تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1223 · printed p. 450
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) )
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 65 ) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ( 66 ) ) . 450
وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ ، فَتُثِيرُ سَحَابًا ، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا ، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ ، ( فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) [ الْحَجِّ : 5 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، كَمَا قَالَ : ( خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ۝ " أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا " وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ بِالْفَاءِ ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ : ( فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) أَيْ : خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا وَمُحُولِهَا .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ : أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) أَيْ : عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ : ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) [ لُقْمَانَ : 16 ] ، وَقَالَ : ( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) [ النَّمْلِ : 25 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ الْأَنْعَامِ : 59 ] ، وَقَالَ ( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ) الْآيَةَ [ يُونُسَ : 61 ] ; وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [ أَبِي ] الصَّلْتِ أَوْ : زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ :
﴿﴾ وَقُولَا لَهُ : مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى ﴿﴾ ﴿﴾ فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا؟ ﴿﴾ ﴿﴾ ويُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُءُوسِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) أَيْ : مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، عَبْدٌ لَدَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ) أَيْ : مِنْ حَيَوَانٍ ، وَجَمَادٍ ، وَزُرُوعٍ ، وَثِمَارٍ . كَمَا قَالَ : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) [ الْجَاثِيَةِ : 13 ] أَيْ : مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ ، ( وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) أَيْ : بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ ، أَيْ : فِي الْبَحْرِ الْعَجَاجِ ، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شَاءُوا مِنْ تَجَائِرَ وَبَضَائِعَ 451 وَمَنَافِعَ ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ ، ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) أَيْ : لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا ، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) أَيْ : مَعَ ظُلْمِهِمْ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ الرَّعْدِ : 6 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ) ، كَقَوْلِهِ : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 28 ] ، وَقَوْلِهِ : ( قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ) [ الْجَاثِيَةِ : 26 ] ، وَقَوْلِهِ : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) [ غَافِرٍ : 11 ] وَمَعْنَى الْكَلَامِ : كَيْفَ تَجْعَلُونَ [ مَعَ ] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ ، ( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ) أَيْ : خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ ، فَأَوْجَدَكُمْ ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ) أَيْ : جَحُودٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith