تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1140 · printed p. 300
( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ( 58 ) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى حِينَ أَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ، وَهِيَ إِلْقَاءُ عَصَاهُ فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا وَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ جَنَاحِهِ فَخَرَجَتْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فَقَالَ : هَذَا سِحْرٌ ، جِئْتَ بِهِ لِتَسْحَرَنَا وَتَسْتَوْلِيَ بِهِ عَلَى النَّاسِ ، فَيَتَّبِعُونَكَ وَتُكَاثِرُنَا بِهِمْ ، وَلَا يَتِمُّ هَذَا مَعَكَ ، فَإِنَّ عِنْدَنَا سِحْرًا مِثْلَ 300 سِحْرِكَ ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ مَا أَنْتَ فِيهِ ( فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا ) أَيْ : يَوْمًا نَجْتَمِعُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِيهِ ، فَنُعَارِضُ مَا جِئْتَ بِهِ بِمَا عِنْدَكَ مِنَ السِّحْرِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ ) قَالَ ) لَهُمْ مُوسَى ( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) وَهُوَ يَوْمُ عِيدِهِمْ ونَوْرُوزِهِمْ وَتَفَرُّغِهِمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ جَمِيعِهِمْ ; لِيُشَاهِدَ النَّاسُ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، وَمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَبُطْلَانَ مُعَارَضَةِ السِّحْرِ لِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ النَّبَوِيَّةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ) أَيْ : جَمِيعُهُمْ ) ضُحًى ) أَيْ : ضَحْوَةً مِنَ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَظْهَرَ وَأَجْلَى وَأَبْيَنَ وَأَوْضَحَ ، وَهَكَذَا شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ ، كُلُّ أَمْرِهِمْ وَاضِحٌ ، بَيِّنٌ ، لَيْسَ فِيهِ خَفَاءٌ وَلَا تَرْوِيجٌ ; وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ " لَيْلًا " وَلَكِنْ نَهَارًا ضُحًى .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَكَانَ يَوْمُ الزِّينَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، وقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : كَانَ يَوْمَ عِيدِهِمْ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يَوْمَ سُوقِهِمْ .
وَلَا مُنَافَاةَ . قُلْتُ : وَفِي مِثْلِهِ أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : قَالَ فِرْعَوْنُ : يَا مُوسَى ، اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ . قَالَ مُوسَى : لَمْ أُومَرْ بِهَذَا ، إِنَّمَا أُمِرْتُ بِمُنَاجَزَتِكَ ، إِنْ أَنْتَ لَمْ تَخْرُجْ دَخَلْتُ إِلَيْكَ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَجَلًا وَقُلْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ هُوَ . قَالَ فِرْعَوْنُ : اجْعَلْهُ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا . فَفَعَلَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ : ( مَكَانًا سُوًى ) مُنَصَّفًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ : عَدْلًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( مَكَانًا سُوًى ) مُسْتَوٍ يَتَبَيَّنُ النَّاسُ مَا فِيهِ ، لَا يَكُونُ صَوْبَ وَلَا شَيْءَ يَتَغَيَّبُ بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ ، مُسْتَوٍ حَتَّى يُرَى .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith