رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
بَابُ الْجِنَايَاتِ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَقْسَامِ الْمُحْرِمِينَ وَأَحْكَامِهِمْ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَوَارِضِهِمْ بِاعْتِبَارِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَالْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ . وَقَدَّمَ الْجِنَايَاتِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ الْقَاصِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَدَمِ وَهِيَ مَا تَجْنِيهِ مِنْ شَرٍّ . تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ 543 مِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً ، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ : وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ، وَجَمَعَهَا بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهَا نَهْرٌ ( قَوْلُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ ) حَاصِلُ الْأَوَّلِ سَبْعَةٌ نَظَمَهَا الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ بِقَوْلِهِ : ﴿﴾ مُحْرَمُ الْإِحْرَامِ يَا مَنْ يَدْرِي ﴿﴾ ﴿﴾ إزَالَةُ الشَّعْرِ وَقَصُّ الظُّفْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاللُّبْسُ وَالْوَطْءُ مَعَ الدَّوَاعِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَالطِّيبُ وَالدَّهْنُ وَصَيْدُ الْبَرِّ ﴿﴾ زَادَ فِي الْبَحْرِ ثَامِنًا وَهُوَ تَرْكُ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ ، فَلَوْ قَالَ . مُحْرِمُ الْإِحْرَامِ تَرْكُ وَاجِبٍ . إلَخْ كَانَ أَحْسَنَ .
وَحَاصِلُ الثَّانِي التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ . وَقَالَ فِي الْبَحْرِ : وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِسَبَبٍ إلَخْ ذِكْرُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا فَلَا يُوجِبُ الدَّمَ . وَقَالَ ط : وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهُ ، أَمَّا الْحَلَائِلُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا الْمُحْرِمُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَكُونُ حُرْمَتُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ( قَوْلُهُ وَقَدْ يَجِبُ بِهَا دَمَانِ ) كَجِنَايَةِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسَ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ ط ( قَوْلُهُ أَوْ دَمٌ ) كَأَكْثَرِ جِنَايَاتِ الْمُفْرِدِ ( قَوْلُهُ أَوْ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ ) أَوْ فِيهَا لِلتَّخْيِيرِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا جَنَى عَلَى الصَّيْدِ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالتَّصَدُّقِ وَالصِّيَامِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، أَوْ أَنَّ الثَّانِيَةَ فَقَطْ لِلتَّخْيِيرِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ فِي نَحْوِ مَا لَوْ قَتَلَ عُصْفُورًا . وَفِي الْهِدَايَةِ : وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ ا هـ زَادَ الشُّرَّاحُ أَوْ بِإِزَالَةِ شَعَرَاتٍ قَلِيلَةٍ ، لَكِنْ أَرَادَ بِالصَّدَقَةِ هُنَا الْأَعَمَّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى أَوْ صَدَقَةٌ وَلَوْ رُبْعَ صَاعٍ بِقَتْلِ حَمَامَةٍ أَوْ ثَمَرَةٌ بِقَتْلِ جَرَادَةٍ ( قَوْلُهُ فَفَصَّلَهَا ) أَيْ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا فَصَّلَهَا ط فَالْفَاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ ( قَوْلُهُ الْوَاجِبُ دَمٌ ) فَسَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالشَّاةِ ، وَأَشَارَ فِي الْبَحْرِ إلَى سِرِّهِ بِقَوْلِهِ إنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ لَا يَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ ، بِخِلَافِ دَمِ الشُّكْرِ ، لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ يَقُومُ الشِّرْكُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَ الشَّاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ . شُرُنْبُلَالِيَّةٌ .
قُلْت : وَفِي أُضْحِيَّةِ الْقُهُسْتَانِيِّ : لَوْ ذَبَحَ سَبْعَةٌ عَنْ أُضْحِيَّةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ وَإِحْصَارٍ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ الْحَلْقِ وَالْعَقِيقَةِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْأُصُولِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَقَرِّبٌ جَازَ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي النَّظْمِ ا هـ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَشِّينَ قَالَ : وَمَا فِي الْبَحْرِ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي بَابِ الْهَدْيِ أَنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ يُجْزِئُ وَكَذَلِكَ أَغْلَبُ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَالْمَنَاسِكِ مُصَرِّحَةٌ بِالْإِجْزَاءِ ا هـ فَافْهَمْ [ تَنْبِيهٌ ]
فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقَارِيِّ : ثُمَّ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي ، فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا فِي أَيِّ وَقْتٍ ، وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ لَفَاتَ ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَلَوْ تَبَرَّعُوا عَنْهُ جَازَ إلَّا الصَّوْمُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ نَاسِيًا إلَخْ ) قَالَ فِي اللُّبَابِ : ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بَيْنَ مَا إذَا جَنَى عَامِدًا أَوْ خَاطِئًا ، مُبْتَدِئًا أَوْ عَائِدًا ، ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا ، عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا ، نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا ، سَكْرَانًا أَوْ صَاحِيًا ، مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُفِيقًا ، مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا بِمُبَاشَرَتِهِ أَوْ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ . 544 قَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي : وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ عَامِدًا يَأْثَمُ ، وَلَا يُخْرِجُهُ الْفِدْيَةُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْعَامَّةِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَالَ أَنَا أَفْدِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ بِالْتِزَامِ الْفِدَاءِ يَتَخَلَّصُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، فَإِذَا خَالَفَ أَثِمَ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ مُبِيحَةً لِلْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَجَهَالَةُ هَذَا كَجَهَالَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ وَأَزْنِي وَالْحَدُّ يُطَهِّرُنِي ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ حَجَّهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا ا هـ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ هَذَا فِي الْحُدُودِ فَقَالُوا إنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ طُهْرَةً مِنْ الذَّنْبِ وَلَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ ، فَإِنْ تَابَ كَانَ الْحَدُّ طُهْرَةً لَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَلَا ، لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ : إنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الْإِثْمَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ ا هـ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ التَّيْسِيرَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أَيْ اصْطَادَ بَعْدَ هَذَا الِابْتِدَاءِ قِيلَ هُوَ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَإِنَّهَا لَا تَرْفَعُ الذَّنْبَ عَنْ الْمُصِرِّ ا هـ وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وَتَقْيِيدٌ مُسْتَحْسَنٌ يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالرِّوَايَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ أَيْ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَلَى غَيْرِ الْمُصِرِّ وَمَا فِي غَيْرِهِ عَلَى الْمُصِرِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّوْفِيقَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ . [ تَتِمَّةٌ ]
يُسْتَثْنَى مِنْ الْإِطْلَاقِ الْمَارِّ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ مَا فِي اللُّبَابِ : لَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ بِعُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ . وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَهُ فِيهَا إلَّا فِيمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ ، وَهِيَ تَرْكُ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةِ وَتَأْخِيرُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ وَتَرْكُ الصَّدْرِ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَتَرْكُ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، وَتَرْكُ السَّعْيِ وَتَرْكُ الْحَلْقِ لِعِلَّةٍ فِي رَأْسِهِ ا هـ لَكِنْ ذَكَرَ شَارِحُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ مَا لَا يَكُونُ مِنْ الْعِبَادِ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ اللُّبَابِ : وَلَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِحْصَارٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ . هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْإِحْصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مَانِعٌ مِنْ جَانِبِ الْمَخْلُوقِ فَلَا يُؤَثِّرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ فِيمَنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَدَمًا لِتَرْكِ الرَّمْيِ وَدَمًا لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي إحْصَارِ الْبَحْرِ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( قَوْلُهُ فَيَجِبُ ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاخْتِيَارِ الَّذِي أَفَادَهُ ذِكْرُ النَّاسِي وَالْمَكْرُوهِ ، وَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَنَّ الِارْتِفَاقَ حَصَلَ لِلنَّائِمِ وَعَدَمُ الِاخْتِيَارِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ عَنْهُ ، كَمَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مِنَحٌ ط ( قَوْلُهُ غَطَّى رَأْسَهُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ .
( قَوْلُهُ إنْ طَيَّبَ ) أَيْ الْمُحْرِمُ عُضْوًا : أَيْ مِنْ أَعْضَائِهِ كَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ ، وَالطِّيبُ جِسْمٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَعُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ شَرْطِهِ أَنَّهُ لَوْ شَمَّ طِيبًا أَوْ ثِمَارًا طَيِّبَةً لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كُرِهَ ، وَقُيِّدَ بِالْمُحْرِمِ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَوْ طَيَّبَ عُضْوًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَانْتَقَلَ مِنْهُ إلَى آخَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَيَّبَ عُضْوَ غَيْرِهِ أَوْ أَلْبَسَهُ الْمَخِيطَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ نَهْرٌ ( قَوْلُهُ كَامِلًا ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْكَثْرَةُ . قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِاخْتِلَافِ عِبَارَاتِ مُحَمَّدٍ ، فَفِي بَعْضِهَا جَعَلَ حَدَّ الْكَثْرَةِ عُضْوًا كَبِيرًا ، وَفِي بَعْضِهَا فِي تَنَفُّسِ الطِّيبِ ، فَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْأَوَّلَ ، وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الثَّانِيَ فَقَالَ : إنْ بِحَيْثُ يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ كَالْكَفَّيْنِ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْكَفِّ مِنْ 545 مِسْكٍ وَغَالِيَةٍ فَهُوَ كَثِيرٌ ، وَمَا لَا فَلَا . وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ بِرُبْعِ الْعُضْوِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : لَوْ طَيَّبَ رُبْعَ السَّاقِ أَوْ الْفَخِذَ يَلْزَمُ الدَّمُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ يَلْزَمُ الصَّدَقَةُ . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إنْ كَانَ الطِّيبُ فِي نَفْسِهِ قَلِيلًا فَالْعِبْرَةُ لِلْعُضْوِ الْكَامِلِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُعْتَبَرُ الْعُضْوُ ا هـ مُلَخَّصًا ، وَهَذَا تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، حَتَّى لَوْ طَيَّبَ بِالْقَلِيلِ عُضْوًا كَامِلًا أَوْ بِالْكَثِيرِ رُبْعَ عُضْوٍ لَزِمَ الدَّمُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : إنَّ التَّوْفِيقَ هُوَ التَّوْفِيقُ وَرُجِّحَ فِي الْبَحْرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا فِي الْمُتُونِ فَافْهَمْ .
هَذَا وَقَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ : قَوْلُهُ كَالرَّأْسِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْعُضْوِ فَلَيْسَ كَأَعْضَاءِ الْعَوْرَةِ فَلَا تَكُونُ الْأُذُنُ مَثَلًا عُضْوًا مُسْتَقِلًّا . ا هـ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ إنَّ الْمُرَادَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْعُضْوِ الصَّغِيرِ مِثْلَ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الْعُضْوَ الْكَامِلَ قَيَّدَهُ بِالْكَبِيرِ ا هـ ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ فِيمَا دُونَ الْكَامِلِ صَدَقَةً هُوَ قَوْلُهُمَا . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجِبُ بِقَدْرِهِ ، فَإِنْ بَلَغَ نِصْفَ الْعُضْوِ تَجِبُ صَدَقَةٌ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ رُبْعًا فَرُبْعٌ وَهَكَذَا . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بِلَا نَقْلِ خِلَافٍ ( قَوْلُهُ بِأَكْلِ طِيبٍ ) أَيْ خَالِصٍ بِلَا خَلْطٍ وَ بِلَا طَبِيخٍ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ ( قَوْلُهُ كَثِيرٍ ) هُوَ مَا يَلْتَزِقُ بِأَكْثَرِ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ ، وَهَذِهِ تَشْهَدُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ مُطْلَقًا فِي لُزُومِ الدَّمِ ، بَلْ ذَاكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . ا هـ . بَحْرٌ أَيْ فَإِنَّ لُزُومَ الدَّمِ بِالطِّيبِ الْكَثِيرِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْفَمِ يَشْهَدُ لِمَا مَرَّ مِنْ التَّوْفِيقِ ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لَوْ فَمَه بَعْدَ قَوْلِهِ عُضْوًا كَامِلًا فِيهِ مَا فِيهِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَثِيرِ هُنَا مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْفَمِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ أَوْ مَا يَبْلُغُ عُضْوًا إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى عُضْوًا : أَيْ أَوْ طَيَّبَ مَوَاضِعَ لَوْ جُمِعَتْ تَبْلُغُ عُضْوًا كَامِلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ . وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ بُلُوغِ أَصْغَرِ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمُطَيَّبَةِ كَمَا اعْتَبَرُوهُ بِانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ ، لَكِنْ بَعْدَ كَوْنِ ذَلِكَ الْأَصْغَرِ عُضْوًا كَبِيرًا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ إلَّا إذَا كَانَ الطِّيبُ كَثِيرًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّوْفِيقِ ( قَوْلُهُ فَلِكُلِّ طِيبٍ ) أَيْ طِيبِ مَجْلِسٍ مِنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ إنْ شَمِلَ عُضْوًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ ( قَوْلُهُ كَفَّارَةٌ ) سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا عِنْدَهُمَا . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لِتَرْكِهِ ) لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مَحْظُورًا فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ الْمُطَيَّبُ أَكْثَرُهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَكْثَرُ الثَّوْبِ لَا كَثْرَةُ الطِّيبِ ، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الشُّرُنْبُلَالِيَّةَ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا وَفِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَثْرَةُ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ وَأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْعُرْفُ ، حَتَّى إنَّهُ فِي الْبَحْرِ جَعَلَ هَذَا مُرَجِّحًا لِلْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَارَّةِ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْبَدَنَ وَالثَّوْبَ .
قُلْت : لَكِنْ نَقَلُوا عَنْ الْمُجَرَّدِ إنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ فَمَكَثَ عَلَيْهِ يَوْمًا يُطْعِمُ نِصْفَ صَاعٍ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَقَبْضَةٌ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : يُفِيدُ التَّنْصِيصَ عَلَى أَنَّ الشِّبْرَ فِي الشِّبْرِ دَاخِلٌ فِي الْقَلِيلِ ا هـ أَيْ حَيْثُ أَوْجَبَ بِهِ صَدَقَةً لَا دَمًا ، وَمَعَ هَذَا يُفِيدُ اعْتِبَارَ الْكَثْرَةِ فِي الثَّوْبِ لَا فِي الطِّيبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَكْثَرُ الثَّوْبِ ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الشِّبْرِ كَثِيرٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ لِكَثْرَةِ الطِّيبِ حِينَئِذٍ عُرْفًا ، فَرَجَعَ إلَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي الطِّيبِ لَا فِي الثَّوْبِ ، 546 وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ إجْرَاءُ التَّوْفِيقِ الْمَارِّ هُنَا أَيْضًا بِأَنَّ الطِّيبَ إذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ كَثِيرًا لَزِمَ الدَّمُ وَإِنْ أَصَابَ مِنْ الثَّوْبِ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يَلْزَمُ حَتَّى يُصِيبَ أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ ، وَرُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ رَبَطَ مِسْكًا أَوْ كَافُورًا أَوْ عَنْبَرًا كَثِيرًا فِي طَرَفِ إزَارِهِ أَوْ رِدَائِهِ لَزِمَهُ دَمٌ ، أَيْ إنْ دَامَ يَوْمًا وَلَوْ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَيُشْتَرَطُ لِلُزُومِ الدَّمِ ) أَفْرَدَ الدَّمَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ ثَوْبُ الْمُحْرِمِ مِنْ إزَارٍ أَوْ رِدَاءٍ ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَخِيطًا فَيَجِبُ بِدَوَامِ لُبْسِهِ دَمٌ آخَرُ سَكَتَ عَنْ بَيَانِهِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي ( قَوْلُهُ دَوَامُ لُبْسِهِ يَوْمًا ) أَشَارَ بِتَقْدِيرِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ بِالزَّمَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الزَّمَانُ ، حَتَّى لَوْ غَسَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَالدَّمُ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ ( قَوْلُهُ أَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَلَوْ خَضَبَتْ يَدَهَا أَوْ خَضَبَ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءٍ وَجَبَ الدَّمُ أَيْضًا كَمَا حَرَّرَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ بِحِنَّاءٍ ) بِالْمَدِّ مُنَوَّنًا لِأَنَّهُ فُعَالٌ لَا فَعْلَاءُ لِيَمْنَعَ صَرْفَهُ أَلِفُ التَّأْنِيثِ فَتْحٌ ، وَصُرِّحَ بِهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الطِّيبِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ أَمَّا الْمُتَلَبِّدُ إلَخْ ) التَّلْبِيدُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخِطْمِيَّ وَالْآسِ وَالصَّمْغِ فَيَجْعَلَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيَتَلَبَّدَ بَحْرٌ ; فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَمَّا الثَّخِينُ قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَلَبَّدَ الرَّأْسَ فَفِيهِ دَمَانِ لِلطِّيبِ وَالتَّغْطِيَةِ إنْ دَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعِهِ ا هـ أَمَّا لَوْ غَطَّاهُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَصَدَقَةٌ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهَا .
وَاسْتُشْكِلَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلْزَامُ الدَّمِ بِالتَّغْطِيَةِ بِالْحِنَّاءِ بِقَوْلِهِمْ إنَّ التَّغْطِيَةَ بِمَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ لَا تُوجِبُ شَيْئًا .
قُلْت : وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ التَّغْطِيَةَ بِالتَّلْبِيدِ مُعْتَادَةٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي لِدَفْعِ الشَّعَثِ وَالْوَسَخِ عَنْ الشَّعْرِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إحْرَامِهِ .
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ التَّغْطِيَةِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الطِّيبِ ، لَكِنْ أَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ التَّلْبِيدَ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ سَائِغٌ وَهُوَ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا تَحْصُلُ بِهِ تَغْطِيَةٌ . قُلْت : وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ رَشِيدِ الدِّينِ فِي مَنَاسِكِهِ : وَحَسَنٌ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ ( قَوْلُهُ أَوْ ادَّهَنَ ) بِالتَّشْدِيدِ : أَيْ دَهَنَ عُضْوًا كَامِلًا لُبَابٌ . وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَبَرَ كَثْرَةَ الطِّيبِ بِمَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ . قَالَ : وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَكُونُ عُضْوًا كَامِلًا عَلَى مَا مَرَّ : أَيْ مِنْ التَّوْفِيقِ ، وَأَنَّهُ فِي النَّوَادِرِ أَوْجَبَ الدَّمَ بِدَهْنِ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ ، وَأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ الرُّبْعِ فِي الطِّيبِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهَا ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الطِّيبِ ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلْقَى فِيهِمَا الْأَنْوَارُ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرَانِ طِيبًا ، وَلَا يَخْلُوَانِ عَنْ نَوْعِ طِيبٍ ، وَيَقْتُلَانِ الْهَوَامَّ ، وَيُلَيِّنَانِ الشَّعْرَ ، وَيُزِيلَانِ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ بَحْرٌ ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ . وَقَالَا عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَدْهَانِ ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ : وَأَرَادَ بِالزَّيْتِ دُهْنَ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّيْرَجِ ، فَخَرَجَ بَقِيَّةُ الْأَدْهَانِ كَالشَّحْمِ وَالسَّمْنِ ا هـ وَمُقْتَضَاهُ خُرُوجُ نَحْوِ دُهْنِ اللَّوْزِ وَنَوَى الْمِشْمِشِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَقْسَامِ الْمُحْرِمِينَ وَأَحْكَامِهِمْ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَوَارِضِهِمْ بِاعْتِبَارِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَالْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ . وَقَدَّمَ الْجِنَايَاتِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ الْقَاصِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَدَمِ وَهِيَ مَا تَجْنِيهِ مِنْ شَرٍّ . تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ 543 مِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً ، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ : وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ، وَجَمَعَهَا بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهَا نَهْرٌ ( قَوْلُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ ) حَاصِلُ الْأَوَّلِ سَبْعَةٌ نَظَمَهَا الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ بِقَوْلِهِ : ﴿﴾ مُحْرَمُ الْإِحْرَامِ يَا مَنْ يَدْرِي ﴿﴾ ﴿﴾ إزَالَةُ الشَّعْرِ وَقَصُّ الظُّفْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاللُّبْسُ وَالْوَطْءُ مَعَ الدَّوَاعِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَالطِّيبُ وَالدَّهْنُ وَصَيْدُ الْبَرِّ ﴿﴾ زَادَ فِي الْبَحْرِ ثَامِنًا وَهُوَ تَرْكُ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ ، فَلَوْ قَالَ . مُحْرِمُ الْإِحْرَامِ تَرْكُ وَاجِبٍ . إلَخْ كَانَ أَحْسَنَ .
وَحَاصِلُ الثَّانِي التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ . وَقَالَ فِي الْبَحْرِ : وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِسَبَبٍ إلَخْ ذِكْرُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا فَلَا يُوجِبُ الدَّمَ . وَقَالَ ط : وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهُ ، أَمَّا الْحَلَائِلُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا الْمُحْرِمُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَكُونُ حُرْمَتُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ( قَوْلُهُ وَقَدْ يَجِبُ بِهَا دَمَانِ ) كَجِنَايَةِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسَ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ ط ( قَوْلُهُ أَوْ دَمٌ ) كَأَكْثَرِ جِنَايَاتِ الْمُفْرِدِ ( قَوْلُهُ أَوْ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ ) أَوْ فِيهَا لِلتَّخْيِيرِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا جَنَى عَلَى الصَّيْدِ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالتَّصَدُّقِ وَالصِّيَامِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، أَوْ أَنَّ الثَّانِيَةَ فَقَطْ لِلتَّخْيِيرِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ فِي نَحْوِ مَا لَوْ قَتَلَ عُصْفُورًا . وَفِي الْهِدَايَةِ : وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ ا هـ زَادَ الشُّرَّاحُ أَوْ بِإِزَالَةِ شَعَرَاتٍ قَلِيلَةٍ ، لَكِنْ أَرَادَ بِالصَّدَقَةِ هُنَا الْأَعَمَّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى أَوْ صَدَقَةٌ وَلَوْ رُبْعَ صَاعٍ بِقَتْلِ حَمَامَةٍ أَوْ ثَمَرَةٌ بِقَتْلِ جَرَادَةٍ ( قَوْلُهُ فَفَصَّلَهَا ) أَيْ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا فَصَّلَهَا ط فَالْفَاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ ( قَوْلُهُ الْوَاجِبُ دَمٌ ) فَسَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالشَّاةِ ، وَأَشَارَ فِي الْبَحْرِ إلَى سِرِّهِ بِقَوْلِهِ إنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ لَا يَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ ، بِخِلَافِ دَمِ الشُّكْرِ ، لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ يَقُومُ الشِّرْكُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَ الشَّاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ . شُرُنْبُلَالِيَّةٌ .
قُلْت : وَفِي أُضْحِيَّةِ الْقُهُسْتَانِيِّ : لَوْ ذَبَحَ سَبْعَةٌ عَنْ أُضْحِيَّةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ وَإِحْصَارٍ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ الْحَلْقِ وَالْعَقِيقَةِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْأُصُولِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَقَرِّبٌ جَازَ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي النَّظْمِ ا هـ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَشِّينَ قَالَ : وَمَا فِي الْبَحْرِ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي بَابِ الْهَدْيِ أَنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ يُجْزِئُ وَكَذَلِكَ أَغْلَبُ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَالْمَنَاسِكِ مُصَرِّحَةٌ بِالْإِجْزَاءِ ا هـ فَافْهَمْ [ تَنْبِيهٌ ]
فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقَارِيِّ : ثُمَّ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي ، فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا فِي أَيِّ وَقْتٍ ، وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ لَفَاتَ ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَلَوْ تَبَرَّعُوا عَنْهُ جَازَ إلَّا الصَّوْمُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ نَاسِيًا إلَخْ ) قَالَ فِي اللُّبَابِ : ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بَيْنَ مَا إذَا جَنَى عَامِدًا أَوْ خَاطِئًا ، مُبْتَدِئًا أَوْ عَائِدًا ، ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا ، عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا ، نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا ، سَكْرَانًا أَوْ صَاحِيًا ، مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُفِيقًا ، مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا بِمُبَاشَرَتِهِ أَوْ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ . 544 قَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي : وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ عَامِدًا يَأْثَمُ ، وَلَا يُخْرِجُهُ الْفِدْيَةُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْعَامَّةِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَالَ أَنَا أَفْدِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ بِالْتِزَامِ الْفِدَاءِ يَتَخَلَّصُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، فَإِذَا خَالَفَ أَثِمَ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ مُبِيحَةً لِلْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَجَهَالَةُ هَذَا كَجَهَالَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ وَأَزْنِي وَالْحَدُّ يُطَهِّرُنِي ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ حَجَّهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا ا هـ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ هَذَا فِي الْحُدُودِ فَقَالُوا إنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ طُهْرَةً مِنْ الذَّنْبِ وَلَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ ، فَإِنْ تَابَ كَانَ الْحَدُّ طُهْرَةً لَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَلَا ، لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ : إنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الْإِثْمَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ ا هـ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ التَّيْسِيرَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أَيْ اصْطَادَ بَعْدَ هَذَا الِابْتِدَاءِ قِيلَ هُوَ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَإِنَّهَا لَا تَرْفَعُ الذَّنْبَ عَنْ الْمُصِرِّ ا هـ وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وَتَقْيِيدٌ مُسْتَحْسَنٌ يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالرِّوَايَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ أَيْ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَلَى غَيْرِ الْمُصِرِّ وَمَا فِي غَيْرِهِ عَلَى الْمُصِرِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّوْفِيقَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ . [ تَتِمَّةٌ ]
يُسْتَثْنَى مِنْ الْإِطْلَاقِ الْمَارِّ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ مَا فِي اللُّبَابِ : لَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ بِعُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ . وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَهُ فِيهَا إلَّا فِيمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ ، وَهِيَ تَرْكُ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةِ وَتَأْخِيرُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ وَتَرْكُ الصَّدْرِ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَتَرْكُ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، وَتَرْكُ السَّعْيِ وَتَرْكُ الْحَلْقِ لِعِلَّةٍ فِي رَأْسِهِ ا هـ لَكِنْ ذَكَرَ شَارِحُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ مَا لَا يَكُونُ مِنْ الْعِبَادِ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ اللُّبَابِ : وَلَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِحْصَارٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ . هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْإِحْصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مَانِعٌ مِنْ جَانِبِ الْمَخْلُوقِ فَلَا يُؤَثِّرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ فِيمَنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَدَمًا لِتَرْكِ الرَّمْيِ وَدَمًا لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي إحْصَارِ الْبَحْرِ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( قَوْلُهُ فَيَجِبُ ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاخْتِيَارِ الَّذِي أَفَادَهُ ذِكْرُ النَّاسِي وَالْمَكْرُوهِ ، وَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَنَّ الِارْتِفَاقَ حَصَلَ لِلنَّائِمِ وَعَدَمُ الِاخْتِيَارِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ عَنْهُ ، كَمَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مِنَحٌ ط ( قَوْلُهُ غَطَّى رَأْسَهُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ .
( قَوْلُهُ إنْ طَيَّبَ ) أَيْ الْمُحْرِمُ عُضْوًا : أَيْ مِنْ أَعْضَائِهِ كَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ ، وَالطِّيبُ جِسْمٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَعُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ شَرْطِهِ أَنَّهُ لَوْ شَمَّ طِيبًا أَوْ ثِمَارًا طَيِّبَةً لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كُرِهَ ، وَقُيِّدَ بِالْمُحْرِمِ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَوْ طَيَّبَ عُضْوًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَانْتَقَلَ مِنْهُ إلَى آخَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَيَّبَ عُضْوَ غَيْرِهِ أَوْ أَلْبَسَهُ الْمَخِيطَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ نَهْرٌ ( قَوْلُهُ كَامِلًا ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْكَثْرَةُ . قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِاخْتِلَافِ عِبَارَاتِ مُحَمَّدٍ ، فَفِي بَعْضِهَا جَعَلَ حَدَّ الْكَثْرَةِ عُضْوًا كَبِيرًا ، وَفِي بَعْضِهَا فِي تَنَفُّسِ الطِّيبِ ، فَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْأَوَّلَ ، وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الثَّانِيَ فَقَالَ : إنْ بِحَيْثُ يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ كَالْكَفَّيْنِ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْكَفِّ مِنْ 545 مِسْكٍ وَغَالِيَةٍ فَهُوَ كَثِيرٌ ، وَمَا لَا فَلَا . وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ بِرُبْعِ الْعُضْوِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : لَوْ طَيَّبَ رُبْعَ السَّاقِ أَوْ الْفَخِذَ يَلْزَمُ الدَّمُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ يَلْزَمُ الصَّدَقَةُ . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إنْ كَانَ الطِّيبُ فِي نَفْسِهِ قَلِيلًا فَالْعِبْرَةُ لِلْعُضْوِ الْكَامِلِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُعْتَبَرُ الْعُضْوُ ا هـ مُلَخَّصًا ، وَهَذَا تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، حَتَّى لَوْ طَيَّبَ بِالْقَلِيلِ عُضْوًا كَامِلًا أَوْ بِالْكَثِيرِ رُبْعَ عُضْوٍ لَزِمَ الدَّمُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : إنَّ التَّوْفِيقَ هُوَ التَّوْفِيقُ وَرُجِّحَ فِي الْبَحْرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا فِي الْمُتُونِ فَافْهَمْ .
هَذَا وَقَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ : قَوْلُهُ كَالرَّأْسِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْعُضْوِ فَلَيْسَ كَأَعْضَاءِ الْعَوْرَةِ فَلَا تَكُونُ الْأُذُنُ مَثَلًا عُضْوًا مُسْتَقِلًّا . ا هـ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ إنَّ الْمُرَادَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْعُضْوِ الصَّغِيرِ مِثْلَ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الْعُضْوَ الْكَامِلَ قَيَّدَهُ بِالْكَبِيرِ ا هـ ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ فِيمَا دُونَ الْكَامِلِ صَدَقَةً هُوَ قَوْلُهُمَا . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجِبُ بِقَدْرِهِ ، فَإِنْ بَلَغَ نِصْفَ الْعُضْوِ تَجِبُ صَدَقَةٌ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ رُبْعًا فَرُبْعٌ وَهَكَذَا . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بِلَا نَقْلِ خِلَافٍ ( قَوْلُهُ بِأَكْلِ طِيبٍ ) أَيْ خَالِصٍ بِلَا خَلْطٍ وَ بِلَا طَبِيخٍ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ ( قَوْلُهُ كَثِيرٍ ) هُوَ مَا يَلْتَزِقُ بِأَكْثَرِ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ ، وَهَذِهِ تَشْهَدُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ مُطْلَقًا فِي لُزُومِ الدَّمِ ، بَلْ ذَاكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . ا هـ . بَحْرٌ أَيْ فَإِنَّ لُزُومَ الدَّمِ بِالطِّيبِ الْكَثِيرِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْفَمِ يَشْهَدُ لِمَا مَرَّ مِنْ التَّوْفِيقِ ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لَوْ فَمَه بَعْدَ قَوْلِهِ عُضْوًا كَامِلًا فِيهِ مَا فِيهِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَثِيرِ هُنَا مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْفَمِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ أَوْ مَا يَبْلُغُ عُضْوًا إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى عُضْوًا : أَيْ أَوْ طَيَّبَ مَوَاضِعَ لَوْ جُمِعَتْ تَبْلُغُ عُضْوًا كَامِلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ . وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ بُلُوغِ أَصْغَرِ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمُطَيَّبَةِ كَمَا اعْتَبَرُوهُ بِانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ ، لَكِنْ بَعْدَ كَوْنِ ذَلِكَ الْأَصْغَرِ عُضْوًا كَبِيرًا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ إلَّا إذَا كَانَ الطِّيبُ كَثِيرًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّوْفِيقِ ( قَوْلُهُ فَلِكُلِّ طِيبٍ ) أَيْ طِيبِ مَجْلِسٍ مِنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ إنْ شَمِلَ عُضْوًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ ( قَوْلُهُ كَفَّارَةٌ ) سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا عِنْدَهُمَا . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لِتَرْكِهِ ) لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مَحْظُورًا فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ الْمُطَيَّبُ أَكْثَرُهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَكْثَرُ الثَّوْبِ لَا كَثْرَةُ الطِّيبِ ، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الشُّرُنْبُلَالِيَّةَ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا وَفِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَثْرَةُ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ وَأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْعُرْفُ ، حَتَّى إنَّهُ فِي الْبَحْرِ جَعَلَ هَذَا مُرَجِّحًا لِلْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَارَّةِ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْبَدَنَ وَالثَّوْبَ .
قُلْت : لَكِنْ نَقَلُوا عَنْ الْمُجَرَّدِ إنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ فَمَكَثَ عَلَيْهِ يَوْمًا يُطْعِمُ نِصْفَ صَاعٍ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَقَبْضَةٌ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : يُفِيدُ التَّنْصِيصَ عَلَى أَنَّ الشِّبْرَ فِي الشِّبْرِ دَاخِلٌ فِي الْقَلِيلِ ا هـ أَيْ حَيْثُ أَوْجَبَ بِهِ صَدَقَةً لَا دَمًا ، وَمَعَ هَذَا يُفِيدُ اعْتِبَارَ الْكَثْرَةِ فِي الثَّوْبِ لَا فِي الطِّيبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَكْثَرُ الثَّوْبِ ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الشِّبْرِ كَثِيرٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ لِكَثْرَةِ الطِّيبِ حِينَئِذٍ عُرْفًا ، فَرَجَعَ إلَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي الطِّيبِ لَا فِي الثَّوْبِ ، 546 وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ إجْرَاءُ التَّوْفِيقِ الْمَارِّ هُنَا أَيْضًا بِأَنَّ الطِّيبَ إذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ كَثِيرًا لَزِمَ الدَّمُ وَإِنْ أَصَابَ مِنْ الثَّوْبِ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يَلْزَمُ حَتَّى يُصِيبَ أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ ، وَرُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ رَبَطَ مِسْكًا أَوْ كَافُورًا أَوْ عَنْبَرًا كَثِيرًا فِي طَرَفِ إزَارِهِ أَوْ رِدَائِهِ لَزِمَهُ دَمٌ ، أَيْ إنْ دَامَ يَوْمًا وَلَوْ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَيُشْتَرَطُ لِلُزُومِ الدَّمِ ) أَفْرَدَ الدَّمَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ ثَوْبُ الْمُحْرِمِ مِنْ إزَارٍ أَوْ رِدَاءٍ ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَخِيطًا فَيَجِبُ بِدَوَامِ لُبْسِهِ دَمٌ آخَرُ سَكَتَ عَنْ بَيَانِهِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي ( قَوْلُهُ دَوَامُ لُبْسِهِ يَوْمًا ) أَشَارَ بِتَقْدِيرِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ بِالزَّمَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الزَّمَانُ ، حَتَّى لَوْ غَسَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَالدَّمُ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ ( قَوْلُهُ أَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَلَوْ خَضَبَتْ يَدَهَا أَوْ خَضَبَ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءٍ وَجَبَ الدَّمُ أَيْضًا كَمَا حَرَّرَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ بِحِنَّاءٍ ) بِالْمَدِّ مُنَوَّنًا لِأَنَّهُ فُعَالٌ لَا فَعْلَاءُ لِيَمْنَعَ صَرْفَهُ أَلِفُ التَّأْنِيثِ فَتْحٌ ، وَصُرِّحَ بِهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الطِّيبِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ أَمَّا الْمُتَلَبِّدُ إلَخْ ) التَّلْبِيدُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخِطْمِيَّ وَالْآسِ وَالصَّمْغِ فَيَجْعَلَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيَتَلَبَّدَ بَحْرٌ ; فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَمَّا الثَّخِينُ قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَلَبَّدَ الرَّأْسَ فَفِيهِ دَمَانِ لِلطِّيبِ وَالتَّغْطِيَةِ إنْ دَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعِهِ ا هـ أَمَّا لَوْ غَطَّاهُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَصَدَقَةٌ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهَا .
وَاسْتُشْكِلَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلْزَامُ الدَّمِ بِالتَّغْطِيَةِ بِالْحِنَّاءِ بِقَوْلِهِمْ إنَّ التَّغْطِيَةَ بِمَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ لَا تُوجِبُ شَيْئًا .
قُلْت : وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ التَّغْطِيَةَ بِالتَّلْبِيدِ مُعْتَادَةٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي لِدَفْعِ الشَّعَثِ وَالْوَسَخِ عَنْ الشَّعْرِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إحْرَامِهِ .
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ التَّغْطِيَةِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الطِّيبِ ، لَكِنْ أَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ التَّلْبِيدَ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ سَائِغٌ وَهُوَ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا تَحْصُلُ بِهِ تَغْطِيَةٌ . قُلْت : وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ رَشِيدِ الدِّينِ فِي مَنَاسِكِهِ : وَحَسَنٌ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ ( قَوْلُهُ أَوْ ادَّهَنَ ) بِالتَّشْدِيدِ : أَيْ دَهَنَ عُضْوًا كَامِلًا لُبَابٌ . وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَبَرَ كَثْرَةَ الطِّيبِ بِمَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ . قَالَ : وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَكُونُ عُضْوًا كَامِلًا عَلَى مَا مَرَّ : أَيْ مِنْ التَّوْفِيقِ ، وَأَنَّهُ فِي النَّوَادِرِ أَوْجَبَ الدَّمَ بِدَهْنِ رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ ، وَأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ الرُّبْعِ فِي الطِّيبِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهَا ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الطِّيبِ ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلْقَى فِيهِمَا الْأَنْوَارُ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرَانِ طِيبًا ، وَلَا يَخْلُوَانِ عَنْ نَوْعِ طِيبٍ ، وَيَقْتُلَانِ الْهَوَامَّ ، وَيُلَيِّنَانِ الشَّعْرَ ، وَيُزِيلَانِ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ بَحْرٌ ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ . وَقَالَا عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَدْهَانِ ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ : وَأَرَادَ بِالزَّيْتِ دُهْنَ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّيْرَجِ ، فَخَرَجَ بَقِيَّةُ الْأَدْهَانِ كَالشَّحْمِ وَالسَّمْنِ ا هـ وَمُقْتَضَاهُ خُرُوجُ نَحْوِ دُهْنِ اللَّوْزِ وَنَوَى الْمِشْمِشِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith