تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الثاني
( وَيُسَنُّ ) السُّجُودُ 208 ( لِلْقَارِئِ ) وَلَوْ صَبِيًّا وَامْرَأَةً وَمُحْدِثًا تَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ وَخَطِيبًا أَمْكَنَهُ 209 بِلَا كُلْفَةٍ عَلَى مِنْبَرِهِ وَأَسْفَلَهُ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ ( وَالْمُسْتَمِعُ ) لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَقِرَاءَةِ مُمَيِّزٍ وَمَلَكٍ وَجِنِّيٍّ وَمُحْدِثٍ وَكَافِرٍ أَيْ رُجِيَ إسْلَامُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَامْرَأَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ .
قِيلَ لِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ مَشْرُوعٌ لِذَاتِهِ وَاقْتِرَانُ الْحُرْمَةِ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِعُرُوضِ الشَّهْوَةِ وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ لَا سُجُودَ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ قِيَامِ الصَّلَاةِ لِكَرَاهَتِهَا وَلَا لِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ لِحُرْمَتِهَا فَالْوَجْهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْمَدَارَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى حِلِّ الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ أَيْ عَدَمِ كَرَاهَتِهِمَا بِخِلَافِهَا بِرَفْعِ صَوْتٍ بِحَضْرَةِ أَجَانِبَ وَبِخِلَافِهِ مَعَ خَشْيَةِ فِتْنَةٍ أَوْ تَلَذُّذٍ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ وَالْحُرْمَةَ فِي ذَيْنِكَ لِذَاتِ كَوْنِهَا قِرَاءَةً بِخِلَافِ مَا فِي الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ حُرْمَتَهَا كَالسَّمَاعِ لِعَارِضٍ دُونَ جُنُبٍ وَسَاهٍ وَنَائِمٍ وَسَكْرَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ كَمَجْنُونٍ وَطَيْرٍ وَمَنْ بِخَلَاءٍ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ كُرِهَتْ قِرَاءَتُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا قِرَاءَةً فِيمَا يَظْهَرُ وَمَا فِي التِّبْيَانِ فِي السَّكْرَانِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَكْرَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَفِي الْجُنُبِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى جُنُبٍ حَلَّتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ لَكِنْ يَخْدِشُهُ مَا يَأْتِي فِي نَحْوِ الْمُفَسِّرِ ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ صَارِفًا ، وَلَوْ قَرَأَ آيَتَهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا عَقِبَ سَلَامِهِ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَالْأَوْجَهُ فِي مُسْتَمِعٍ لَهَا قَبْلَ صَلَاتِهِ التَّحِيَّةَ أَنَّهُ يَسْجُدُ ثُمَّ يُصَلِّي التَّحِيَّةَ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ وَهُوَ لَا يُفَوِّتُهَا .
( تَنْبِيهٌ ) مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَعَ الْآيَةَ مِنْ قَارِئَيْنِ كُلٍّ لِنِصْفِهَا مَثَلًا سَجَدَ اعْتِبَارًا بِالسَّمَاعِ دُونَ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ لَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّلْفِيقِ وَتَصْوِيرُ الْمَجْمُوعِ قَدْ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ ثُمَّ رَأَيْتُ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا فِيمَا إذَا تَرَكَّبَ السَّبَبُ مِنْ مُتَعَدِّدٍ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يُضَافُ لِلْأَخِيرِ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ فُرُوعًا بَعْضُهَا يَقْتَضِي الْأَوَّلَ كَمَا لَوْ 210 رَمَى إلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُزْمِنْهُ وَرَمَى إلَيْهِ آخَرُ فَأَزْمَنَهُ فَفِي مَنْ يَمْلِكُ الصَّيْدَ مِنْهُمَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لِلثَّانِي لِكَوْنِ الْإِزْمَانِ عَقِبَ فِعْلِهِ ، وَقِيلَ لَهُمَا إذْ لَوْلَا فِعْلُ الْأَوَّلِ لَمْ يَحْصُلْ الْإِزْمَانُ ، وَلَوْ مَلَكَ عَلَيْهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فَقَالَتْ لَهُ إنْ طَلَّقْتَنِي ثَلَاثًا فَلَكَ أَلْفٌ فَطَلَّقَهَا تِلْكَ الطَّلْقَةَ اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ لِإِسْنَادِ الْبَيْنُونَةِ لَهَا ، وَقِيلَ ثُلُثَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا تَقَدُّمُ ثِنْتَيْنِ قَبْلَهَا لَمْ يَحْصُلْ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ وَمَا شَابَهَهُمَا يُؤَيِّدُ أَوْ يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْتُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ إضَافَةُ الْحُكْمِ لِسَمَاعِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَيْنِ يَمْنَعُ اعْتِبَارَ السَّمَاعِ الْأَوَّلِ وَيُوجِبُ اشْتِرَاطَ سَمَاعِ جَمِيعِ الْآيَةِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ .
وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا عِلَّةُ الْحُكْمِ إذَا زَالَتْ وَخَلَفَتْهَا عِلَّةٌ أُخْرَى أُضِيفَ لِلثَّانِيَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ إضَافَتِهِ هُنَا لِلسَّمَاعِ الثَّانِي وَحْدَهُ عَدَمُ السُّجُودِ كَمَا تَقَرَّرَ وَيَأْتِي أَوَّلَ الْبَيْعِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذِكْرِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ السُّجُودِ فِي نَحْوِ السَّاهِي بِعَدَمِ الْقَصْدِ اشْتِرَاطُ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ فِي الذَّاكِرِ وَلَيْسَ مُرَادًا فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ عَدَمُ الصَّارِفِ وَقَوْلُهُمْ لَا يَكُونُ الْقُرْآنُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ مَحَلُّهُ عِنْدَ وُجُودِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ لَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ عَدَمِ نَدْبِهَا لِلْمُفَسِّرِ أَيْ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ صَارِفٌ لِلْقِرَاءَةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَمِثْلُهُ الْمُسْتَدِلُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ قَالَ السُّبْكِيُّ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ إذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ لَا يَسْجُدُ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالُوهُ فَحَدِيثُ زَيْدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ } حُجَّةٌ لَهُمْ ا هـ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَمْ يَسْجُدْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ { قَوْلُ زَيْدٍ قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْجُدْ } وَسَبَبُهُ بَيَانُ جَوَازِ تَرْكِ السُّجُودِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فَتَرْكُ زَيْدٍ لِلسُّجُودِ إنَّمَا هُوَ لِتَرْكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَدَعْوَى الْعَكْسِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَبِي دَاوُد عَجِيبَةٌ فَإِنْ قَالَ الْقُرَّاءُ إنَّ التِّلْمِيذَ لَا يَسْجُدُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ الشَّيْخُ كَذَلِكَ قُلْنَا لَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ زَيْدٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِتَجْوِيزِهِ النَّسْخَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّرْكِ مُطْلَقًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ وَأَنَّ تَرْكَ أَحَدِهِمَا لَهُ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ الْآخَرِ لَهُ ( وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ ) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى طَلَبِهَا مِنْهُ حِينَئِذٍ وَجَرَيَانُ وَجْهٍ بِعَدَمِهِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ .
وَإِذَا سَجَدَ مَعَهُ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِهِ ( قُلْتُ وَيُسَنُّ لِلسَّامِعِ ) لِجَمِيعِ الْآيَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَمَا ذُكِرَ وَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ السَّمَاعَ وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ لَكِنْ دُونَ تَأَكُّدِهَا لِلْمُسْتَمِعِ ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) لِمَا صَحَّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَيَسْجُدُ وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُهُمْ مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ } ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ سُورَتَهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ أَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ لِغَرَضِ السُّجُودِ فَقَطْ 211 أَوْ سَجَدَ الْمُصَلِّي لِغَيْرِ سَجْدَةِ إمَامِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ حَرُمَ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ ، وَكَلَامُ التِّبْيَانِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَنْهِيٌّ عَنْ زِيَادَةِ سُجُودٍ فِيهَا إلَّا لِسَبَبٍ كَمَا أَنَّ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا لِسَبَبٍ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا بِقَصْدِ السُّجُودِ فَقَطْ كَتَعَاطِي السَّبَبِ بِاخْتِيَارِهِ فِيهِ لِيَفْعَلَ الصَّلَاةَ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ بِقَصْدِ التَّحِيَّةِ فَقَطْ فَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ قِرَاءَةُ { الم تَنْزِيلُ } السَّجْدَةُ فِي أَوَّلِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ لِيَسْجُدَ مَرْدُودٌ كَمَا بَسَطَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا اتِّبَاعُ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالسُّجُودُ لَهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَا مَرَّ مِنْ تَجْرِيدِ قَصْدِ السُّجُودِ فَقَطْ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَثِّرْ قَصْدُهُ فَقَطْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَالْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ عِبَادَةً لَا مَانِعَ مِنْهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ فِيمَا مَرَّ فِي الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَجُوزُ قَطْعُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ السُّجُودُ فِيهَا بِذَلِكَ الْقَصْدِ تَلَبُّسٌ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ فَيَحْرُمُ حَتَّى فِي النَّفْلِ كَمَا أَنَّهُ يُبْطِلُهُ وَخَرَجَ بِالسَّامِعِ غَيْرُهُ .
وَإِنْ عَلِمَ بِرُؤْيَةِ السُّجُودِ وَزَعَمَ دُخُولَهُ فِي { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ سَمِعَهُ وَصَحَّ عَنْ جَمْعِ صَحَابَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ أَيْ سَمِعَ .
قِيلَ لِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ مَشْرُوعٌ لِذَاتِهِ وَاقْتِرَانُ الْحُرْمَةِ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِعُرُوضِ الشَّهْوَةِ وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ لَا سُجُودَ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ قِيَامِ الصَّلَاةِ لِكَرَاهَتِهَا وَلَا لِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ لِحُرْمَتِهَا فَالْوَجْهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْمَدَارَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى حِلِّ الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ أَيْ عَدَمِ كَرَاهَتِهِمَا بِخِلَافِهَا بِرَفْعِ صَوْتٍ بِحَضْرَةِ أَجَانِبَ وَبِخِلَافِهِ مَعَ خَشْيَةِ فِتْنَةٍ أَوْ تَلَذُّذٍ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ وَالْحُرْمَةَ فِي ذَيْنِكَ لِذَاتِ كَوْنِهَا قِرَاءَةً بِخِلَافِ مَا فِي الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ حُرْمَتَهَا كَالسَّمَاعِ لِعَارِضٍ دُونَ جُنُبٍ وَسَاهٍ وَنَائِمٍ وَسَكْرَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ كَمَجْنُونٍ وَطَيْرٍ وَمَنْ بِخَلَاءٍ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ كُرِهَتْ قِرَاءَتُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا قِرَاءَةً فِيمَا يَظْهَرُ وَمَا فِي التِّبْيَانِ فِي السَّكْرَانِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَكْرَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَفِي الْجُنُبِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى جُنُبٍ حَلَّتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ لَكِنْ يَخْدِشُهُ مَا يَأْتِي فِي نَحْوِ الْمُفَسِّرِ ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ صَارِفًا ، وَلَوْ قَرَأَ آيَتَهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا عَقِبَ سَلَامِهِ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَالْأَوْجَهُ فِي مُسْتَمِعٍ لَهَا قَبْلَ صَلَاتِهِ التَّحِيَّةَ أَنَّهُ يَسْجُدُ ثُمَّ يُصَلِّي التَّحِيَّةَ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ وَهُوَ لَا يُفَوِّتُهَا .
( تَنْبِيهٌ ) مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَعَ الْآيَةَ مِنْ قَارِئَيْنِ كُلٍّ لِنِصْفِهَا مَثَلًا سَجَدَ اعْتِبَارًا بِالسَّمَاعِ دُونَ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ لَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّلْفِيقِ وَتَصْوِيرُ الْمَجْمُوعِ قَدْ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ ثُمَّ رَأَيْتُ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا فِيمَا إذَا تَرَكَّبَ السَّبَبُ مِنْ مُتَعَدِّدٍ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يُضَافُ لِلْأَخِيرِ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ فُرُوعًا بَعْضُهَا يَقْتَضِي الْأَوَّلَ كَمَا لَوْ 210 رَمَى إلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُزْمِنْهُ وَرَمَى إلَيْهِ آخَرُ فَأَزْمَنَهُ فَفِي مَنْ يَمْلِكُ الصَّيْدَ مِنْهُمَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لِلثَّانِي لِكَوْنِ الْإِزْمَانِ عَقِبَ فِعْلِهِ ، وَقِيلَ لَهُمَا إذْ لَوْلَا فِعْلُ الْأَوَّلِ لَمْ يَحْصُلْ الْإِزْمَانُ ، وَلَوْ مَلَكَ عَلَيْهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فَقَالَتْ لَهُ إنْ طَلَّقْتَنِي ثَلَاثًا فَلَكَ أَلْفٌ فَطَلَّقَهَا تِلْكَ الطَّلْقَةَ اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ لِإِسْنَادِ الْبَيْنُونَةِ لَهَا ، وَقِيلَ ثُلُثَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا تَقَدُّمُ ثِنْتَيْنِ قَبْلَهَا لَمْ يَحْصُلْ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ وَمَا شَابَهَهُمَا يُؤَيِّدُ أَوْ يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْتُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ إضَافَةُ الْحُكْمِ لِسَمَاعِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَيْنِ يَمْنَعُ اعْتِبَارَ السَّمَاعِ الْأَوَّلِ وَيُوجِبُ اشْتِرَاطَ سَمَاعِ جَمِيعِ الْآيَةِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ .
وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا عِلَّةُ الْحُكْمِ إذَا زَالَتْ وَخَلَفَتْهَا عِلَّةٌ أُخْرَى أُضِيفَ لِلثَّانِيَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ إضَافَتِهِ هُنَا لِلسَّمَاعِ الثَّانِي وَحْدَهُ عَدَمُ السُّجُودِ كَمَا تَقَرَّرَ وَيَأْتِي أَوَّلَ الْبَيْعِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذِكْرِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ السُّجُودِ فِي نَحْوِ السَّاهِي بِعَدَمِ الْقَصْدِ اشْتِرَاطُ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ فِي الذَّاكِرِ وَلَيْسَ مُرَادًا فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ عَدَمُ الصَّارِفِ وَقَوْلُهُمْ لَا يَكُونُ الْقُرْآنُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ مَحَلُّهُ عِنْدَ وُجُودِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ لَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ عَدَمِ نَدْبِهَا لِلْمُفَسِّرِ أَيْ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ صَارِفٌ لِلْقِرَاءَةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَمِثْلُهُ الْمُسْتَدِلُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ قَالَ السُّبْكِيُّ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ إذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ لَا يَسْجُدُ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالُوهُ فَحَدِيثُ زَيْدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ } حُجَّةٌ لَهُمْ ا هـ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَمْ يَسْجُدْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ { قَوْلُ زَيْدٍ قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْجُدْ } وَسَبَبُهُ بَيَانُ جَوَازِ تَرْكِ السُّجُودِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فَتَرْكُ زَيْدٍ لِلسُّجُودِ إنَّمَا هُوَ لِتَرْكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَدَعْوَى الْعَكْسِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَبِي دَاوُد عَجِيبَةٌ فَإِنْ قَالَ الْقُرَّاءُ إنَّ التِّلْمِيذَ لَا يَسْجُدُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ الشَّيْخُ كَذَلِكَ قُلْنَا لَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ زَيْدٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِتَجْوِيزِهِ النَّسْخَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّرْكِ مُطْلَقًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ وَأَنَّ تَرْكَ أَحَدِهِمَا لَهُ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ الْآخَرِ لَهُ ( وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ ) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى طَلَبِهَا مِنْهُ حِينَئِذٍ وَجَرَيَانُ وَجْهٍ بِعَدَمِهِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ .
وَإِذَا سَجَدَ مَعَهُ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِهِ ( قُلْتُ وَيُسَنُّ لِلسَّامِعِ ) لِجَمِيعِ الْآيَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَمَا ذُكِرَ وَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ السَّمَاعَ وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ لَكِنْ دُونَ تَأَكُّدِهَا لِلْمُسْتَمِعِ ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) لِمَا صَحَّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَيَسْجُدُ وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُهُمْ مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ } ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ سُورَتَهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ أَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ لِغَرَضِ السُّجُودِ فَقَطْ 211 أَوْ سَجَدَ الْمُصَلِّي لِغَيْرِ سَجْدَةِ إمَامِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ حَرُمَ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ ، وَكَلَامُ التِّبْيَانِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَنْهِيٌّ عَنْ زِيَادَةِ سُجُودٍ فِيهَا إلَّا لِسَبَبٍ كَمَا أَنَّ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا لِسَبَبٍ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا بِقَصْدِ السُّجُودِ فَقَطْ كَتَعَاطِي السَّبَبِ بِاخْتِيَارِهِ فِيهِ لِيَفْعَلَ الصَّلَاةَ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ بِقَصْدِ التَّحِيَّةِ فَقَطْ فَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ قِرَاءَةُ { الم تَنْزِيلُ } السَّجْدَةُ فِي أَوَّلِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ لِيَسْجُدَ مَرْدُودٌ كَمَا بَسَطَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا اتِّبَاعُ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالسُّجُودُ لَهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَا مَرَّ مِنْ تَجْرِيدِ قَصْدِ السُّجُودِ فَقَطْ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَثِّرْ قَصْدُهُ فَقَطْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَالْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ عِبَادَةً لَا مَانِعَ مِنْهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ فِيمَا مَرَّ فِي الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَجُوزُ قَطْعُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ السُّجُودُ فِيهَا بِذَلِكَ الْقَصْدِ تَلَبُّسٌ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ فَيَحْرُمُ حَتَّى فِي النَّفْلِ كَمَا أَنَّهُ يُبْطِلُهُ وَخَرَجَ بِالسَّامِعِ غَيْرُهُ .
وَإِنْ عَلِمَ بِرُؤْيَةِ السُّجُودِ وَزَعَمَ دُخُولَهُ فِي { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ سَمِعَهُ وَصَحَّ عَنْ جَمْعِ صَحَابَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ أَيْ سَمِعَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith