تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
320 ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( 115 ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ( 116 ) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ( 118 ) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ( 119 ) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ( 120 ) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ( 121 ) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ( 122 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ . وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ : تَرَكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " وَفِي " الْأَعْرَافِ " وَفِي " الْحِجْرِ " وَ " الْكَهْفِ " وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ " ص " [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] . يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وَأَمْرَهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا ، وَيُبَيِّنُ عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ) أَيِ : امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ . ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) يَعْنِي : حَوَّاءَ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ( فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) أَيْ : إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا ، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ ، لَا كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ .
( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ) إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ; لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلُّ الْبَاطِنِ ، وَالْعُرْيَ ذُلُّ الظَّاهِرِ .
( وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ) وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ ، فَالظَّمَأُ : حَرُّ الْبَاطِنِ ، وَهُوَ الْعَطَشُ . وَالضُّحَى : حَرُّ الظَّاهِرِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ( دَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 22 ] ; ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 21 ] . وَقَدْ 321 تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا ، وَكَانَتْ شَجَرَةَ الْخُلْدِ - يَعْنِي : الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي الضَّحَّاكِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ " . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . .
وَقَوْلُ : ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ . فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَدُّ فِي الْجَنَّةِ ، فَأَخَذَتْ شَعْرَهُ شَجَرَةٌ ، فَنَازَعَهَا ، فَنَادَى الرَّحْمَنُ : يَا آدَمُ ، مِنِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ : يَا رَبِّ ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ : نَعَمْ " فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَّاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ )
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنْ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قَالَ : يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " حَاجَّ مُوسَى آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ : يَا مُوسَى ، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي - أَوْ : قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي - " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " . 322
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، قَالَ مُوسَى : أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ] قَالَ مُوسَى : بِأَرْبَعِينَ عَامًا . قَالَ آدَمُ : فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً " . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " .
قَالَ الْحَارِثُ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ بِذَلِكَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ . وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ : تَرَكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " وَفِي " الْأَعْرَافِ " وَفِي " الْحِجْرِ " وَ " الْكَهْفِ " وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ " ص " [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] . يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وَأَمْرَهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا ، وَيُبَيِّنُ عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ) أَيِ : امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ . ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) يَعْنِي : حَوَّاءَ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ( فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) أَيْ : إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا ، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ ، لَا كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ .
( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ) إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ; لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلُّ الْبَاطِنِ ، وَالْعُرْيَ ذُلُّ الظَّاهِرِ .
( وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ) وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ ، فَالظَّمَأُ : حَرُّ الْبَاطِنِ ، وَهُوَ الْعَطَشُ . وَالضُّحَى : حَرُّ الظَّاهِرِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ( دَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 22 ] ; ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 21 ] . وَقَدْ 321 تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا ، وَكَانَتْ شَجَرَةَ الْخُلْدِ - يَعْنِي : الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي الضَّحَّاكِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ " . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . .
وَقَوْلُ : ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ . فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَدُّ فِي الْجَنَّةِ ، فَأَخَذَتْ شَعْرَهُ شَجَرَةٌ ، فَنَازَعَهَا ، فَنَادَى الرَّحْمَنُ : يَا آدَمُ ، مِنِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ : يَا رَبِّ ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ : نَعَمْ " فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَّاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ )
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنْ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قَالَ : يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " حَاجَّ مُوسَى آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ : يَا مُوسَى ، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي - أَوْ : قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي - " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " . 322
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، قَالَ مُوسَى : أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ] قَالَ مُوسَى : بِأَرْبَعِينَ عَامًا . قَالَ آدَمُ : فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً " . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " .
قَالَ الْحَارِثُ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ بِذَلِكَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith