تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1138 · printed p. 298
( قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ( 49 ) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( 50 ) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ( 51 ) )
( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ( 52 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى مُنْكِرًا وُجُودَ الصَّانِعِ الْخَالِقِ ، إِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّهُ وَمَلِيكَهُ ، قَالَ : ( فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ) أَيِ : الَّذِي بَعَثَكَ وَأَرْسَلَكَ مَنْ هُوَ ؟ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : خَلَقَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَوْجَةً .
298
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَعَلَ الْإِنْسَانَ إِنْسَانًا ، وَالْحِمَارَ حِمَارًا ، وَالشَّاةَ شَاةً .
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : سَوَّى خَلْقَ كُلِّ دَابَّةٍ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) قَالَ : أَعْطَى كُلَّ ذِي خَلْقٍ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْإِنْسَانِ مِنْ خَلْقِ الدَّابَّةِ ، وَلَا لِلدَّابَّةِ مِنْ خَلْقِ الْكَلْبِ ، وَلَا لِلْكَلْبِ مِنْ خَلْقِ الشَّاةِ ، وَأَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ النِّكَاحِ ، وَهَيَّأَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِ فِي الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالنِّكَاحِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) [ الْأَعْلَى : 3 ] أَيْ : قَدَّرَ قَدَرًا ، وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ ، أَيْ : كَتَبَ الْأَعْمَالَ وَالْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ ، ثُمَّ الْخَلَائِقُ مَاشُونَ عَلَى ذَلِكَ ، لَا يَحِيدُونَ عَنْهُ ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ . يَقُولُ : رَبُّنَا الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ وَقَدَّرَ الْقَدَرَ ، وَجَبَلَ الْخَلِيقَةَ عَلَى مَا أَرَادَ .
( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ) أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَخْبَرَهُ مُوسَى بِأَنَّ رَبَّهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ وَرَزَقَ وَقَدَّرَ فَهَدَى ، شَرَعَ يَحْتَجُّ بِالْقُرُونِ الْأُولَى ، أَيِ : الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ، أَيْ : فَمَا بَالُهُمْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ ، لَمْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ بَلْ عَبَدُوا غَيْرَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ مُوسَى فِي جَوَابِ ذَلِكَ : هُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ فَإِنَّ عَمَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَضْبُوطٌ عَلَيْهِمْ ، وَسَيَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَكِتَابُ الْأَعْمَالِ ، ( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) أَيْ : لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَفُوتُهُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ ، وَلَا يَنْسَى شَيْئًا . يَصِفُ عِلْمَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْسَى شَيْئًا ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ ، فَإِنَّ عِلْمَ الْمَخْلُوقِ يَعْتَرِيهِ نُقْصَانَانِ : أَحَدُهُمَا : عَدَمُ الْإِحَاطَةِ بِالشَّيْءِ ، وَالْآخَرُ : نِسْيَانُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith