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا فُعِلَ بِهِ كَذَا } .
فَصَحَّ بِالنَّصِّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ جُمْلَةً ; إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصُّ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، وَلَا كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهَا ، فَفِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يُرَاعَى الْإِجْمَاعُ ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ بَقَرٍ دُونَ بَقَرٍ فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلثَّابِتِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي الْبَقَرِ بِغَيْرِ نَصٍّ : وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ الذُّكُورِ بِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ ، فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي زَكَاتِهَا ؟ - : كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ الْمُغِيرَةِ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّوَائِمِ صَدَقَةٌ إلَّا إنَاثَ الْإِبِلِ ، وَإِنَاثَ الْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا يَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَلَا الْحَنَفِيُّونَ ، وَلَا الْمَالِكِيُّونَ ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ ، وَلَا الْحَنْبَلِيُّونَ ; وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ فَوَجَبَتْ بِالنَّصِّ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ بَقَرٍ ، أَيْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَقَرِ كَانَتْ ، سَائِمَةً أَوْ غَيْرَ 151 سَائِمَةٍ ، إلَّا بَقَرًا خَصَّهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ ؟ وَأَمَّا الْعَدَدُ ، وَالْوَقْتُ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ أَوْ بِنَصٍّ صَحِيحٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي السَّائِمَةِ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِيهَا كُلَّ عَامٍ ، وَرَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ - : فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْبَقَرِ بِالنَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَا ; وَلَمْ يَأْتِ بِتَكْرَارِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ نَصٌّ ; فَلَا تَجُوزُ عَوْدَةُ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ قَدْ زُكِّيَ ، إلَّا بِالْإِجْمَاعِ ; وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ ، وَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ كُلَّ عَامٍ ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي عَوْدَتِهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْهَا كُلِّهَا ; فَلَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كَانَ هَذَا قَوْلًا صَحِيحًا لَوْلَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ لِزَكَاةِ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ } هَذَا أَمْرٌ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ ; وَقَدْ صَحَّ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُرْضُوَا مُصَدِّقِيكُمْ } فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ ; فَخُرُوجُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ مُوجِبٌ أَخْذَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ بِيَقِينٍ ; فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ، فَتَخْصِيصُ بَعْضِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَامًا بِأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ الزَّكَاةَ عَامًا ثَانِيًا تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ .
وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ ; وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِثْلُ هَذَا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : تُزَكَّى السَّوَائِمُ ، وَالْمَعْلُوفَةُ ، وَالْمُتَّخَذَةُ لِلرُّكُوبِ ، وَلِلْحَرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِنْ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : أَمَّا الْإِبِلُ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي سَائِمَتِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَّا الْإِبِلُ ، وَالْغَنَمُ فَتُزَكَّى سَائِمَتُهَا وَغَيْرُ سَائِمَتِهَا ، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ ؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ سَائِمَةَ الْإِبِلِ وَغَيْرَ السَّائِمَةِ مِنْهَا تُزَكَّى سَوَاءٌ سَوَاءٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ : 145 وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ ، ثُمَّ لَا تَعُودُ الزَّكَاةُ فِيهَا .
فَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، بِأَنْ قَالُوا : قَوْلُنَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق سُفْيَان ، وَمَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ : لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةُ شَاةٍ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ .
وَعَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ : لَا صَدَقَةَ فِي الْمُثِيرَةِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ : لَا صَدَقَةَ فِي الْحُمُولَةِ ، وَالْمُثِيرَةِ ؟ وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَالْحُمُولَةُ : هِيَ الْإِبِلُ الْحَمَّالَةُ ، وَالْمُثِيرَةُ بَقَرُ الْحَرْثِ ، قَالَ تَعَالَى : { لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ } .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَيْسَ عَلَى ثَوْرٍ عَامِلٍ وَلَا عَلَى جَمَلِ ظَعِينَةٍ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ مُجَاهِدٍ : مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي مِصْرٍ يَحْلِبُهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَلَا صَدَقَةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ ؟ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ : لَيْسَ فِي السَّوَانِي مِنْ الْبَقَرِ ، وَبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبَقَرِ الصَّدَقَةُ كَصَدَقَةِ الْإِبِلِ ، وَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي عَوَامِلِ الْإِبِلِ ؟ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَيْسَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَالْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ . 146
وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ . لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ صَدَقَةٌ ، إلَّا فِي السَّوَائِمِ خَاصَّةً ؟ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ : لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ؟ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَالضَّحَّاكِ ؟ وَعَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ : لَيْسَ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا زَكَاةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ ، وَأَوْجَبَهَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ .
وَقَالَ سُفْيَانُ : لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ الْمُتَّخَذَةِ لِلذَّبْحِ - وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ ، فَعَجِبَ ، وَقَالَ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَغَيْرِهِ وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ ؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ غَنَمٍ ، وَبَقَرٍ ، وَإِبِلٍ ، سَائِمَةٍ ; أَوْ غَيْرِ سَائِمَةٍ ؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامًا لَا فَائِدَة فِيهِ ; فَدَلَّ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ : " فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ " قَالُوا : فَقِسْنَا سَائِمَةَ الْبَقَرِ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَقَالُوا : إنَّمَا جُعِلَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا فِيهِ النَّمَاءُ ; وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ الْكُلْفَةُ فَلَا ، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا ؟ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي تَخْصِيصِ عَوَامِلِ الْبَقَرِ خَاصَّةً بِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي الْبَقَرِ لَمْ تَصِحَّ ; 147 فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَّا حَيْثُ اُجْتُمِعَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا ; لَمْ يُجْمَعْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ بِأَنْ قَالَ : قَدْ صَحَّتْ الزَّكَاةُ فِيهَا بِالنَّصِّ الْمُجْمَلِ ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنْ تُكَرَّرَ الزَّكَاةُ فِيهَا فِي كُلِّ عَامٍ ، فَوَجَبَ تَكَرُّرُ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ ; وَلَمْ يَجِبْ التَّكْرَارُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعٍ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا حُجَّةُ مَنْ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ ; وَبِأَنَّهُ قَوْلُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ - : فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ نَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، إذْ قَالُوا بِزَكَاةِ خَمْسِينَ بَقَرَةً بِبَقَرَةٍ وَرُبُعٍ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِي الْمَيْتَاتِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَتَمُوتُ فِيهِ ، فَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَسَّمَهُ قَبْلَهُمْ ، وَتَقْدِيرِهِمْ الْمَسْحَ فِي الرَّأْسِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَرَّةً وَبِرُبُعِ الرَّأْسِ مَرَّةَ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْهَوَسُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَعْرِفَ بِأَيِّ الْأَصَابِعِ هِيَ ؟ أَمْ بِأَيِّ خَيْطٍ يُقَدَّرُ رُبُعُ الرَّأْسِ ؟ وَإِجَازَتِهِمْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالرَّوْثِ ; وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا أَجَازَهُ قَبْلَهُمْ ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِيمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْفِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَقَوْلِهِمْ فِي صِفَةِ صَدَقَةِ الْخَيْلِ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ; وَخِلَافِهِمْ لِكُلِّ رِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَخِلَافِهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو حَثْمَةَ ، وَابْنَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ فِي تَرْكِ مَا يَأْكُلُهُ الْمَخْرُوصُ عَلَيْهِ مِنْ التَّمْرِ ، وَمَعَهُمْ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ بِيَقِينٍ ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ - وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَكَذَلِكَ نَسِيَ الشَّافِعِيُّونَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَقْسِيمِهِمْ مَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ ، وَتَحْدِيدِهِمْ مَا يَنْجَسُ مِنْ الْمَاءِ مِمَّا لَا يَنْجَسُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ وَمَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَخِلَافُهُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ 148 فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ وَبِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُزَكَّى عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَهُمْ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ السَّائِمَةِ ، فَنَعَمْ ، صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً ؟ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذَا الْخَبَرِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ ; لَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلَ - إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ جُمْلَةً ، فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا .
وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ فَقَطْ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ زِيَادَةَ حُكْمٍ عَلَيْهِ وَالزِّيَادَةُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } مَعَ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ } مَعَ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ ؟ 149 وَهَلَّا اسْتَعْمَلَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ هَذَا الْعَمَلَ حَيْثُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } فَقَالُوا : وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَهُ مُخْطِئًا ؟ وَلَعَمْرِي إنَّ قِيَاسَ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى السَّائِمَةِ لَأَشْبَهَ مِنْ قِيَاسِ قَاتِلِ الْخَطَأِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ وَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فَقَالُوا : نَعَمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُجُورِنَا وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ، لَا يَتَثَقَّفُونَ فِيهِ إلَى أَصْلٍ فَمَرَّةٌ يَمْنَعُونَ مَنْ تَعَدَّى مَا فِي النَّصِّ حَيْثُ جَاءَ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، وَمَرَّةٌ يَتَعَدَّوْنَ النَّصَّ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَهُمْ أَبَدًا يَعْكِسُونَ الْحَقَائِقَ .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ ، وَلَمْ يَتْرُكُوا بَعْضَهَا لِبَعْضِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّوْهَا إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ - : لَكَانَ أَسْلَمَ لَهُمْ مِنْ النَّارِ وَالْعَارِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا فِيهِ النَّمَاءُ ; فَبَاطِلٌ ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَلَا تَنْمِي أَصْلًا ، وَلَيْسَتْ فِي الْحَمِيرِ ، وَهِيَ تَنْمِي ، وَلَا فِي الْخَضَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ ، وَهِيَ تَنْمِي ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَوَامِلَ مِنْ الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ تَنْمِي أَعْمَالُهَا وَكِرَاؤُهَا ، وَتَنْمِي بِالْوِلَادَةِ أَيْضًا ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَهَا مُؤْنَةٌ فِي الْعَلَفِ ؟ قُلْنَا : وَلِلسَّائِمَةِ مُؤْنَةُ الرَّاعِي وَأَنْتُمْ لَا تَلْتَفِتُونَ إلَى عَظِيمِ الْمُؤْنَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْحَرْثِ ، وَإِنْ اسْتَوْعَبَتْهُ كُلَّهُ ; بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهِ ، وَلَا تُرَاعُونَ الْخَسَارَةَ فِي التِّجَارَةِ ، بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهَا فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ؟ 150 وَأَمَّا مَنْ خَصَّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَقَرَ بِأَنْ لَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا فَقَطْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ عُمُومًا ، وَحَدُّ زَكَاتِهَا ، وَمِنْ كَمْ تُؤْخَذْ الزَّكَاةُ مِنْهَا : فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ .
وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَمْ يَصِحَّ فِي صِفَةِ زَكَاتِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ إلَّا فِي بَقَرٍ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا ، وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ ; فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا ، دُونَ غَيْرِهَا الَّتِي لَا إجْمَاعَ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا خَطَأٌ ; بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ - : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا فُعِلَ بِهِ كَذَا } .
فَصَحَّ بِالنَّصِّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ جُمْلَةً ; إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصُّ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، وَلَا كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهَا ، فَفِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يُرَاعَى الْإِجْمَاعُ ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ بَقَرٍ دُونَ بَقَرٍ فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلثَّابِتِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي الْبَقَرِ بِغَيْرِ نَصٍّ : وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ الذُّكُورِ بِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ ، فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي زَكَاتِهَا ؟ - : كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ الْمُغِيرَةِ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّوَائِمِ صَدَقَةٌ إلَّا إنَاثَ الْإِبِلِ ، وَإِنَاثَ الْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا يَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَلَا الْحَنَفِيُّونَ ، وَلَا الْمَالِكِيُّونَ ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ ، وَلَا الْحَنْبَلِيُّونَ ; وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ فَوَجَبَتْ بِالنَّصِّ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ بَقَرٍ ، أَيْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَقَرِ كَانَتْ ، سَائِمَةً أَوْ غَيْرَ 151 سَائِمَةٍ ، إلَّا بَقَرًا خَصَّهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ ؟ وَأَمَّا الْعَدَدُ ، وَالْوَقْتُ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ أَوْ بِنَصٍّ صَحِيحٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي السَّائِمَةِ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِيهَا كُلَّ عَامٍ ، وَرَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ - : فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْبَقَرِ بِالنَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَا ; وَلَمْ يَأْتِ بِتَكْرَارِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ نَصٌّ ; فَلَا تَجُوزُ عَوْدَةُ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ قَدْ زُكِّيَ ، إلَّا بِالْإِجْمَاعِ ; وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ ، وَالْإِبِلِ ، وَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ كُلَّ عَامٍ ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي عَوْدَتِهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْهَا كُلِّهَا ; فَلَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كَانَ هَذَا قَوْلًا صَحِيحًا لَوْلَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ لِزَكَاةِ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ } هَذَا أَمْرٌ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ ; وَقَدْ صَحَّ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُرْضُوَا مُصَدِّقِيكُمْ } فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ ; فَخُرُوجُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ مُوجِبٌ أَخْذَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ بِيَقِينٍ ; فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ، فَتَخْصِيصُ بَعْضِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَامًا بِأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ الزَّكَاةَ عَامًا ثَانِيًا تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ .
وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ ; وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِثْلُ هَذَا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith