تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( 124 ) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ( 125 ) )
( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( 126 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ، أَيْ : مِنَ الْجَنَّةِ كُلُّكُمْ . وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ " .
( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) قَالَ : آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ ، وَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ .
( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ .
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) أَيْ : خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي ، أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَنَاسَاهُ وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ هُدَاهُ ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ ، بَلْ صَدْرُهُ [ ضَيِّقٌ ] حَرَجٌ لِضَلَالِهِ ، وَإِنْ تَنَعَّمَ ظَاهِرُهُ ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ ، فَإِنَّ قَلْبَهُ 323 مَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى الْيَقِينِ وَالْهُدَى ، فَهُوَ فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّدُ . فَهَذَا مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : الشَّقَاءُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، لَا يَتَّقِينِي فِيهِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَهُوَ الضَّنْكُ فِي الْمَعِيشَةِ . وَيُقَالُ : إِنْ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ ، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا مُتَكَبِّرِينَ ، فَكَانَتْ مَعِيشَتُهُمْ ضَنْكًا; [ وَ ] ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مُخَلِّفًا لَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، مِنْ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُكَذِّبُ بِاللَّهِ ، وَيُسِيءُ الظَّنَّ بِهِ وَالثِّقَةَ بِهِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتُهُ ، فَذَلِكَ الضَّنْكُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ الْعَمَلُ السَّيِّئُ ، وَالرِّزْقُ الْخَبِيثُ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : ( مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ ، حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ فِيهِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " ضَمَّةُ الْقَبْرِ " الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ - اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، وَيُرَحَّبُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُنَوَّرُ لَهُ قَبْرُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) ؟ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا ، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً ، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ ، يَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ ، وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " . .
رَفْعُهُ مُنْكَرٌ جِدًّا .
وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، [ عَنِ أَبِي حُجَيْرَةَ ] عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ 324 حَيَّةً ، يَنْهَشُونَ لَحْمَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " عَذَابُ الْقَبْرِ " . إِسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالسُّدِّيُّ : لَا حُجَّةَ لَهُ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : عُمِّيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا جَهَنَّمَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : أَنَّهُ يُحْشَرُ أَوْ يُبْعَثُ إِلَى النَّارِ أَعْمَى الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ أَيْضًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 97 ] . وَلِهَذَا يَقُولُ : ( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا .
( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) أَيْ : لَمَّا أَعْرَضْتَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَعَامَلْتَهَا مُعَامَلَةَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا ، بَعْدَ بَلَاغِهَا إِلَيْكَ تَنَاسَيْتَهَا وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا وَأَغْفَلْتَهَا ، كَذَلِكَ نُعَامِلُكَ [ الْيَوْمَ ] مُعَامَلَةَ مَنْ يَنْسَاكَ ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ) [ الْأَعْرَافِ : 51 ] فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَأَمَّا نِسْيَانُ لَفْظِ الْقُرْآنِ مَعَ فَهْمِ مَعْنَاهُ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ ، فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ الْخَاصِّ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ الْأَكِيدِ ، وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَنَسِيَهُ ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ أَجْذَمُ " .
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً .
( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( 126 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ، أَيْ : مِنَ الْجَنَّةِ كُلُّكُمْ . وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ " .
( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) قَالَ : آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ ، وَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ .
( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ .
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) أَيْ : خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي ، أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَنَاسَاهُ وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ هُدَاهُ ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ ، بَلْ صَدْرُهُ [ ضَيِّقٌ ] حَرَجٌ لِضَلَالِهِ ، وَإِنْ تَنَعَّمَ ظَاهِرُهُ ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ ، فَإِنَّ قَلْبَهُ 323 مَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى الْيَقِينِ وَالْهُدَى ، فَهُوَ فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّدُ . فَهَذَا مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : الشَّقَاءُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، لَا يَتَّقِينِي فِيهِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَهُوَ الضَّنْكُ فِي الْمَعِيشَةِ . وَيُقَالُ : إِنْ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ ، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا مُتَكَبِّرِينَ ، فَكَانَتْ مَعِيشَتُهُمْ ضَنْكًا; [ وَ ] ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مُخَلِّفًا لَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، مِنْ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُكَذِّبُ بِاللَّهِ ، وَيُسِيءُ الظَّنَّ بِهِ وَالثِّقَةَ بِهِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتُهُ ، فَذَلِكَ الضَّنْكُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ الْعَمَلُ السَّيِّئُ ، وَالرِّزْقُ الْخَبِيثُ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : ( مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ ، حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ فِيهِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " ضَمَّةُ الْقَبْرِ " الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ - اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، وَيُرَحَّبُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُنَوَّرُ لَهُ قَبْرُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) ؟ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا ، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً ، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ ، يَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ ، وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " . .
رَفْعُهُ مُنْكَرٌ جِدًّا .
وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، [ عَنِ أَبِي حُجَيْرَةَ ] عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ 324 حَيَّةً ، يَنْهَشُونَ لَحْمَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قَالَ : " عَذَابُ الْقَبْرِ " . إِسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالسُّدِّيُّ : لَا حُجَّةَ لَهُ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : عُمِّيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا جَهَنَّمَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : أَنَّهُ يُحْشَرُ أَوْ يُبْعَثُ إِلَى النَّارِ أَعْمَى الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ أَيْضًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 97 ] . وَلِهَذَا يَقُولُ : ( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا .
( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) أَيْ : لَمَّا أَعْرَضْتَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَعَامَلْتَهَا مُعَامَلَةَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا ، بَعْدَ بَلَاغِهَا إِلَيْكَ تَنَاسَيْتَهَا وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا وَأَغْفَلْتَهَا ، كَذَلِكَ نُعَامِلُكَ [ الْيَوْمَ ] مُعَامَلَةَ مَنْ يَنْسَاكَ ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ) [ الْأَعْرَافِ : 51 ] فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَأَمَّا نِسْيَانُ لَفْظِ الْقُرْآنِ مَعَ فَهْمِ مَعْنَاهُ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ ، فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ الْخَاصِّ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ الْأَكِيدِ ، وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَنَسِيَهُ ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ أَجْذَمُ " .
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith