شرح منتهى الإرادات
شرح منتهى الإرادات · الجزء الثالث
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبَابُ الرُّجُوعِ عَنْهَا وَبَابُ أَدَائِهَا أَيْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الشَّهَادَةُ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مُسْتَدَامَةٌ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ لِمَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الشَّاهِدِ مِنْ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ وَالْعَجْزِ عَنْ الشَّهَادَةِ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُوجِبُ 604 ضَيَاعَ حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فَاسْتُدْرِكَ ذَلِكَ بِتَجْوِيزِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِتَدُومَ الْوَثِيقَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأْبِيدِ كَالْوَقْفِ وَالشَّاهِدُ لَا يَعِيشُ أَبَدًا ( لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ ) لَخَّصَهَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ ( أَحَدُهَا : كَوْنُهَا ) أَيْ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ( فِي حَقٍّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ ) وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَكَذِبِ شُهُودِ الْفَرْعِ فِيهَا مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لَا يُوجَدُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ ; لِأَنَّ سِتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ .
الشَّرْطُ ( الثَّانِي : تَعَذُّرُ ) شَهَادَةِ ( شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ غَيْبَةِ مَسَافَةِ قَصْرٍ ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ وَشَهَادَةَ الْفَرْعِ إنَّمَا تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَلِاسْتِغْنَاءِ الْحَاكِمِ بِسَمَاعِ الْأَصْلِ عَنْ تَعْدِيلِ الْفَرْعِ وَسَمَاعُهُ مِنْ الْأَصْلِ مَعْلُومٌ وَصِدْقُ شَاهِدِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ وَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ . الشَّرْطُ ( الثَّالِثُ : دَوَامُ تَعَذُّرِهِمْ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ ( إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ فَمَتَى أَمْكَنَتْ شَهَادَتُهُمْ ) أَيْ الْأُصُولِ ( قَبْلَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( وُقِفَ ) الْحُكْمُ ( عَلَى سَمَاعِهَا ) لِزَوَالِ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ أَصِحَّاءَ .
الشَّرْطُ ( الرَّابِعُ : دَوَامُ عَدَالَةِ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ وَ ) شَاهِدِ ( فَرْعٍ إلَيْهِ ) أَيْ صُدُورِ الْحَكَمِ ( فَمَتَى حَدَثَ قَبْلَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( مِنْ أَحَدِهِمْ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَشُهُودِ الْفَرْعِ ( مَا يَمْنَعُ قَبُولَهُ ) مِنْ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ جُنُونٍ ( وُقِفَ ) الْحُكْمُ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شَهَادَةِ الْجَمِيعِ وَإِذَا فُقِدَ شَرْطُ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا . الشَّرْطُ ( الْخَامِسُ : اسْتِرْعَاءُ ) شَاهِدِ ( الْأَصْلِ ) شَاهِدَ ( الْفَرْعِ أَوْ ) اسْتِرْعَاءُ ( غَيْرِهِ وَهُوَ ) أَيْ الْفَرْعُ ( يَسْتَمِعُ ) اسْتِرْعَاءَ الْأَصْلِ لِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الِاسْتِرْعَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ : أَرِعْنِي سَمْعَك ، يُرِيدُ : اسْمَعْ مِنِّي ، مَأْخُوذٌ مِنْ رَعَيْتُ الشَّيْءَ : حَفِظْتَهُ ، فَشَاهِدُ الْأَصْلِ يَطْلُبُ مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَحْفَظَ شَهَادَتَهُ وَيُؤَدِّيَهَا وَصِفَةُ الِاسْتِرْعَاءِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( فَيَقُولُ ) شَاهِدُ الْأَصْلِ لِمَنْ يَسْتَرْعِيهِ ( اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي ) أَنِّي أَشْهَدُ .
( أَوْ ) يَقُولُ لَهُ : ( اشْهَدْ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفْتَهُ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ 605 أَوْ ) يَقُولُ ( شَهِدْت عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَإِلَّا ) يَسْتَرْعِهِ وَلَا غَيْرَهُ مَعَ سَمَاعِهِ ( لَمْ يَشْهَدْ ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ ( إلَّا إنْ سَمِعَهُ ) أَيْ سَمِعَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ ( يَشْهَدُ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ يَعْزُوهَا ) أَيْ شَهَادَتَهُ ( إلَى سَبَبٍ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ وَنَحْوِهِمَا ) فَيَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَبِنِسْبَتِهِ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ كَالِاسْتِرْعَاءِ .
الشَّرْطُ ( السَّادِسُ : أَنْ يُؤَدِّيَهَا ) أَيْ الشَّاهِدُ ( الْفَرْعُ بِصِفَةِ ) تَحَمُّلِهِ وَإِلَّا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ( وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ بِفَرْعَيْنِ وَلَوْ عَلَى كُلِّ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ ) شَاهِدُ ( فَرْعٍ ) نَصًّا كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ وَلِأَنَّ الْفَرْعَ بَدَلُ الْأَصْلِ فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِ وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهَا فَكَفَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ( وَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِ ) شَهَادَةِ ( فَرْعٍ ) وَاحِدٍ ( مَعَ أَصْلٍ آخَرَ ) كَأَصْلَيْنِ أَوْ فَرَعَيْنَ ( وَيَصِحُّ تَحَمُّلُ فَرْعٍ عَلَى فَرْعٍ ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ( وَ ) يَصِحُّ ( أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ ) حَيْثُ يُقْبَلْنَ ( فِي أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَفَرْعٍ وَفَرْعٍ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْأُصُولُ فَدَخَلَ فِيهِ النِّسَاءُ ( فَيُقْبَلُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى مِثْلِهِمْ أَوْ عَلَى رَجُلَيْنِ أَصْلَيْنِ أَوْ فَرَعَيْنَ ) فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ ( وَ ) تُقْبَلُ ( امْرَأَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ ) لِمَا تَقَدَّمَ .
الشَّرْطُ ( السَّابِعُ : تَعْيِينُ شَاهِدَيْ فَرْعٍ لِأَصْلِهِ ) قَالَ الْقَاضِي : حَتَّى لَوْ قَالَ تَابِعِيَّانِ : أَشْهَدَنَا صَحَابِيَّانِ ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعَيِّنَهُمَا . الشَّرْطُ ( الثَّامِنُ : ثُبُوتُ عَدَالَةِ الْجَمِيعِ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَتَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِمَا بِدُونِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، لِانْبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا ( فَلَا يَجِبُ عَلَى ) شَاهِدِ ( فَرْعٍ تَعْدِيلُ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ فَيَبْحَثَ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا وَيَتْرُكَاهَا اكْتِفَاءً ، بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا ( تُقْبَلُ ) شَهَادَةُ الْفَرْعِ ( بِهِ ) أَيْ بِتَعْدِيلِ أَصْلِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ : بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ( وَ ) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ ( بِمَوْتِهِ ) أَيْ الْأَصْلِ ( وَنَحْوِهِ ) كَمَرَضِهِ وَغَيْبَتِهِ كَتَعْدِيلِهِمْ وَ ( لَا ) يُقْبَلُ ( تَعْدِيلُ شَاهِدٍ لِرَفِيقِهِ ) بَعْدَ شَهَادَتِهِ أَصْلًا كَانَ أَوْ فَرْعًا لِإِفْضَائِهِ إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ . فَلَوْ كَانَ قَدْ زَكَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ شَهِدَ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ ( وَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدُ أَفْرُعٍ عَلَى أَصْلٍ ) وَاحِدٍ ( وَتَعَذَّرَ ) الْأَصْلُ ( وَالْآخَرُ ) وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى 606 شَهَادَتِهِ ( حَلَفَ ) مَشْهُودٌ لَهُ ( وَاسْتَحَقَّ ) مَا شَهِدَا لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ أَصْلُهُمَا ( وَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ : إذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ .
( وَيَضْمَنُ شُهُودُ الْفَرْعِ ) مَحْكُومًا بِهِ يَتْلَفُ بِشَهَادَتِهِمْ ( بِرُجُوعِهِمْ بَعْدَ الْحُكْمِ ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ كَمَا لَوْ بَاشَرُوا التَّلَفَ بِأَيْدِيهِمْ ( مَا لَمْ يَقُولُوا : بَانَ لَنَا كَذِبُ الْأُصُولِ أَوْ غَلَطُهُمْ ) فَلَا يَضْمَنُونَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ عَنْ شَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْأُصُولِ ( وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَعْدَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( لَمْ يَضْمَنُوا ) شَيْئًا لِحُصُولِ الْإِتْلَافِ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ ضَمَانٌ كَالْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُلْجِئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ ( إلَّا إنْ قَالُوا : كَذَبْنَا أَوْ ) قَالُوا ( غَلِطْنَا ) فَيَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ لِاعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْإِتْلَافِ بِقَوْلِهِمْ : كَذَبْنَا ، أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ : غَلِطْنَا ( وَإِنْ قَالَا ) أَيْ شَاهِدَا الْأَصْلِ ( بَعْدَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( مَا أَشْهَدْنَاهُمَا ) أَيْ الْفَرْعَيْنِ ( بِشَيْءٍ ) مِمَّا شَهِدَا بِهِ عَلَى شَهَادَتِنَا ( لَمْ يَضْمَنْ الْفَرِيقَانِ ) لَا شَاهِدُ الْأَصْلِ وَلَا شَاهِدُ الْفَرْعِ ( شَيْئًا ) مِمَّا حَكَمَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَذِبُ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ وَلَا رُجُوعُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ; إذْ الرُّجُوعُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُشَاهَدَةٍ وَهُمَا أَنْكَرَا أَصْلَ الشَّهَادَةِ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مُسْتَدَامَةٌ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ لِمَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الشَّاهِدِ مِنْ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ وَالْعَجْزِ عَنْ الشَّهَادَةِ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُوجِبُ 604 ضَيَاعَ حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فَاسْتُدْرِكَ ذَلِكَ بِتَجْوِيزِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِتَدُومَ الْوَثِيقَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأْبِيدِ كَالْوَقْفِ وَالشَّاهِدُ لَا يَعِيشُ أَبَدًا ( لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ ) لَخَّصَهَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ ( أَحَدُهَا : كَوْنُهَا ) أَيْ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ( فِي حَقٍّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ ) وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَكَذِبِ شُهُودِ الْفَرْعِ فِيهَا مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لَا يُوجَدُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ ; لِأَنَّ سِتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ .
الشَّرْطُ ( الثَّانِي : تَعَذُّرُ ) شَهَادَةِ ( شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ غَيْبَةِ مَسَافَةِ قَصْرٍ ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ وَشَهَادَةَ الْفَرْعِ إنَّمَا تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَلِاسْتِغْنَاءِ الْحَاكِمِ بِسَمَاعِ الْأَصْلِ عَنْ تَعْدِيلِ الْفَرْعِ وَسَمَاعُهُ مِنْ الْأَصْلِ مَعْلُومٌ وَصِدْقُ شَاهِدِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ وَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ . الشَّرْطُ ( الثَّالِثُ : دَوَامُ تَعَذُّرِهِمْ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ ( إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ فَمَتَى أَمْكَنَتْ شَهَادَتُهُمْ ) أَيْ الْأُصُولِ ( قَبْلَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( وُقِفَ ) الْحُكْمُ ( عَلَى سَمَاعِهَا ) لِزَوَالِ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ أَصِحَّاءَ .
الشَّرْطُ ( الرَّابِعُ : دَوَامُ عَدَالَةِ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ وَ ) شَاهِدِ ( فَرْعٍ إلَيْهِ ) أَيْ صُدُورِ الْحَكَمِ ( فَمَتَى حَدَثَ قَبْلَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( مِنْ أَحَدِهِمْ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَشُهُودِ الْفَرْعِ ( مَا يَمْنَعُ قَبُولَهُ ) مِنْ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ جُنُونٍ ( وُقِفَ ) الْحُكْمُ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شَهَادَةِ الْجَمِيعِ وَإِذَا فُقِدَ شَرْطُ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا . الشَّرْطُ ( الْخَامِسُ : اسْتِرْعَاءُ ) شَاهِدِ ( الْأَصْلِ ) شَاهِدَ ( الْفَرْعِ أَوْ ) اسْتِرْعَاءُ ( غَيْرِهِ وَهُوَ ) أَيْ الْفَرْعُ ( يَسْتَمِعُ ) اسْتِرْعَاءَ الْأَصْلِ لِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الِاسْتِرْعَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ : أَرِعْنِي سَمْعَك ، يُرِيدُ : اسْمَعْ مِنِّي ، مَأْخُوذٌ مِنْ رَعَيْتُ الشَّيْءَ : حَفِظْتَهُ ، فَشَاهِدُ الْأَصْلِ يَطْلُبُ مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَحْفَظَ شَهَادَتَهُ وَيُؤَدِّيَهَا وَصِفَةُ الِاسْتِرْعَاءِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( فَيَقُولُ ) شَاهِدُ الْأَصْلِ لِمَنْ يَسْتَرْعِيهِ ( اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي ) أَنِّي أَشْهَدُ .
( أَوْ ) يَقُولُ لَهُ : ( اشْهَدْ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفْتَهُ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ 605 أَوْ ) يَقُولُ ( شَهِدْت عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَإِلَّا ) يَسْتَرْعِهِ وَلَا غَيْرَهُ مَعَ سَمَاعِهِ ( لَمْ يَشْهَدْ ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ ( إلَّا إنْ سَمِعَهُ ) أَيْ سَمِعَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ ( يَشْهَدُ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ يَعْزُوهَا ) أَيْ شَهَادَتَهُ ( إلَى سَبَبٍ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ وَنَحْوِهِمَا ) فَيَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَبِنِسْبَتِهِ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ كَالِاسْتِرْعَاءِ .
الشَّرْطُ ( السَّادِسُ : أَنْ يُؤَدِّيَهَا ) أَيْ الشَّاهِدُ ( الْفَرْعُ بِصِفَةِ ) تَحَمُّلِهِ وَإِلَّا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ( وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ بِفَرْعَيْنِ وَلَوْ عَلَى كُلِّ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ ) شَاهِدُ ( فَرْعٍ ) نَصًّا كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ وَلِأَنَّ الْفَرْعَ بَدَلُ الْأَصْلِ فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِ وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهَا فَكَفَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ( وَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِ ) شَهَادَةِ ( فَرْعٍ ) وَاحِدٍ ( مَعَ أَصْلٍ آخَرَ ) كَأَصْلَيْنِ أَوْ فَرَعَيْنَ ( وَيَصِحُّ تَحَمُّلُ فَرْعٍ عَلَى فَرْعٍ ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ( وَ ) يَصِحُّ ( أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ ) حَيْثُ يُقْبَلْنَ ( فِي أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَفَرْعٍ وَفَرْعٍ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْأُصُولُ فَدَخَلَ فِيهِ النِّسَاءُ ( فَيُقْبَلُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى مِثْلِهِمْ أَوْ عَلَى رَجُلَيْنِ أَصْلَيْنِ أَوْ فَرَعَيْنَ ) فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ ( وَ ) تُقْبَلُ ( امْرَأَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ ) لِمَا تَقَدَّمَ .
الشَّرْطُ ( السَّابِعُ : تَعْيِينُ شَاهِدَيْ فَرْعٍ لِأَصْلِهِ ) قَالَ الْقَاضِي : حَتَّى لَوْ قَالَ تَابِعِيَّانِ : أَشْهَدَنَا صَحَابِيَّانِ ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعَيِّنَهُمَا . الشَّرْطُ ( الثَّامِنُ : ثُبُوتُ عَدَالَةِ الْجَمِيعِ ) أَيْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَتَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِمَا بِدُونِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، لِانْبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا ( فَلَا يَجِبُ عَلَى ) شَاهِدِ ( فَرْعٍ تَعْدِيلُ ) شَاهِدِ ( أَصْلٍ ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ فَيَبْحَثَ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا وَيَتْرُكَاهَا اكْتِفَاءً ، بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا ( تُقْبَلُ ) شَهَادَةُ الْفَرْعِ ( بِهِ ) أَيْ بِتَعْدِيلِ أَصْلِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ : بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ( وَ ) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ ( بِمَوْتِهِ ) أَيْ الْأَصْلِ ( وَنَحْوِهِ ) كَمَرَضِهِ وَغَيْبَتِهِ كَتَعْدِيلِهِمْ وَ ( لَا ) يُقْبَلُ ( تَعْدِيلُ شَاهِدٍ لِرَفِيقِهِ ) بَعْدَ شَهَادَتِهِ أَصْلًا كَانَ أَوْ فَرْعًا لِإِفْضَائِهِ إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ . فَلَوْ كَانَ قَدْ زَكَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ شَهِدَ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ ( وَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدُ أَفْرُعٍ عَلَى أَصْلٍ ) وَاحِدٍ ( وَتَعَذَّرَ ) الْأَصْلُ ( وَالْآخَرُ ) وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى 606 شَهَادَتِهِ ( حَلَفَ ) مَشْهُودٌ لَهُ ( وَاسْتَحَقَّ ) مَا شَهِدَا لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ أَصْلُهُمَا ( وَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ : إذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ .
( وَيَضْمَنُ شُهُودُ الْفَرْعِ ) مَحْكُومًا بِهِ يَتْلَفُ بِشَهَادَتِهِمْ ( بِرُجُوعِهِمْ بَعْدَ الْحُكْمِ ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ كَمَا لَوْ بَاشَرُوا التَّلَفَ بِأَيْدِيهِمْ ( مَا لَمْ يَقُولُوا : بَانَ لَنَا كَذِبُ الْأُصُولِ أَوْ غَلَطُهُمْ ) فَلَا يَضْمَنُونَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ عَنْ شَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْأُصُولِ ( وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَعْدَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( لَمْ يَضْمَنُوا ) شَيْئًا لِحُصُولِ الْإِتْلَافِ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ ضَمَانٌ كَالْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُلْجِئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ ( إلَّا إنْ قَالُوا : كَذَبْنَا أَوْ ) قَالُوا ( غَلِطْنَا ) فَيَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ لِاعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْإِتْلَافِ بِقَوْلِهِمْ : كَذَبْنَا ، أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ : غَلِطْنَا ( وَإِنْ قَالَا ) أَيْ شَاهِدَا الْأَصْلِ ( بَعْدَهُ ) أَيْ الْحُكْمِ ( مَا أَشْهَدْنَاهُمَا ) أَيْ الْفَرْعَيْنِ ( بِشَيْءٍ ) مِمَّا شَهِدَا بِهِ عَلَى شَهَادَتِنَا ( لَمْ يَضْمَنْ الْفَرِيقَانِ ) لَا شَاهِدُ الْأَصْلِ وَلَا شَاهِدُ الْفَرْعِ ( شَيْئًا ) مِمَّا حَكَمَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَذِبُ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ وَلَا رُجُوعُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ; إذْ الرُّجُوعُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُشَاهَدَةٍ وَهُمَا أَنْكَرَا أَصْلَ الشَّهَادَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith