تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
409 ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( 25 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ فِي صَدِّهِمُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فِيهِ ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمُ أَوْلِيَاؤُهُ : ( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [ الْأَنْفَالِ : 34 ] .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ [ عَلَى ] أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 217 ] ، وَقَالَ : هَاهُنَا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أَيْ : وَمِنْ صِفَتِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمُ أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَيْ : وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [ الرَّعْدِ : 28 ] أَيْ : وَمِنْ صِفَتِهِمُ أَنَّهُمْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) [ أَيْ : يَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْعَا سَوَاءً ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُقِيمِ فِيهِ وَالنَّائِي عَنْهُ الْبَعِيدِ الدَّارِ مِنْهُ ، ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) ] وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ النَّاسِ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ وَسُكْنَاهَا ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) قَالَ : يَنْزِلُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ [ فِي قَوْلِهِ ] : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) : أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْمَنَازِلِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ [ بْنِ أَسْلَمَ ] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُهُ وَغَيْرُ أَهْلِهِ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ بِمَسْجِدِ الْخِيفِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ أَيْضًا ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ رِبَاعَ مَكَّةَ تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَتُؤَجَّرُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ : " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ " . ثُمَّ قَالَ : " لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [ وَبِمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِمَكَّةَ ، فَجَعَلَهَا سِجْنًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .
وَذَهَبَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ إِلَى أَنَّهَا تُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ . وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ 410 مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ ، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا ] السَّوَائِبَ ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ بَيْعُ دَوْرِ مَكَّةَ وَلَا كِرَاؤُهَا .
وَقَالَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ; لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ لِي ظَهْرِي قَالَ : فَذَلِكَ إِذًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ ، لَا تَتَّخِذُوا لِدَوْرِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ يَشَاءُ .
قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَمَّنْ سَمِعَ عَطَاءً يَقُولُ [ فِي قَوْلِهِ ] : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) ، قَالَ : يَنْزِلُونَ حَيْثُ شَاءُوا .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أَكَلَ نَارًا .
" وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [ فِيمَا نَقَلَهُ صَالِحٌ ابْنُهُ ] فَقَالَ : تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : الْبَاءُ هَاهُنَا زَائِدَةٌ ، كَقَوْلِهِ : ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] أَيْ : تُنْبِتُ الدُّهْنَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ) تَقْدِيرُهُ إِلْحَادًا ، وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ ضَمَنَتْ بِرِزْقِ عِيَالِنَا أَرْمَاحُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ بَيْنَ الْمَرَاجِلِ ، وَالصَّرِيحِ الْأَجْرَدِ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَسْفَلُهُ بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ ﴿﴾ 411
وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الْفِعْلَ هَاهُنَا مَعْنَى " يَهُمُّ " ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ ، فَقَالَ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) أَيْ : يَهُمُّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ مِنَ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ .
وَقَوْلُهُ : ( بِظُلْمٍ ) أَيْ : عَامِدًا قَاصِدًا أَنَّهُ ظُلْمٌ لَيْسَ بِمُتَأَوِّلٍ ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ [ التَّعَمُّدُ ] .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِظُلْمٍ ) بِشِرْكٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَنْ يُعْبَدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِظُلْمٍ ) هُوَ أَنْ تَسْتَحِلَّ مِنَ الْحَرَمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ لِسَانٍ أَوْ قَتْلٍ ، فَتَظْلِمَ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ ، وَتَقْتُلَ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ [ لَهُ ] الْعَذَابُ الْأَلِيمُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( بِظُلْمٍ ) : يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا .
وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْحَرَمِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ الْبَادِي فِيهِ الشَّرَّ ، إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ، وَهُوَ بِعَدَنِ أَبَيْنَ ، أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ .
قَالَ شُعْبَةُ : هُوَ رَفَعَهُ لَنَا ، وَأَنَا لَا أَرْفَعُهُ لَكُمْ . قَالَ يَزِيدُ : هُوَ قَدْ رَفَعَهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، بِهِ .
[ قُلْتُ : هَذَا الْإِسْنَادُ ] صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَوَقْفُهُ أَشْبَهُ مِنْ رَفْعِهِ; وَلِهَذَا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلَى وَقْفِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنِ أَبَيْنَ هَمَّ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِهَذَا الْبَيْتِ ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ [ الثَّوْرِيُّ ] ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ " إِلْحَادٌ فِيهِ " ، لَا وَاللَّهِ ، وَبِلَى وَاللَّهِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، مِثْلُهُ . 412
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : شَتْمُ الْخَادِمِ ظُلْمٌ فَمَا فَوْقَهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : تِجَارَةُ الْأَمِيرِ فِيهِ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ : بَيْعُ الطَّعَامِ [ بِمَكَّةَ ] إِلْحَادٌ .
وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : الْمُحْتَكِرُ بِمَكَّةَ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ بَاذَانَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا مُهَاجِرٌ وَالْآخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَافْتَخَرُوا فِي الْأَنْسَابِ ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، فَقَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) يَعْنِي : مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بِإِلْحَادٍ يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الْإِسْلَامِ .
وَهَذِهِ الْآثَارُ ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ ، وَلَكِنْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَمَّا هَمَّ أَصْحَابُ الْفِيلِ عَلَى تَخْرِيبِ الْبَيْتِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) [ الْفِيلِ : 4 ، 5 ] ، أَيْ : دَمَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ; وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ " الْحَدِيثَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ أَبِيهِ قَالَ : أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّهُ سَيُلْحِدُ فِيهِ رَجُلٌ مَنْ قُرَيْشٍ ، لَوْ تُوزَنُ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَجَحَتْ " ، فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ .
وَقَالَ أَيْضًا [ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ] : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، 413 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ : يَا بْنَ الزُّبَيْرِ ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي الْحَرَمِ ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يَحِلُّهَا وَيَحِلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَلَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا " . قَالَ : فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ .
وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ .
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ فِي صَدِّهِمُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فِيهِ ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمُ أَوْلِيَاؤُهُ : ( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [ الْأَنْفَالِ : 34 ] .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ [ عَلَى ] أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 217 ] ، وَقَالَ : هَاهُنَا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أَيْ : وَمِنْ صِفَتِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمُ أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَيْ : وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [ الرَّعْدِ : 28 ] أَيْ : وَمِنْ صِفَتِهِمُ أَنَّهُمْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) [ أَيْ : يَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْعَا سَوَاءً ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُقِيمِ فِيهِ وَالنَّائِي عَنْهُ الْبَعِيدِ الدَّارِ مِنْهُ ، ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) ] وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ النَّاسِ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ وَسُكْنَاهَا ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) قَالَ : يَنْزِلُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ [ فِي قَوْلِهِ ] : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) : أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْمَنَازِلِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ [ بْنِ أَسْلَمَ ] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُهُ وَغَيْرُ أَهْلِهِ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ بِمَسْجِدِ الْخِيفِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ أَيْضًا ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ رِبَاعَ مَكَّةَ تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَتُؤَجَّرُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ : " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ " . ثُمَّ قَالَ : " لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [ وَبِمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِمَكَّةَ ، فَجَعَلَهَا سِجْنًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .
وَذَهَبَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ إِلَى أَنَّهَا تُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ . وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ 410 مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ ، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا ] السَّوَائِبَ ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ بَيْعُ دَوْرِ مَكَّةَ وَلَا كِرَاؤُهَا .
وَقَالَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ; لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ لِي ظَهْرِي قَالَ : فَذَلِكَ إِذًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ ، لَا تَتَّخِذُوا لِدَوْرِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ يَشَاءُ .
قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَمَّنْ سَمِعَ عَطَاءً يَقُولُ [ فِي قَوْلِهِ ] : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) ، قَالَ : يَنْزِلُونَ حَيْثُ شَاءُوا .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أَكَلَ نَارًا .
" وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [ فِيمَا نَقَلَهُ صَالِحٌ ابْنُهُ ] فَقَالَ : تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : الْبَاءُ هَاهُنَا زَائِدَةٌ ، كَقَوْلِهِ : ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] أَيْ : تُنْبِتُ الدُّهْنَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ) تَقْدِيرُهُ إِلْحَادًا ، وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ ضَمَنَتْ بِرِزْقِ عِيَالِنَا أَرْمَاحُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ بَيْنَ الْمَرَاجِلِ ، وَالصَّرِيحِ الْأَجْرَدِ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَسْفَلُهُ بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ ﴿﴾ 411
وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الْفِعْلَ هَاهُنَا مَعْنَى " يَهُمُّ " ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ ، فَقَالَ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) أَيْ : يَهُمُّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ مِنَ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ .
وَقَوْلُهُ : ( بِظُلْمٍ ) أَيْ : عَامِدًا قَاصِدًا أَنَّهُ ظُلْمٌ لَيْسَ بِمُتَأَوِّلٍ ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ [ التَّعَمُّدُ ] .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِظُلْمٍ ) بِشِرْكٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَنْ يُعْبَدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِظُلْمٍ ) هُوَ أَنْ تَسْتَحِلَّ مِنَ الْحَرَمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ لِسَانٍ أَوْ قَتْلٍ ، فَتَظْلِمَ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ ، وَتَقْتُلَ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ [ لَهُ ] الْعَذَابُ الْأَلِيمُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( بِظُلْمٍ ) : يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا .
وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْحَرَمِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ الْبَادِي فِيهِ الشَّرَّ ، إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ، وَهُوَ بِعَدَنِ أَبَيْنَ ، أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ .
قَالَ شُعْبَةُ : هُوَ رَفَعَهُ لَنَا ، وَأَنَا لَا أَرْفَعُهُ لَكُمْ . قَالَ يَزِيدُ : هُوَ قَدْ رَفَعَهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، بِهِ .
[ قُلْتُ : هَذَا الْإِسْنَادُ ] صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَوَقْفُهُ أَشْبَهُ مِنْ رَفْعِهِ; وَلِهَذَا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلَى وَقْفِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنِ أَبَيْنَ هَمَّ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِهَذَا الْبَيْتِ ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ [ الثَّوْرِيُّ ] ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ " إِلْحَادٌ فِيهِ " ، لَا وَاللَّهِ ، وَبِلَى وَاللَّهِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، مِثْلُهُ . 412
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : شَتْمُ الْخَادِمِ ظُلْمٌ فَمَا فَوْقَهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : تِجَارَةُ الْأَمِيرِ فِيهِ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ : بَيْعُ الطَّعَامِ [ بِمَكَّةَ ] إِلْحَادٌ .
وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : الْمُحْتَكِرُ بِمَكَّةَ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ بَاذَانَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا مُهَاجِرٌ وَالْآخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَافْتَخَرُوا فِي الْأَنْسَابِ ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، فَقَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) يَعْنِي : مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بِإِلْحَادٍ يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الْإِسْلَامِ .
وَهَذِهِ الْآثَارُ ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ ، وَلَكِنْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَمَّا هَمَّ أَصْحَابُ الْفِيلِ عَلَى تَخْرِيبِ الْبَيْتِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) [ الْفِيلِ : 4 ، 5 ] ، أَيْ : دَمَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ; وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ " الْحَدِيثَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ أَبِيهِ قَالَ : أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّهُ سَيُلْحِدُ فِيهِ رَجُلٌ مَنْ قُرَيْشٍ ، لَوْ تُوزَنُ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَجَحَتْ " ، فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ .
وَقَالَ أَيْضًا [ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ] : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، 413 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ : يَا بْنَ الزُّبَيْرِ ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي الْحَرَمِ ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يَحِلُّهَا وَيَحِلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَلَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا " . قَالَ : فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ .
وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith