تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أَيْ : عَلَى نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى ، وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ ، وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرُهُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ ، قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الصَّافَّاتِ : 180 - 182 ] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ : هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ [ اللَّهُ ] عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَلَا مُنَافَاةَ ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ، فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ لَهُمْ مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ ، وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ صُبَيْحٍ ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) قَالَ : هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى .
ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَقَالَ : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أَيْ : تِلْكَ السَّمَوَاتُ بِارْتِفَاعِهَا وَصَفَائِهَا ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ وَالْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ ، وَالْأَرْضُ بِاسْتِفَالِهَا وَكَثَافَتِهَا ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَوْعَارِ وَالسُّهُولِ ، وَالْفَيَافِي وَالْقِفَارِ ، وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ ، وَالثِّمَارِ وَالْبُحُورِ وَالْحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
202
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) أَيْ : جَعَلَهُ رِزْقًا لِلْعِبَادِ ، ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ) أَيْ : بَسَاتِينَ ( ذَاتَ بَهْجَةٍ ) أَيْ : مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَشَكْلٍ بَهِيٍّ ، ( مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) أَيْ : لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، الْمُسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ، كَمَا يَعْتَرِفُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 63 ] أَيْ : هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ثُمَّ هُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ مَنْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) أَيْ : أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يُعْبَدُ . وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ، وَلِكُلِّ ذِي لُبٍّ مِمَّا يَعْرِفُونَ بِهِ أَيْضًا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ .
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) [ أَيْ : أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ] فَعَلَ هَذَا . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْجَوَابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ ثَمَّ أَحَدٌ فَعَلَ هَذَا مَعَهُ ، بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ . فَيُقَالُ : فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ ؟ كَمَا قَالَ : ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ) [ النَّحْلِ : 17 ] .
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) : ( أَمَّنْ ) فِي هَذِهِ الْآيَاتِ [ كُلِّهَا ] تَقْدِيرُهُ : أَمَّنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ؟ هَذَا مَعْنَى السِّيَاقِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الْآخَرُ ; لِأَنَّ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ : ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) أَيْ : يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عِدْلًا وَنَظِيرًا . وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) [ الزُّمَرِ : 9 ] أَيْ : أَمَّنْ هُوَ هَكَذَا كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ الزُّمَرِ : 9 ] ، ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) [ الزُّمَرِ : 22 ] وَقَالَ ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) [ الرَّعْدِ : 33 ] أَيْ : أَمَنْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِ الْخَلْقِ ، حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ جَلِيلَهُ وَحَقِيرَهُ ، كَمَنْ هُوَ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي عَبَدُوهَا ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ) [ الرَّعْدِ : 33 ] ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ كُلُّهَا .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أَيْ : عَلَى نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى ، وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ ، وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرُهُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ ، قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الصَّافَّاتِ : 180 - 182 ] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ : هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ [ اللَّهُ ] عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَلَا مُنَافَاةَ ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ، فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ لَهُمْ مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ ، وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ صُبَيْحٍ ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) قَالَ : هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى .
ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَقَالَ : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أَيْ : تِلْكَ السَّمَوَاتُ بِارْتِفَاعِهَا وَصَفَائِهَا ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ وَالْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ ، وَالْأَرْضُ بِاسْتِفَالِهَا وَكَثَافَتِهَا ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَوْعَارِ وَالسُّهُولِ ، وَالْفَيَافِي وَالْقِفَارِ ، وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ ، وَالثِّمَارِ وَالْبُحُورِ وَالْحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
202
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) أَيْ : جَعَلَهُ رِزْقًا لِلْعِبَادِ ، ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ) أَيْ : بَسَاتِينَ ( ذَاتَ بَهْجَةٍ ) أَيْ : مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَشَكْلٍ بَهِيٍّ ، ( مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) أَيْ : لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، الْمُسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ، كَمَا يَعْتَرِفُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 63 ] أَيْ : هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ثُمَّ هُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ مَنْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) أَيْ : أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يُعْبَدُ . وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ، وَلِكُلِّ ذِي لُبٍّ مِمَّا يَعْرِفُونَ بِهِ أَيْضًا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ .
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) [ أَيْ : أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ] فَعَلَ هَذَا . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْجَوَابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ ثَمَّ أَحَدٌ فَعَلَ هَذَا مَعَهُ ، بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ . فَيُقَالُ : فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ ؟ كَمَا قَالَ : ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ) [ النَّحْلِ : 17 ] .
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) : ( أَمَّنْ ) فِي هَذِهِ الْآيَاتِ [ كُلِّهَا ] تَقْدِيرُهُ : أَمَّنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ؟ هَذَا مَعْنَى السِّيَاقِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الْآخَرُ ; لِأَنَّ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ : ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) أَيْ : يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عِدْلًا وَنَظِيرًا . وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) [ الزُّمَرِ : 9 ] أَيْ : أَمَّنْ هُوَ هَكَذَا كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ الزُّمَرِ : 9 ] ، ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) [ الزُّمَرِ : 22 ] وَقَالَ ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) [ الرَّعْدِ : 33 ] أَيْ : أَمَنْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِ الْخَلْقِ ، حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ جَلِيلَهُ وَحَقِيرَهُ ، كَمَنْ هُوَ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي عَبَدُوهَا ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ) [ الرَّعْدِ : 33 ] ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ كُلُّهَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith