المبسوط
المبسوط · الجزء العاشر
وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : كَتَبَ نَجْدَةُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْأَلُهُ هَلْ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ سَهْمٌ ؟ وَهَلْ كَانَتْ النِّسَاءُ يَحْضُرْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَمَتَى يَجِبُ لِلصَّبِيِّ سَهْمٌ فِي الْمَغْنَمِ ؟ وَعَنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى ؟ فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ وَلَكِنْ يَرْضَخُ لَهُ الْحَدِيثُ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ بِالْكِتَابِ كَانَ مَعْرُوفًا فِيهِمْ فَإِنَّ نَجْدَةَ كَانَ حَرُورِيًّا وَهُمْ كَانُوا قَوْمًا يَسْأَلُونَ سُؤَالَ التَّعَمُّقِ فَكَانَ كَثِيرًا مَا يَكْتُبُ نَجْدَةُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى رُبَّمَا كَانَ يَضْجَرُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَيَقُولُ : لَا يَزَالُ يَأْتِينَا بِأُحْمُوقَةٍ مِنْ خَاطِرِهِ ، وَمَعَ هَذَا كَانَ يُجِيبُهُ فِيمَا كَتَبَ إلَيْهِ وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ كَمَا يُسْهَمُ لِلْحُرِّ وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ الْعَبْدَ تَبَعٌ لِلْحُرِّ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَفْسِهِ حَتَّى كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا يُسَوَّى بَيْنَ الْأَصْلِ وَالتَّبَعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَكِنْ يَرْضَخُ لَهُ إذَا قَاتَلَ بِحَسْب جُرْأَتِهِ وَغَنَائِهِ وَكِفَايَتِهِ وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْرُجْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَكَانَ يَرْضَخُ لَهُنَّ وَخُرُوجُ النِّسَاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَشْهُورٌ فِي الْآثَارِ وَمِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ تُقَاتِلُ مَعَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ 17 أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ قَاتَلَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ شَادَّةً عَلَى بَطْنِهَا وَكَانَتْ حَامِلًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَقَامُهَا خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ } يَعْنِي الَّذِينَ انْهَزَمُوا وَهِيَ الَّتِي قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا نُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ الْفَرَّارِينَ كَمَا قَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ لَنَا } وَأُمُّ أَيْمَنَ كَانَتْ تَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى وَبَعْضُ الْعَجَائِزِ كَانَتْ تَخْرُجُ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَسَقْيِ الْمَاءِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ مَعَ الْجَيْشِ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ ثُمَّ يُرْضَخُ لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ أَتْبَاعٌ كَالْعَبِيدِ وَلِأَنَّهُنَّ عَاجِزَاتٌ عَنْ الْقِتَالِ بِنْيَةً وَالْعَبِيدُ يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِمَنْعِ الْمَوَالِي فَاسْتَوَيَا فِي الْمَعْنَى فَلِهَذَا يُرْضَخُ لِلْفَرِيقَيْنِ وَكَتَبَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلصَّبِيِّ فِي الْمَغْنَمِ حَتَّى يَحْلُمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ السَّهْمَ الْكَامِلَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ اسْمُهُ فِيمَنْ يُسْهَمُ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { : عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي } وَلَكِنْ يُرْضَخُ لِلصَّبِيِّ إذَا قَاتَلَ فَقَدْ كَانَ فِي الصَّبِيَّانِ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ صَبِيٌّ فَرَدَّهُ فَقِيلَ : إنَّهُ رَامٍ فَأَجَازَهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ صَبِيَّانِ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا وَأَجَازَ لِآخَرَ فَقَالَ الْمَرْدُودُ : أَجَزْتَهُ وَرَدَدْتَنِي وَلَوْ صَارَعْتُهُ لَصَرَعْتُهُ فَقَالَ : صَارِعْهُ فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ فَأَجَازَهُمَا } وَالْمُرَادُ الْإِجَازَةُ فِي الْمُقَاتِلِينَ لِيُرْضَخَ لَهُمَا لَا لِيُسْهَمَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ السَّهْمُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا حَقَّ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمُرَادُ : السَّهْمُ الْكَامِلُ ، فَأَمَّا الرَّضْخُ ثَابِتٌ لَهُ إذَا قَاتَلَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ الْمُرَادُ الْآبِقُ الْخَارِجُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَهَذَا لَا حَقَّ لَهُ بَلْ يُؤَدَّبُ عَلَى فِعْلِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ } وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَسَّمَهَا بِالسَّيْرِ شِعْبٌ مِنْ شِعَابِ الصَّفْرَاءِ وَالصَّفْرَاءُ مِنْ بَدْرٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ بَلْ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَسَّمَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى { طَلَبَ مِنْهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ فِيهَا بِسَهْمٍ فَفَعَلَ قَالَ : وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَأَجْرُك } وَكَانَ خَلَّفَهُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ يُمَرِّضُهَا فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ قَدِمَ عَلَيْنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَشِيرًا بِفَتْحِ بَدْرٍ حِينَ سَوَّيْنَا عَلَى رُقَيَّةَ يَعْنِي التُّرَابَ 18 عَلَى قَبْرِهَا { وَسَأَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ وَكَانَ غَائِبًا بِالشَّامِ فَوَافَقَ قُدُومُهُ قِسْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ قَالَ : وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَأَجْرُك } وَتَكَلَّمُوا فِي ضَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِالسَّهْمِ وَلَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا فَذَكَر الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ضَرَبَ لِثَمَانِيَةِ نَفَرٍ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا بِالسَّهْمِ فَقِيلَ : إنَّمَا ضَرَبَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ كَانَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُمَرِّضَ ابْنَتَهُ وَكَانَتْ تَحْتَهُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ فَرَاغُ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْتَحَقَ هُوَ بِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَعَدَ لَهُ الْأَجْرَ وَطَلْحَةُ كَانَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَجَسَّسَ خَبَرَ الْعِيرِ فَكَانَ مَشْغُولًا بِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَهُ كَمَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَقِيلَ : بَلْ كَانَ أَسْهَمَ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا كَالْمَدَدِ أَمَّا طَلْحَةُ فَقَدْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَازِمًا عَلَى اللُّحُوقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَالْمَدِينَةُ إنَّمَا كَانَ لَهَا حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ فَقَدْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ فِيهَا لِلْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّ الْمَدَدَ إذَا لَحِقَ الْجَيْشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَرَكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ .
وَقِيلَ : إنَّمَا أَسْهَمَ لَهُمَا لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مِنْ يَشَاءُ ; أَمَّا لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِمَنْعَةِ السَّمَاءِ ، أَوْ لِأَنَّهَا كَثُرَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِيهَا عَلَى مَا رُوِيَ { عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَاءَتْ أَخْلَاقُنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَحُرِمْنَا ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ : كُنَّا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِرْقَةٌ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ وَفِرْقَةٌ اتَّبَعُوا الْمُنْهَزِمِينَ فَجَعَلَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ : الْغَنِيمَةُ لَنَا فَارْتَفَعَتْ أَصَوْتُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } } فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِهَذَا أَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ الطَّائِفِ بِالْجِعْرَانَةِ } وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجِعْرَانَةِ وَكَانَتْ حُدُودَ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ فَتْحَ حُنَيْنٍ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالْجِعْرَانَةُ مِنْ نَوَاحِي مَكَّةَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَعْرَابَ طَالِبُوهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ : أَقْسِمْ بَيْنَنَا مَا أَفَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا حَتَّى أَلْجَئُوهُ إلَى سُمْرَةَ وَجَذَبَ بَعْضُهُمْ رِدَاءَهُ فَتَخَرَّقَ فَقَالَ : اُتْرُكُوا لِي رِدَائِي فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِضَاهُ 19 إبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا ، فَمَعَ كَثْرَةِ مُطَالَبَتِهِمْ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { : عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي } وَلَكِنْ يُرْضَخُ لِلصَّبِيِّ إذَا قَاتَلَ فَقَدْ كَانَ فِي الصَّبِيَّانِ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ صَبِيٌّ فَرَدَّهُ فَقِيلَ : إنَّهُ رَامٍ فَأَجَازَهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ صَبِيَّانِ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا وَأَجَازَ لِآخَرَ فَقَالَ الْمَرْدُودُ : أَجَزْتَهُ وَرَدَدْتَنِي وَلَوْ صَارَعْتُهُ لَصَرَعْتُهُ فَقَالَ : صَارِعْهُ فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ فَأَجَازَهُمَا } وَالْمُرَادُ الْإِجَازَةُ فِي الْمُقَاتِلِينَ لِيُرْضَخَ لَهُمَا لَا لِيُسْهَمَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ السَّهْمُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا حَقَّ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمُرَادُ : السَّهْمُ الْكَامِلُ ، فَأَمَّا الرَّضْخُ ثَابِتٌ لَهُ إذَا قَاتَلَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ الْمُرَادُ الْآبِقُ الْخَارِجُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَهَذَا لَا حَقَّ لَهُ بَلْ يُؤَدَّبُ عَلَى فِعْلِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ } وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَسَّمَهَا بِالسَّيْرِ شِعْبٌ مِنْ شِعَابِ الصَّفْرَاءِ وَالصَّفْرَاءُ مِنْ بَدْرٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ بَلْ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَسَّمَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى { طَلَبَ مِنْهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ فِيهَا بِسَهْمٍ فَفَعَلَ قَالَ : وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَأَجْرُك } وَكَانَ خَلَّفَهُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ يُمَرِّضُهَا فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ قَدِمَ عَلَيْنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَشِيرًا بِفَتْحِ بَدْرٍ حِينَ سَوَّيْنَا عَلَى رُقَيَّةَ يَعْنِي التُّرَابَ 18 عَلَى قَبْرِهَا { وَسَأَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ وَكَانَ غَائِبًا بِالشَّامِ فَوَافَقَ قُدُومُهُ قِسْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ قَالَ : وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَأَجْرُك } وَتَكَلَّمُوا فِي ضَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِالسَّهْمِ وَلَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا فَذَكَر الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ضَرَبَ لِثَمَانِيَةِ نَفَرٍ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا بِالسَّهْمِ فَقِيلَ : إنَّمَا ضَرَبَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ كَانَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُمَرِّضَ ابْنَتَهُ وَكَانَتْ تَحْتَهُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ فَرَاغُ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْتَحَقَ هُوَ بِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَعَدَ لَهُ الْأَجْرَ وَطَلْحَةُ كَانَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَجَسَّسَ خَبَرَ الْعِيرِ فَكَانَ مَشْغُولًا بِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَهُ كَمَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَقِيلَ : بَلْ كَانَ أَسْهَمَ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا كَالْمَدَدِ أَمَّا طَلْحَةُ فَقَدْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَازِمًا عَلَى اللُّحُوقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَالْمَدِينَةُ إنَّمَا كَانَ لَهَا حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ فَقَدْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ فِيهَا لِلْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّ الْمَدَدَ إذَا لَحِقَ الْجَيْشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَرَكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ .
وَقِيلَ : إنَّمَا أَسْهَمَ لَهُمَا لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مِنْ يَشَاءُ ; أَمَّا لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِمَنْعَةِ السَّمَاءِ ، أَوْ لِأَنَّهَا كَثُرَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِيهَا عَلَى مَا رُوِيَ { عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَاءَتْ أَخْلَاقُنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَحُرِمْنَا ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ : كُنَّا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِرْقَةٌ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ وَفِرْقَةٌ اتَّبَعُوا الْمُنْهَزِمِينَ فَجَعَلَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ : الْغَنِيمَةُ لَنَا فَارْتَفَعَتْ أَصَوْتُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } } فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِهَذَا أَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ الطَّائِفِ بِالْجِعْرَانَةِ } وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجِعْرَانَةِ وَكَانَتْ حُدُودَ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ فَتْحَ حُنَيْنٍ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالْجِعْرَانَةُ مِنْ نَوَاحِي مَكَّةَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَعْرَابَ طَالِبُوهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ : أَقْسِمْ بَيْنَنَا مَا أَفَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا حَتَّى أَلْجَئُوهُ إلَى سُمْرَةَ وَجَذَبَ بَعْضُهُمْ رِدَاءَهُ فَتَخَرَّقَ فَقَالَ : اُتْرُكُوا لِي رِدَائِي فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِضَاهُ 19 إبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا ، فَمَعَ كَثْرَةِ مُطَالَبَتِهِمْ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُقَسَّمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith