تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ( 109 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ( 110 ) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( 111 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ( 112 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( يَوْمَئِذٍ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ) أَيْ : عِنْدَهُ ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) كَقَوْلِهِ : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) [ النَّجْمِ : 26 ] ، وَقَالَ : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 28 ] وَقَالَ : ( وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) [ سَبَأٍ : 23 ] ، وَقَالَ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [ النَّبَأِ : 38 ] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ : " آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَأَخِرُّ لِلَّهِ سَاجِدًا ، وَيَفْتَحُ عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ " . قَالَ : " فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ " ، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ 318 وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ [ أَيْضًا ] يَقُولُ تَعَالَى : أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ، ثُمَّ يَقُولُ : أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ " الْحَدِيثَ .
وَقَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) أَيْ : يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ ، ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) كَقَوْلِهِ : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، الْقَيُّومُ : الَّذِي لَا يَنَامُ ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ " .
وَفِي الصَّحِيحِ : " إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ; فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَلَا يُهْضَمُونَ ، أَيْ : لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . فَالظُّلْمُ : الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ ، وَالْهَضْمُ : النَّقْصُ .
يَقُولُ تَعَالَى : ( يَوْمَئِذٍ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ) أَيْ : عِنْدَهُ ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) كَقَوْلِهِ : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) [ النَّجْمِ : 26 ] ، وَقَالَ : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 28 ] وَقَالَ : ( وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) [ سَبَأٍ : 23 ] ، وَقَالَ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [ النَّبَأِ : 38 ] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ : " آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَأَخِرُّ لِلَّهِ سَاجِدًا ، وَيَفْتَحُ عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ " . قَالَ : " فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ " ، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ 318 وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ [ أَيْضًا ] يَقُولُ تَعَالَى : أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ، ثُمَّ يَقُولُ : أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ " الْحَدِيثَ .
وَقَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) أَيْ : يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ ، ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) كَقَوْلِهِ : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، الْقَيُّومُ : الَّذِي لَا يَنَامُ ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ " .
وَفِي الصَّحِيحِ : " إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ; فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَلَا يُهْضَمُونَ ، أَيْ : لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . فَالظُّلْمُ : الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ ، وَالْهَضْمُ : النَّقْصُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث