الإنصاف
الإنصاف · الجزء الخامس
الصفحة 2809 · ص. المطبوع 311
وَالثَّالِثَةُ : هَلْ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ مَعَ الذِّمَّةِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : هَلْ الدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، أَوْ انْتَقَلَ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ لَا غَيْرَ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ . قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ . وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِالْمُؤَجَّلِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَفِي الِانْتِصَارِ ، الصَّحِيحُ : أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِي التَّرِكَةِ . انْتَهَى .
وَمِنْهُمْ : مَنْ خَصَّهُ بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ . ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا ، وَالْآمِدِيُّ ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي . وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ فَقَطْ . قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى . وَرُدَّ بِلُزُومِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِيهَا بِالتَّلَفِ . وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ . إذَا عُرِفَ هَذَا : فَلِلْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ كَوْنُ الدَّيْنِ يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ أَمْ لَا ؟ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ . ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَوَائِدِ مِنْ قَوَاعِدِهِ .
مِنْهَا : نُفُوذُ تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ . فَعَلَى الثَّانِيَةِ : لَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ النُّفُوذِ . وَعَلَى الْمَذْهَبِ قِيلَ : لَا يَنْفُذُ . قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِتَابَيْهِمَا . 311 وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةَ ابْنِ الْمَنْصُورِ عَلَى هَذَا . وَقِيلَ يَنْفُذُ : قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ وَالْقِسْمَةِ ، وَجَعَلَاهُ الْمَذْهَبَ . قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ : أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ : صِحَّةُ تَصَرُّفِهِمْ . انْتَهَى .
وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ . قَالَهُ الْقَاضِي . قَالَ : وَمَتَى خَلَّى الْوَرَثَةُ بَيْنَ التَّرِكَةِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ : سَقَطَتْ مُطَالَبَتُهُمْ بِالدُّيُونِ . وَنَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُوفِيهِمْ مِنْهَا . وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغُرَمَاءُ بِذَلِكَ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا تَصَرَّفُوا فِيهَا طُولِبُوا بِالدُّيُونِ كُلِّهَا . وَفِي الْكَافِي : إنَّمَا يَضْمَنُونَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ الدَّيْنِ . وَعَلَى الْأَوَّلِ : يَنْفُذُ الْعِتْقُ خَاصَّةً كَعِتْقِ الرَّاهِنِ . ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ . وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَجْهَيْنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ . وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مَأْخَذَهُمَا : أَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ ، هَلْ يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ إسْقَاطَهَا بِالْتِزَامِهِمْ الْأَدَاءَ مِنْ عِنْدِهِمْ أَمْ لَا ؟ وَفِي النَّظَرِيَّاتِ لِابْنِ عَقِيلٍ : عِتْقُ الْوَرَثَةِ يَنْفُذُ مَعَ يَسَارِهِمْ ، دُونَ إعْسَارِهِمْ . اعْتِبَارًا بِعِتْقِ مَوْرُوثِهِمْ فِي مَرَضِهِ . وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ التَّرِكَةِ عِنْدَ الْغُرَمَاءِ ؟ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : لَا يَصِحُّ . وَمِنْهَا : نَمَاءُ التَّرِكَةِ . فَعَلَى الثَّانِيَةِ : يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهِ أَيْضًا . وَعَلَى الْمَذْهَبِ : فِيهِ وَجْهَانِ . هَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ أَمْ لَا ؟ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ . وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ ، إنْ قِيلَ : إنَّ التَّرِكَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ : تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ كَالْمَرْهُونِ . ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنْ قُلْنَا : تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ رَهْنٍ يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، 312 فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ . وَإِنْ قُلْنَا : تَعَلُّقَ جِنَايَةٍ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ . وَأَمَّا إنْ قُلْنَا : لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ : لَمْ تَتَعَلَّقْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ . ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ . وَخَرَّجَ الْأَدَمِيُّ ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي : تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالنَّمَاءِ مَعَ الِانْتِقَالِ أَيْضًا كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ . وَقَدْ يَنْبَنِي ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ . وَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، أَوْ انْتَقَلَ إلَى ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ لَا غَيْرُ ؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلُ فَوَائِدَ . قَالَ : فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ : يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا تَتَعَلَّقَ الْحُقُوقُ بِالنَّمَاءِ . إذْ هُوَ كَتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ . وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ : يَتَوَجَّهُ تَعَلُّقُهَا بِالنَّمَاءِ كَالرَّهْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث