نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج · الجزء الثالث
الصفحة 2064 · ص. المطبوع 8 · الشرح
( وَيَكُونُونَ ) أَيْ الْمُدْخِلُونَ لِلْمَيِّتِ الْقَبْرَ ( وَتْرًا ) اسْتِحْبَابًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْوَاحِدِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِمَا صَحَّ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَنَزَلَ مَعَهُمْ خَامِسٌ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَقُثْمٌ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ مَعَهُمْ خَامِسٌ .
أَمَّا الْوَاجِبُ فِي الْمُدْخِلِ لَهُ فَهُوَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ ( وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ ) أَوْ غَيْرِهِ ( عَلَى يَمِينِهِ ) نَدْبًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالرَّوْضَةِ وَإِنْ صَوَّبَ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلَ الْإِمَامِ وُجُوبَهُ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَكَالِاضْطِجَاعِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنْ وُضِعَ عَلَى الْيَسَارِ كُرِهَ وَهُوَ مُرَادُ الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ خِلَافَ الْأَفْضَلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ إنَّمَا هُوَ الْكَرَاهَةُ ، وَيُوَجَّهُ ( لِلْقِبْلَةِ ) حَتْمًا تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْمُصَلِّي ، فَإِنْ دُفِنَ مُسْتَدْبِرًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا نُبِشَ حَتْمًا إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَإِلَّا فَلَا وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي .
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ كَالْمُصَلِّي عَدَمُ وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ بِالْكَافِرِ الْقِبْلَةَ عَلَيْنَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ اسْتِقْبَالُهُ وَاسْتِدْبَارُهُ .
نَعَمْ لَوْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ وَفِي جَوْفِهَا جَنِينٌ مُسْلِمٌ جُعِلَ ظَهْرُهَا لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا لِيَتَوَجَّهَ الْجَنِينُ لِلْقِبْلَةِ حَيْثُ وَجَبَ دَفْنُهُ لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا إذْ وَجْهُ الْجَنِينِ لِظَهْرِ أُمِّهِ ، وَتُدْفَنُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ( وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ ) اسْتِحْبَابًا فِي هَذَا وَالْأَفْعَالُ الْمَعْطُوفَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا رِجْلَاهُ ( إلَى جِدَارِهِ ) أَيْ الْقَبْرِ وَيُقَوَّسُ لِئَلَّا يَنْكَبَّ ( وَ ) يُسْنَدُ ( ظَهْرُهُ بِلَبِنَةٍ ) طَاهِرَةٍ ( وَنَحْوِهَا ) كَطِينٍ لِيَمْنَعَهُ عَنْ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى قَفَاهُ وَيُجْعَلُ تَحْتَ 8 رَأْسِهِ لَبِنَةٌ أَوْ حَجَرٌ وَيُفْضَى بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَيْهِ أَوْ إلَى التُّرَابِ .
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنْ يُنَحَّى الْكَفَنُ عَنْ خَدِّهِ وَيُوضَعَ عَلَى التُّرَابِ ( وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَذَا غَيْرُهُ ( بِلَبِنٍ ) وَهُوَ طُوبٌ لَمْ يُحْرَقْ وَنَحْوِهِ كَطِينٍ لِقَوْلِ سَعْدٍ فِيمَا مَرَّ وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نَصْبًا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي صِيَانَةِ الْمَيِّتِ عَنْ نَبْشِهِ ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللَّبِنَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ فِي قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعٌ ( وَيَحْثُو ) بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ( مَنْ دَنَا ) مِنْ الْقَبْرِ ( ثَلَاثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ ) مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ وَيَكُونُ الْحَثْيُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّتِ { ۝ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّثِ ثَلَاثًا } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إسْرَاعِ الدَّفْنِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا الْغَرَضِ وَإِظْهَارِ الرِّضَا بِمَا صَارَ إلَيْهِ الْمَيِّتُ ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ أَصْلَ سَدِّ اللَّحْدِ مَنْدُوبٌ كَسَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ ، فَيَجُوزُ إهَالَةُ التُّرَابِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَدٍّ ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ لَكِنْ بَحَثَ آخَرُونَ وُجُوبَ السَّدِّ كَمَا عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ مِنْ زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْآنَ ، فَتَحْرُمُ تِلْكَ الْإِهَالَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِزْرَاءِ وَهَتْكِ الْحُرْمَةِ ، وَإِذَا حَرَّمْنَا مَا دُونَ ذَلِكَ كَكَبِّهِ عَلَى وَجْهِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ فَهَذَا أَوْلَى ا هـ .
وَيُجْرَى مَا ذُكِرَ فِي تَسْقِيفِ الشَّقِّ وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَوْ انْهَدَمَ الْقَبْرُ تَخَيَّرَ الْوَلِيُّ 9 بَيْنَ تَرْكِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَنَقْلِهِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ ا هـ .
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ . وَأُلْحِقَ بِانْهِدَامِهِ انْهِيَارُ تُرَابِهِ عَقِبَ دَفْنِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ نَحْوُ سَبُعٍ أَوْ يَظْهَرُ مِنْهُ رِيحٌ ، وَإِلَّا وَجَبَ إصْلَاحُهُ قَطْعًا وَالتَّعْبِيرُ بِالْحَثَيَاتِ هُوَ الْأَفْصَحُ مِنْ حَثَى يَحْثِي حَثْيًا وَحَثَيَاتٍ ، وَيَجُوزُ حَثَا يَحْثُو حَثْوًا وَحَثَوَاتٍ ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَمَعَ الثَّانِيَةِ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمَعَ الثَّالِثَةِ وَمِنْهَا نُحْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى زَادَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ حُجَّتَهُ ، وَفِي الثَّانِيَةِ : اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ ، وَفِي الثَّالِثَةِ : اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَضَابِطُ الدُّنُوِّ مَا لَا تَحْصُلُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ لَهَا وَقَعَ فِيمَا يَظْهَرُ فَمَنْ لَمْ يَدْنُ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ ، لَكِنْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ : إنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْبَعِيدِ أَيْضًا ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّأْكِيدِ ( ثُمَّ يُهَالُ ) أَيْ يُصَبُّ التُّرَابُ عَلَى الْمَيِّتِ ( بِالْمَسَاحِي ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مِسْحَاةٍ بِكَسْرِهَا ، وَهِيَ آلَةٌ تُمْسَحُ الْأَرْضُ بِهَا وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ حَدِيدٍ بِخِلَافِ الْمِجْرَفَةِ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ السَّحْوِ : أَيْ الْكَشْفِ ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا هِيَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ إسْرَاعُ تَكْمِيلِ الدَّفْنِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَثْيِ ; لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ وُقُوعِ اللَّبِنَاتِ وَعَنْ تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ بِالْغُبَارِ .
( وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ ) بِدَارِنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ( شِبْرًا ) تَقْرِيبًا أَيْ قَدْرُهُ ( فَقَطْ ) لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ وَيُحْتَرَمَ ، وَكَقَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ تُرَابُهُ شِبْرًا زِيدَ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، بَلْ قَدْ يَحْتَاجُ لِلزِّيَادَةِ كَأَنْ سَفَّتْهُ الرِّيحُ قَبْلَ إتْمَامِ حَفْرِهِ أَوْ قَلَّ تُرَابُ الْأَرْضِ لِكَثْرَةِ الْحِجَارَةِ أَمَّا لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ فَلَا يُرْفَعُ قَبْرُهُ بَلْ يُخْفَى لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لَهُ الْكُفَّارُ إذَا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ نَبْشُهُ لِسَرِقَةِ كَفَنِهِ أَوْ عَدَاوَةٍ أَوْ أَوْ نَحْوِهِمَا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ ، وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بِهِ أَيْضًا مَا لَوْ مَاتَ بِبَلَدِ بِدْعَةٍ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ نَبْشِهِ وَهَتْكِهِ وَالتَّمْثِيلِ بِهِ كَمَا فَعَلُوهُ بِبَعْضِ الصُّلَحَاءِ وَأَحْرَقُوهُ ( وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ ) لِأَنَّ قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 10 وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ كَانَتْ كَذَلِكَ كَمَا صَحَّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَوَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ كَوْنُ التَّسْطِيحِ صَارَ شِعَارًا لِلرَّوَافِضِ إذْ السُّنَّةُ لَا تُتْرَكُ بِمُرَافَقَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِيهَا ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْته } لَمْ يَرِدْ بِهِ تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ بَلْ تَسْطِيحُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّ تَسْنِيمَهُ أَوْلَى لِمَا مَرَّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث