تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنِ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ( 32 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 33 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ ، وَقَهْرِهِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَقَالَ : ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيِ : الْجَاحِدُونَ لِإِلَهِيَّتِهِ الْعَابِدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، أَلَمْ يَعْلَمُوا 339 أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ ، الْمُسْتَبِدُّ بِالتَّدْبِيرِ ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ أَوْ يُشْرَكَ بِهِ مَا سِوَاهُ ، أَلَمْ يَرَوْا ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ) أَيْ : كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَلَاصِقٌ مُتَرَاكِمٌ ، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ، فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ . فَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا ، وَالْأَرْضَ سَبْعًا ، وَفَصَلَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ بِالْهَوَاءِ ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَأَنْبَتَتِ الْأَرْضُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) أَيْ : وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْمَخْلُوقَاتِ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عِيَانًا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الْقَادِرِ عَلَى مَا يَشَاءُ : ﴿﴾ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ ﴿﴾
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّيْلُ كَانَ قَبْلُ أَوِ النَّهَارُ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حِينَ كَانَتَا رَتْقًا ، هَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ظُلْمَةٌ؟ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ; أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) ؟ . قَالَ : اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ فَاسْأَلْهُ ، ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ . قَالَ : فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ ، كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ .
فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ ، وَفَتْقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ . فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا ، صَدَقَ - هَكَذَا كَانَتْ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ كُنْتُ أَقُولُ : مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ ، فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا .
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ - : كَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ ، فَأَمْطَرَتْ . وَكَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ ، فَأَنْبَتَتْ .
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ : سَأَلْتُ أَبَا صَالِحٍ الْحَنَفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ : ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) ، قَالَ : كَانَتِ السَّمَاءُ وَاحِدَةً ، فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ وَاحِدَةً فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ أَرْضِينَ .
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَزَادَ : وَلَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُتَمَاسَّتَيْنِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بَلْ كَانَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُلْتَزِقَتَيْنِ ، فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْضَ ، كَانَ ذَلِكَ فَتْقَهُمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، كَانَتَا جَمِيعًا ، فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) أَيْ : أَصْلُ كُلِّ الْأَحْيَاءِ مِنْهُ . 340
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِذَا رَأَيْتُكَ قَرَّتْ عَيْنِي ، وَطَابَتْ نَفْسِي ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي ، وَقَرَّتْ عَيْنِي ، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ . قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ " قَالَ : قُلْتُ : أَنْبِئْنِي عَنِ أَمْرٍ إِذَا عَمِلْتُ بِهِ دَخَلَتُ الْجَنَّةَ . قَالَ : " أَفْشِ السَّلَامَ ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ ، وَصِلِ الْأَرْحَامَ ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ " .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الصَّمَدِ وَعَفَّانُ وَبَهْزٌ ، عَنْ هَمَّامٍ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ مِنْ رِجَالِ السُّنَنِ ، وَاسْمُهُ سُلَيْمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُصَحِّحُ لَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ) أَيْ : جِبَالًا أَرْسَى الْأَرْضَ بِهَا وَقَرَّرَهَا وَثَقَّلَهَا; لِئَلَّا تَمِيدَ بِالنَّاسِ ، أَيْ : تَضْطَرِبَ وَتَتَحَرَّكَ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ عَلَيْهَا قَرَارٌ لِأَنَّهَا غَامِرَةٌ فِي الْمَاءِ إِلَّا مِقْدَارَ الرُّبْعِ ، فَإِنَّهُ بَادٍ لِلْهَوَاءِ وَالشَّمْسِ ، لِيُشَاهِدَ أَهْلُهَا السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ ، وَالْحِكَمِ وَالدَّلَالَاتِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) أَيْ : لِئَلَّا تَمِيدَ بِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ) أَيْ : ثَغْرًا فِي الْجِبَالِ ، يَسْلُكُونَ فِيهَا طُرُقًا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْأَرْضِ ، يَكُونُ الْجَبَلُ حَائِلًا بَيْنَ هَذِهِ الْبِلَادِ وَهَذِهِ الْبِلَادِ ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ فَجْوَةً - ثَغْرَةً - لِيَسْلُكَ النَّاسُ فِيهَا مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ) أَيْ : عَلَى الْأَرْضِ وَهِيَ كَالْقُبَّةِ عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 47 ] ، وَقَالَ : ( وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ) [ الشَّمْسِ : 5 ] ، ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) [ ق : 6 ] ، وَالْبِنَاءُ هُوَ نَصْبُ الْقُبَّةِ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " أَيْ : خَمْسُ دَعَائِمَ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخِيَامِ ، عَلَى مَا تَعْهَدُهُ الْعَرَبُ .
( مَحْفُوظًا ) أَيْ : عَالِيًا مَحْرُوسًا أَنْ يُنَالَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ ، حَدَّثَنِي 341 أَبِي ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنِ أَشْعَثَ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ القُمِّيَّ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذِهِ السَّمَاءُ ، قَالَ : " مَوْجٌ مَكْفُوفٌ عَنْكُمْ " إِسْنَادٌ غَرِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُمْ عَنِ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَأَيْنْ مِنَ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) [ يُوسُفَ : 105 ] أَيْ : لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الِاتِّسَاعِ الْعَظِيمِ ، وَالِارْتِفَاعِ الْبَاهِرِ ، وَمَا زُيِّنَتْ بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ فِي لَيْلِهَا ، وَفِي نَهَارِهَا مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ الَّتِي تَقْطَعُ الْفَلَكَ بِكَمَالِهِ ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَتَسِيرُ غَايَةً لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا الَّذِي قَدَّرَهَا وَسَخَّرَهَا وَسَيَّرَهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي كِتَابِهِ " التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ " : أَنَّ بَعْضَ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَظَلَّتْهُ غَمَامَةٌ ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَرَى لِغَيْرِهِ ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى أُمِّهِ ، فَقَالَتْ لَهُ : يَا بُنَيَّ ، فَلَعَلَّكَ أَذْنَبْتَ فِي مُدَّةِ عِبَادَتِكَ هَذِهِ ، فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ ، قَالَتْ : فَلَعَلَّكَ هَمَمْتَ؟ قَالَ : لَا وَلَا هَمَمْتُ . قَالَتْ : فَلَعَلَّكَ رَفَعْتَ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ رَدَدْتَهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كَثِيرًا . قَالَتْ : فَمِنْ هَاهُنَا أُتِيتَ .
ثُمَّ قَالَ مُنَبِّهًا عَلَى بَعْضِ آيَاتِهِ : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) أَيْ : هَذَا فِي ظَلَامِهِ وَسُكُونِهِ ، وَهَذَا بِضِيَائِهِ وَأُنْسِهِ ، يَطُولُ هَذَا تَارَةً ثُمَّ يَقْصُرُ أُخْرَى ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ . ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) هَذِهِ لَهَا نُورٌ يَخُصُّهَا ، وَفَلَكٌ بِذَاتِهِ ، وَزَمَانٌ عَلَى حِدَةٍ ، وَحَرَكَةٍ وَسَيْرٍ خَاصٍّ ، وَهَذَا بِنُورٍ خَاصٍّ آخَرَ ، وَفَلَكٍ آخَرَ ، وَسَيْرٍ آخَرَ ، وَتَقْدِيرٍ آخَرَ ، ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) [ يس : 40 ] ، أَيْ : يَدُورُونَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَدُورُونَ كَمَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ فِي الْفَلْكَةِ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ : فَلَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بِالْفَلْكَةِ ، وَلَا الْفَلْكَةُ إِلَّا بِالْمِغْزَلِ ، كَذَلِكَ النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، لَا يَدُورُونَ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يَدُورُ إِلَّا بِهِنَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) [ الْأَنْعَامِ : 96 ] .
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ ، وَقَهْرِهِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَقَالَ : ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيِ : الْجَاحِدُونَ لِإِلَهِيَّتِهِ الْعَابِدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، أَلَمْ يَعْلَمُوا 339 أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ ، الْمُسْتَبِدُّ بِالتَّدْبِيرِ ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ أَوْ يُشْرَكَ بِهِ مَا سِوَاهُ ، أَلَمْ يَرَوْا ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ) أَيْ : كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَلَاصِقٌ مُتَرَاكِمٌ ، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ، فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ . فَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا ، وَالْأَرْضَ سَبْعًا ، وَفَصَلَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ بِالْهَوَاءِ ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَأَنْبَتَتِ الْأَرْضُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) أَيْ : وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْمَخْلُوقَاتِ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عِيَانًا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الْقَادِرِ عَلَى مَا يَشَاءُ : ﴿﴾ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ ﴿﴾
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّيْلُ كَانَ قَبْلُ أَوِ النَّهَارُ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حِينَ كَانَتَا رَتْقًا ، هَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ظُلْمَةٌ؟ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ; أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) ؟ . قَالَ : اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ فَاسْأَلْهُ ، ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ . قَالَ : فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ ، كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ .
فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ ، وَفَتْقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ . فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا ، صَدَقَ - هَكَذَا كَانَتْ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ كُنْتُ أَقُولُ : مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ ، فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا .
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ - : كَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ ، فَأَمْطَرَتْ . وَكَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ ، فَأَنْبَتَتْ .
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ : سَأَلْتُ أَبَا صَالِحٍ الْحَنَفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ : ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) ، قَالَ : كَانَتِ السَّمَاءُ وَاحِدَةً ، فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ وَاحِدَةً فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ أَرْضِينَ .
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَزَادَ : وَلَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُتَمَاسَّتَيْنِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بَلْ كَانَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُلْتَزِقَتَيْنِ ، فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْضَ ، كَانَ ذَلِكَ فَتْقَهُمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، كَانَتَا جَمِيعًا ، فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) أَيْ : أَصْلُ كُلِّ الْأَحْيَاءِ مِنْهُ . 340
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِذَا رَأَيْتُكَ قَرَّتْ عَيْنِي ، وَطَابَتْ نَفْسِي ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي ، وَقَرَّتْ عَيْنِي ، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ . قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ " قَالَ : قُلْتُ : أَنْبِئْنِي عَنِ أَمْرٍ إِذَا عَمِلْتُ بِهِ دَخَلَتُ الْجَنَّةَ . قَالَ : " أَفْشِ السَّلَامَ ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ ، وَصِلِ الْأَرْحَامَ ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ " .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الصَّمَدِ وَعَفَّانُ وَبَهْزٌ ، عَنْ هَمَّامٍ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ مِنْ رِجَالِ السُّنَنِ ، وَاسْمُهُ سُلَيْمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُصَحِّحُ لَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ) أَيْ : جِبَالًا أَرْسَى الْأَرْضَ بِهَا وَقَرَّرَهَا وَثَقَّلَهَا; لِئَلَّا تَمِيدَ بِالنَّاسِ ، أَيْ : تَضْطَرِبَ وَتَتَحَرَّكَ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ عَلَيْهَا قَرَارٌ لِأَنَّهَا غَامِرَةٌ فِي الْمَاءِ إِلَّا مِقْدَارَ الرُّبْعِ ، فَإِنَّهُ بَادٍ لِلْهَوَاءِ وَالشَّمْسِ ، لِيُشَاهِدَ أَهْلُهَا السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ ، وَالْحِكَمِ وَالدَّلَالَاتِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) أَيْ : لِئَلَّا تَمِيدَ بِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ) أَيْ : ثَغْرًا فِي الْجِبَالِ ، يَسْلُكُونَ فِيهَا طُرُقًا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْأَرْضِ ، يَكُونُ الْجَبَلُ حَائِلًا بَيْنَ هَذِهِ الْبِلَادِ وَهَذِهِ الْبِلَادِ ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ فَجْوَةً - ثَغْرَةً - لِيَسْلُكَ النَّاسُ فِيهَا مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ) أَيْ : عَلَى الْأَرْضِ وَهِيَ كَالْقُبَّةِ عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 47 ] ، وَقَالَ : ( وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ) [ الشَّمْسِ : 5 ] ، ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) [ ق : 6 ] ، وَالْبِنَاءُ هُوَ نَصْبُ الْقُبَّةِ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " أَيْ : خَمْسُ دَعَائِمَ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخِيَامِ ، عَلَى مَا تَعْهَدُهُ الْعَرَبُ .
( مَحْفُوظًا ) أَيْ : عَالِيًا مَحْرُوسًا أَنْ يُنَالَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ ، حَدَّثَنِي 341 أَبِي ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنِ أَشْعَثَ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ القُمِّيَّ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذِهِ السَّمَاءُ ، قَالَ : " مَوْجٌ مَكْفُوفٌ عَنْكُمْ " إِسْنَادٌ غَرِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُمْ عَنِ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَأَيْنْ مِنَ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) [ يُوسُفَ : 105 ] أَيْ : لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الِاتِّسَاعِ الْعَظِيمِ ، وَالِارْتِفَاعِ الْبَاهِرِ ، وَمَا زُيِّنَتْ بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ فِي لَيْلِهَا ، وَفِي نَهَارِهَا مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ الَّتِي تَقْطَعُ الْفَلَكَ بِكَمَالِهِ ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَتَسِيرُ غَايَةً لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا الَّذِي قَدَّرَهَا وَسَخَّرَهَا وَسَيَّرَهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي كِتَابِهِ " التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ " : أَنَّ بَعْضَ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَظَلَّتْهُ غَمَامَةٌ ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَرَى لِغَيْرِهِ ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى أُمِّهِ ، فَقَالَتْ لَهُ : يَا بُنَيَّ ، فَلَعَلَّكَ أَذْنَبْتَ فِي مُدَّةِ عِبَادَتِكَ هَذِهِ ، فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ ، قَالَتْ : فَلَعَلَّكَ هَمَمْتَ؟ قَالَ : لَا وَلَا هَمَمْتُ . قَالَتْ : فَلَعَلَّكَ رَفَعْتَ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ رَدَدْتَهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كَثِيرًا . قَالَتْ : فَمِنْ هَاهُنَا أُتِيتَ .
ثُمَّ قَالَ مُنَبِّهًا عَلَى بَعْضِ آيَاتِهِ : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) أَيْ : هَذَا فِي ظَلَامِهِ وَسُكُونِهِ ، وَهَذَا بِضِيَائِهِ وَأُنْسِهِ ، يَطُولُ هَذَا تَارَةً ثُمَّ يَقْصُرُ أُخْرَى ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ . ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) هَذِهِ لَهَا نُورٌ يَخُصُّهَا ، وَفَلَكٌ بِذَاتِهِ ، وَزَمَانٌ عَلَى حِدَةٍ ، وَحَرَكَةٍ وَسَيْرٍ خَاصٍّ ، وَهَذَا بِنُورٍ خَاصٍّ آخَرَ ، وَفَلَكٍ آخَرَ ، وَسَيْرٍ آخَرَ ، وَتَقْدِيرٍ آخَرَ ، ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) [ يس : 40 ] ، أَيْ : يَدُورُونَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَدُورُونَ كَمَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ فِي الْفَلْكَةِ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ : فَلَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بِالْفَلْكَةِ ، وَلَا الْفَلْكَةُ إِلَّا بِالْمِغْزَلِ ، كَذَلِكَ النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، لَا يَدُورُونَ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يَدُورُ إِلَّا بِهِنَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) [ الْأَنْعَامِ : 96 ] .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث