تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
395 ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) ) .
( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 7 ) ) .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَالِفَ لِلْبَعْثِ ، الْمُنْكِرَ لِلْمَعَادِ ، ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ ، بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ ، فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) أَيْ : فِي شَكٍّ ( مِنَ الْبَعْثِ ) وَهُوَ الْمَعَادُ وَقِيَامُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) أَيْ : أَصْلُ بَرْئِهِ لَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) أَيْ : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ) ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ ، مَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَذَلِكَ ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَقَةً حَمْرَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَتَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ مُضْغَةً - قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ - ثُمَّ يُشْرَعُ فِي التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ ، فَيُصَوَّرُ مِنْهَا رَأْسٌ وَيَدَانِ ، وَصَدْرٌ وَبَطْنٌ ، وَفَخْذَانِ وَرِجْلَانِ ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ . فَتَارَةً تُسْقِطُهَا الْمَرْأَةُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ ، وَتَارَةً تُلْقِيهَا وَقَدْ صَارَتْ ذَاتَ شَكْلٍ وَتَخْطِيطٍ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) أَيْ : كَمَا تُشَاهِدُونَهَا ، ( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أَيْ : وَتَارَةً تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ لَا تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ وَلَا تُسْقِطُهَا ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) قَالَ : هُوَ السَّقْطُ مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ . فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَهِيَ مُضْغَةٌ ، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكًا فَنَفَخَ فِيهَا الرَّوْحَ ، وَسَوَّاهَا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَذَكَرٍ وَأَنْثَى ، وَكَتَبَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا ، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - : " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ : بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ " .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : النُّطْفَةُ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ ، أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ قَالَ : يَا رَبِّ ، مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ 396 مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ : " غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ " لَمْ تَكُنْ نَسَمَةٌ ، وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا . وَإنْ قِيلَ : " مُخَلَّقَةٌ " ، قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ وَمَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ ؟ قَالَ : فَيُقَالُ لِلنُّطْفَةِ : مَنْ رَبُّكِ؟ فَتَقُولُ : اللَّهُ . فَيُقَالُ : مَنْ رَازِقُكِ؟ فَتَقُولُ : اللَّهُ . فَيُقَالُ لَهُ : اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ فِيهِ قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ . قَالَ : فَتُخْلَقُ فَتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا ، وَتَأْكُلُ رِزْقَهَا ، وَتَطَأُ أَثَرَهَا ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا مَاتَتْ ، فَدُفِنَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، ثُمَّ تَلَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) فَإِذَا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ فَكَانَتْ نَسَمَةً ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ، وَيَكْتُبَانِ ، فَيَقُولُ : أَذَكَرٌ أَمْ أَنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبَانِ ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْتَقَصُ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَمِنْ طُرُقٍ أُخَرَ ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ) أَيْ : ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوَاسِّهِ ، وَبَطْشِهِ وَعَقْلِهِ . ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ الْقُوَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَيَلْطُفُ بِهِ ، وَيَحْنُنْ عَلَيْهِ وَالِدِّيَةُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) أَيْ : يَتَكَامَلُ الْقُوَى وَيَتَزَايَدُ ، وَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ .
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ) ، أَيْ : فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقَوَاهُ ، ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ وَضَعْفُ الْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ ، وَتَنَاقُصُ الْأَحْوَالِ مِنَ الْخَرَفِ وَضَعْفِ الْفِكْرِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) [ الرُّومِ : 54 ] .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [ أَحْمَدُ ] بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَفَعَ الْحَدِيثَ - قَالَ : " الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ ، كُتِبَتْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَالِدَيْهِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ جَرَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَلَمُ أُمِرَ الْمَلِكَانِ اللَّذَانِ مَعَهُ أَنْ يَحْفَظَا وَأَنْ يُشَدِّدَا ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي 397 الْإِسْلَامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا الثَّلَاثِ : الْجُنُونُ ، وَالْجُذَامُ ، وَالْبَرَصُ . فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ ، خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ . فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ ، فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، فَإِذَا بَلَّغَ الثَّمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَكَانَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ ( لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، فَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ . وَمَعَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَقَالَ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا ، مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّنَ اللَّهُ حِسَابَهُ ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ ، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّي أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَبِي ذَرَّةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبَلَاءِ : الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ . . . . . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءً .
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ ، عَنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنِ أَبِي قَتَادَةَ الْعُذْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ : الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحِسَابَ ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّيَ أَسِيرَ اللَّهِ ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوُزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّيَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ " . 398
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ) : هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الْهَامِدَةَ ، وَهِيَ الْقَحْلَةُ الَّتِي لَا نَبْتَ فِيهَا وَلَا شَيْءَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : غَبْرَاءُ مُتَهَشِّمَةٌ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : مَيْتَةٌ .
( فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أَيْ : فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ ) اهْتَزَّتْ ) أَيْ : تَحَرَّكَتْ وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا ، ( وَرَبَتْ ) أَيِ : ارْتَفَعَتْ لَمَّا سَكَنَ فِيهَا الثَّرَى ، ثُمَّ أَنْبَتَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْفُنُونِ ، مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ ، وَأَشْتَاتِ النَّبَاتَاتِ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا ، وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا وَمَنَافِعِهَا; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أَيْ : حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرِّيحِ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ) أَيِ : الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ ، ( وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى ) [ أَيْ : كَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ وَأَنْبَتَ مِنْهَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ; ( إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) ] ، ( إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ فُصِّلَتْ : 39 ] فَ ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] .
( وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ) أَيْ : كَائِنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ ، ( وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) أَيْ : يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي قُبُورِهِمْ رِمَمًا ، وَيُوجِدُهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) [ يس : 78 - 80 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَعْلَى عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ - وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : " فَاللَّهُ أَعْظَمُ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ : " أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا " قَالَ : بَلَى . قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ .
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ : " أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ مِنْ أَرْضِكَ مُجْدِبَةً ، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا 399 مُخْصِبَةً؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " كَذَلِكَ النُّشُورُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عُبَيْسُ بْنُ مَرْحُومٍ ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ أَبِي السُّمَيْطِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ - دَخَلَ الْجَنَّةَ . [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 7 ) ) .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَالِفَ لِلْبَعْثِ ، الْمُنْكِرَ لِلْمَعَادِ ، ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ ، بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ ، فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) أَيْ : فِي شَكٍّ ( مِنَ الْبَعْثِ ) وَهُوَ الْمَعَادُ وَقِيَامُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) أَيْ : أَصْلُ بَرْئِهِ لَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) أَيْ : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ) ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ ، مَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَذَلِكَ ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَقَةً حَمْرَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَتَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ مُضْغَةً - قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ - ثُمَّ يُشْرَعُ فِي التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ ، فَيُصَوَّرُ مِنْهَا رَأْسٌ وَيَدَانِ ، وَصَدْرٌ وَبَطْنٌ ، وَفَخْذَانِ وَرِجْلَانِ ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ . فَتَارَةً تُسْقِطُهَا الْمَرْأَةُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ ، وَتَارَةً تُلْقِيهَا وَقَدْ صَارَتْ ذَاتَ شَكْلٍ وَتَخْطِيطٍ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) أَيْ : كَمَا تُشَاهِدُونَهَا ، ( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أَيْ : وَتَارَةً تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ لَا تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ وَلَا تُسْقِطُهَا ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) قَالَ : هُوَ السَّقْطُ مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ . فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَهِيَ مُضْغَةٌ ، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكًا فَنَفَخَ فِيهَا الرَّوْحَ ، وَسَوَّاهَا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَذَكَرٍ وَأَنْثَى ، وَكَتَبَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا ، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - : " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ : بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ " .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : النُّطْفَةُ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ ، أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ قَالَ : يَا رَبِّ ، مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ 396 مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ : " غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ " لَمْ تَكُنْ نَسَمَةٌ ، وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا . وَإنْ قِيلَ : " مُخَلَّقَةٌ " ، قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ وَمَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ ؟ قَالَ : فَيُقَالُ لِلنُّطْفَةِ : مَنْ رَبُّكِ؟ فَتَقُولُ : اللَّهُ . فَيُقَالُ : مَنْ رَازِقُكِ؟ فَتَقُولُ : اللَّهُ . فَيُقَالُ لَهُ : اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ فِيهِ قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ . قَالَ : فَتُخْلَقُ فَتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا ، وَتَأْكُلُ رِزْقَهَا ، وَتَطَأُ أَثَرَهَا ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا مَاتَتْ ، فَدُفِنَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، ثُمَّ تَلَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) فَإِذَا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ فَكَانَتْ نَسَمَةً ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ، وَيَكْتُبَانِ ، فَيَقُولُ : أَذَكَرٌ أَمْ أَنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبَانِ ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْتَقَصُ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَمِنْ طُرُقٍ أُخَرَ ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ) أَيْ : ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوَاسِّهِ ، وَبَطْشِهِ وَعَقْلِهِ . ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ الْقُوَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَيَلْطُفُ بِهِ ، وَيَحْنُنْ عَلَيْهِ وَالِدِّيَةُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) أَيْ : يَتَكَامَلُ الْقُوَى وَيَتَزَايَدُ ، وَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ .
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ) ، أَيْ : فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقَوَاهُ ، ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ وَضَعْفُ الْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ ، وَتَنَاقُصُ الْأَحْوَالِ مِنَ الْخَرَفِ وَضَعْفِ الْفِكْرِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) [ الرُّومِ : 54 ] .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [ أَحْمَدُ ] بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَفَعَ الْحَدِيثَ - قَالَ : " الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ ، كُتِبَتْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَالِدَيْهِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ جَرَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَلَمُ أُمِرَ الْمَلِكَانِ اللَّذَانِ مَعَهُ أَنْ يَحْفَظَا وَأَنْ يُشَدِّدَا ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي 397 الْإِسْلَامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا الثَّلَاثِ : الْجُنُونُ ، وَالْجُذَامُ ، وَالْبَرَصُ . فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ ، خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ . فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ ، فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، فَإِذَا بَلَّغَ الثَّمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَكَانَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ ( لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، فَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ . وَمَعَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَقَالَ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا ، مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّنَ اللَّهُ حِسَابَهُ ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ ، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّي أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَبِي ذَرَّةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبَلَاءِ : الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ . . . . . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءً .
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ ، عَنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنِ أَبِي قَتَادَةَ الْعُذْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ : الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحِسَابَ ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّيَ أَسِيرَ اللَّهِ ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوُزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَسُمِّيَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ " . 398
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ) : هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الْهَامِدَةَ ، وَهِيَ الْقَحْلَةُ الَّتِي لَا نَبْتَ فِيهَا وَلَا شَيْءَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : غَبْرَاءُ مُتَهَشِّمَةٌ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : مَيْتَةٌ .
( فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أَيْ : فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ ) اهْتَزَّتْ ) أَيْ : تَحَرَّكَتْ وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا ، ( وَرَبَتْ ) أَيِ : ارْتَفَعَتْ لَمَّا سَكَنَ فِيهَا الثَّرَى ، ثُمَّ أَنْبَتَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْفُنُونِ ، مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ ، وَأَشْتَاتِ النَّبَاتَاتِ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا ، وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا وَمَنَافِعِهَا; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أَيْ : حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرِّيحِ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ) أَيِ : الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ ، ( وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى ) [ أَيْ : كَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ وَأَنْبَتَ مِنْهَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ; ( إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) ] ، ( إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ فُصِّلَتْ : 39 ] فَ ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] .
( وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ) أَيْ : كَائِنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ ، ( وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) أَيْ : يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي قُبُورِهِمْ رِمَمًا ، وَيُوجِدُهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) [ يس : 78 - 80 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَعْلَى عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ - وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : " فَاللَّهُ أَعْظَمُ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ : " أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا " قَالَ : بَلَى . قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ .
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ : " أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ مِنْ أَرْضِكَ مُجْدِبَةً ، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا 399 مُخْصِبَةً؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " كَذَلِكَ النُّشُورُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عُبَيْسُ بْنُ مَرْحُومٍ ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ أَبِي السُّمَيْطِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ - دَخَلَ الْجَنَّةَ . [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith