مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · الجزء الرابع
الصفحة 3066 · ص. المطبوع 297
ص ( وَغَائِبٌ ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ )
ش : يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ إذَا رَآهُ ، وَأَمَّا إذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْإِلْزَامِ أَوْ سَكَتَا عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ ، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَلَى خِيَارِهِ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْغَائِبَ لَا يُبَاعُ إلَّا عَلَى الصِّفَةِ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَنَسَبَهُ لِبَعْضِ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَنَصَّ غَرَرَهَا ، وَجَعَلَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ظَاهِرَ سَلَمِهَا ، وَتَبِعَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ أَقِفْ فِي غَرَرِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ ، وَلَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ ، وَنَصُّ مَا فِيهِ : وَمَنْ رَأَى سِلْعَةً أَوْ حَيَوَانًا غَائِبَةً مُنْذُ مُدَّةٍ تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا إلَّا بِصِفَةٍ مُؤْتَنِفَةٍ أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ جَازَ الْبَيْعُ ، وَكُلُّ مَا وَجَدَ عَلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْهُ أَوْ عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ لَزِمَهُ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا يَنْعَقِدُ بَيْعٌ إلَّا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا عَلَى صِفَةٍ تُوصَفُ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ قَدْ عَرَفَهَا أَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى فَكُلُّ بَيْعٍ يَنْعَقِدُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا غَائِبَةٍ عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفْنَا ، فَهُوَ مُنْتَقِضٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ قَدْ عَرَفَهَا : فَهَذَانِ مُنْعَقِدَانِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ شَرَطَ فِي عَقْدٍ الْحَ هَذَا الْوَجْهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ إلَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالرِّضَا بِهَا ، وَهَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ ، وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّؤْيَةِ ، وَالصِّفَةِ قِسْمٌ ، وَبَيْعُ الْخِيَارِ قِسْمٌ قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ ، وَشَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَسَمَّاهُ عَقْدًا ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَقْدًا ; لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِلْآخَرِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى . وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : ظَاهِرُ سَلَمِهَا الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ جِنْسِ السِّلْعَةِ هَلْ هِيَ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ مَثَلًا ؟ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْلِيَةِ لَكِنْ لَا فَرْقَ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْبَيْعِ فِي هَذَا ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي قُلْت : يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّوْلِيَةِ فَاغْتَفَرَ ذَلِكَ فِي التَّوْلِيَةِ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِهَا ، وَنَصُّهَا فِي أَوَائِلِ السَّلَمِ الثَّالِثِ : وَإِذَا اشْتَرَيْت سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتهَا رَجُلًا ، وَلَمْ تُسَمِّهَا لَهُ وَلَا ثَمَنَهَا أَوْ سَمَّيْت أَحَدَهُمَا فَإِنْ كُنْتَ أَلْزَمْتَهُ إيَّاهَا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ وَقِمَارٌ .
وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ جَازَ ، وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَأَى وَعَلِمَ الثَّمَنَ ، وَإِنْ أَعْلَمْتَهُ أَنَّهُ عَبْدٌ فَرَضِيَهُ ثُمَّ سَمَّيْت لَهُ الثَّمَنَ فَلَمْ يَرْضَ ، فَذَلِكَ لَهُ ، فَهَذَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَعْرُوفِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَلَّى إلَّا أَنْ يَرْضَاهُ ، وَأَمَّا إنْ بِعْتَ مِنْهُ عَبْدًا فِي بَيْتِكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَمْ تَصِفْهُ لَهُ ، وَلَا رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَلَا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِيهِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْمُكَايَسَةِ ، وَلَوْ كُنْتَ جَعَلْتَهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَايَسَةِ انْتَهَى زَادَ ابْنُ يُونُسَ فِي اخْتِصَارِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَمْ تَصِفْهُ لَهُ ، وَلَا رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَ انْتَهَى .
ص ( أَوْ عَلَى يَوْمٍ )
ش : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ لَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ ، وَقَدَّمَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ مَا عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ هُوَ مِنْ الْغَائِبِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ بِالْخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ
ص ( أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ )
ش : لَهُ بَيْعُهُ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِأَوْ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ 297 عَلَى قَوْلِهِ بِلَا وَصْفٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ عَلَى الْخِيَارِ أَوْ بِوَصْفٍ عَلَى اللُّزُومِ وَيُفْهَمُ اللُّزُومُ مِنْ كَوْنِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي عَقْدِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِيَارِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ ، فَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَوْلَى مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا ، وَوَصَفَهُ بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي بِأَوْ يَكُونُ قَدْ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَى أَقْسَامِ بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) : فَإِنْ وَجَدَ الْغَائِبَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ بِمُوَافَقَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَزِمَ الْبَيْعُ ، وَإِلَّا فَلَا .
( فَرْعٌ ) : فَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى صِفَةٍ ، وَتَنَازَعَا عِنْدَ قَبْضِهِ هَلْ صِفَتُهُ الْآنَ هِيَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا التَّعَاقُدُ أَمْ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ مُتَعَلِّقٌ عَلَى بَقَاءِ صِفَةِ الْمَبِيعِ ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَمَنْ ادَّعَى الِانْتِقَالَ ، فَهُوَ مُدَّعٍ ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُشْتَرِي فَمَنْ ادَّعَى وُجُودَهَا فَهُوَ مُدَّعٍ ، وَهُوَ الْبَائِعُ فَرْعٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ هَلْ هُوَ عَلَيْهَا أَمْ لَا رُجِعَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنْ قَالُوا إنَّهُ عَلَيْهَا لَزِمَ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَصِفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ : إنَّ الْمُدَوَّنَةَ تُؤُوِّلَتْ عَلَيْهِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ص ( إنْ لَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ )
ش : هَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِبَيْعِ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ ، وَأَلَّا يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَرْفُوعِ قَوْلِهِ ، وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ وَصْفُهُ ، وَالْمَعْنَى وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ أَنْ لَا يَكُونَ بَعِيدًا مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبُعْدِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ اللُّزُومَ مُنَافٍ لِلْغَرَرِ شَرْعًا ، وَهَذَا غَرَرٌ كَثِيرٌ انْتَهَى .
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ : أَيْ ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْغَائِبِ كَوْنُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ جِدًّا لِكَثْرَةِ الْخَطَرِ ، وَالْغَرَرِ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَمْ يَلْزَمْ فَتَأَمَّلْهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الصِّفَةِ ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْوَصْفِ إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَلَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، وَمِثْلُ الصِّفَةِ مَا إذَا بِيعَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِمُسَاوَاتِهِ لِلْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ فِي اللُّزُومِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الشَّرْطَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَهُ قُلْت ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّهُ ، وَبَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَائِزٌ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بَعْدَهُ
ص ( وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ )
ش : هَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا قَرِيبًا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ عَلَى الْأَشْهَرِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : إنْ عَنَى بِهِ الْكَلَامَ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ فَهُوَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْإِجَازَةِ لَيْسَ بِشَهِيرٍ حَتَّى يَكُونَ مُقَابَلًا بِالْأَشْهُرِ ، وَإِنْ عَنَى بِهِ مِثْلَ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا فِي الْبَلَدِ فَالْأَشْهَرُ الْجَوَازُ ; لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ انْتَهَى .
وَمِثْلُ السَّاجِ الْمُدْرَجِ مَا كَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : وَالْمَعْرُوفُ مَنْعُ بَيْعِ حَاضِرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِصِفَتِهِ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ قَالَ مَنْ ابْتَاعَ : مَا بِهَذَا الصُّنْدُوقِ بَعْدَ ذَهَابِهِ وَجَدْتَهُ عَلَى خِلَافِهَا لَمْ يُصَدَّقْ ، وَلَزِمَهُ بَيْعُهُ فَأَخَذَ مِنْهُ اللَّخْمِيُّ جَوَازَهُ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِاحْتِمَالِ مَشَقَّةِ إخْرَاجِ مَا فِيهِ كَالْبَرْنَامَجِ أَوْ فَسَادِهِ بِرُؤْيَتِهِ كَالسَّاجِ الْمُدَرَّجِ فِي جِرَابِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى غَيْبَةِ مِفْتَاحِهِ فَصَارَ مَا فِيهِ كَغَائِبٍ ، وَتَلَقَّاهَا ابْنُ رُشْدٍ بِالْقَبُولِ كَتَقْصِيرٍ وَدَلِيلُ قَوْلِهَا مَنْ ابْتَاعَ ثِيَابًا مَطْوِيَّةً لَمْ يَنْشُرْهَا ، وَلَا وُصِفَتْ لَهُ لَمْ يَجُزْ جَوَازُهُ ، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْهَا جَوَازُ بَيْعِ 298 حَاضِرِ الْبَلَدِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ مَنْعَهُ ، وَاخْتَارَهُ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَشْهَرَ ابْنُ شَاسٍ ، وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ قَوْلَهَا عَلَى مَا فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ ثَالِثًا عَلَى عَدِّ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ قَوْلًا ، وَعَلَى الْمَنْعِ الْمَعْرُوفِ جَوَازُ بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ اللَّخْمِيُّ رَوَى ابْنُ شَعْبَانَ مَنْعَهُ الْمَازِرِيُّ لِيُسْرِ إحْضَارِهِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ إلَّا قَلِيلًا .
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ : مَا ذُكِرَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ هُوَ مَذْهَبُ الْمَوَّازِيَّةِ ، وَمُقَابِلُهُ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ فَقَدْ أَجَازَ فِيهَا بَيْعَ مَا فِي صُنْدُوقٍ عَلَى الصِّفَةِ ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ ، وَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ : وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَنَّ الْأَصْحَابَ تَأَوَّلُوا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَجْوِيزِ الْعَقْدِ بِالسَّوْقِ عَلَى سِلْعَةٍ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهَا مَشَقَّةٌ ، وَكُلْفَةٌ انْتَهَى . فَظَاهِرُ كَلَامِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَا كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَبَيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُمَا ، وَهُوَ بِالْبَلَدِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَاهُ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى صِفَةٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ إلَّا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ عُسْرٌ أَوْ فَسَادٌ كَمَا تَأَوَّلَ الْأَشْيَاخُ مَسْأَلَةَ الصُّنْدُوقِ ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ جِرَارِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ عَلَى الصِّفَةِ خَوْفَ فَسَادِهَا إذَا فُتِحَتْ .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَيْعِ ثِيَابٍ مَطْوِيَّةٍ فَهِيَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْغَرَرِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : وَظَاهِرُهَا جَوَازُ بَيْعِ حَاضِرِ الْمَجْلِسِ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ : هَذَا الْمَفْهُومُ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فِي السُّؤَالِ أَوْ يُقَالَ : قَوْلُهُ لَمْ يَنْشُرْهَا يَعْنِي الْحَاضِرَةَ ، وَقَوْلُهُ وَلَا وُصِفَتْ لَهُ يَعْنِي الْغَائِبَةَ عَنْ الْمَجْلِسِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَائِبًا مِنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ ، وَهُوَ حَاضِرُ الْبَلَدِ فَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ ، وَحَمَلَا عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةَ الْجَوَازُ ، وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ ، وَأَمَّا الْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْيَوْمِ فَهُوَ فِي حُكْمِ حَاضِرِ الْبَلَدِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) : فُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَيْضًا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ وَأَمَّا إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَلَا ، وَفِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ : وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ وَهِيَ قَوْلُهَا ، وَإِذَا اشْتَرَيْت سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتَهَا رَجُلًا ، وَلَمْ تُسَمِّهَا ، وَلَا ثَمَنَهَا إلَى آخِرِهَا إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّانِي ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَتْحِهِ فَسَادٌ ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ كَمَا فِي بَيْعِ الْبَرْنَامِجِ ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ : وَفِي جَوَازِ بَيْعِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ فِي جِرَابِهِ عَلَى الصِّفَةِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْأُولَى : عَلَى صِفَتِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ لَا مَضَرَّةَ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ جِرَابِهِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَإِلَّا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ ، وَجَعَلَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْخِلَافَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُغَيِّرُهُ تَرْدَادُ نَشْرِهِ عَلَى السَّوَامِ وَتَقْلِيبُهُمْ إيَّاهُ قَالَ : وَأَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ قُلْت : وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ التَّغَيُّرَ الْخَفِيفَ وَأَمَّا مَا كَانَ نَشْرُهُ يَنْقُضُهُ كَثِيرًا كَالْبَيَارِمِ ، وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ كَالْبَرْنَامَجِ ( الثَّالِثُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ أَوْ مَجْلِسِ التَّعَاقُدِ عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ إذَا لَمْ يَمْضِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بَعْدَهَا فَتَأَمَّلْهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث