تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1365 · printed p. 218
218 ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 93 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا رَسُولَهُ وَآمِرًا لَهُ أَنْ يَقُولَ : ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) ، كَمَا قَالَ : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) [ يُونُسَ : 104 ] .
وَإِضَافَةُ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْبَلْدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهَا وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا ، كَمَا قَالَ : ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) [ قُرَيْشٍ : 3 ، 4 ] .
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي حَرَّمَهَا ) أَيِ : الَّذِي إِنَّمَا صَارَتْ حَرَامًا قَدَرًا وَشَرْعًا بِتَحْرِيمِهِ لَهَا ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : ۝ " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) : مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، أَيْ : هُوَ رَبُّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ ، ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أَيِ : الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُنْقَادِينَ لِأَمْرِهِ الْمُطِيعِينَ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ) أَيْ : عَلَى النَّاسِ أُبَلِّغُهُمْ إِيَّاهُ ، كَقَوْلِهِ : ( ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 58 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ الْقَصَصِ : 3 ] أَيْ : أَنَا مُبَلِّغٌ وَمُنْذِرٌ ، ( فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) أَيْ : لِي سَوِيَّةُ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَنْذَرُوا قَوْمَهُمْ ، وَقَامُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِمْ ، وَخَلَصُوا مِنْ عُهْدَتِهِمْ ، وَحِسَابُ أُمَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) [ الرَّعْدِ : 40 ] ، وَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) [ هُودٍ : 12 ] .
( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) ، أَيِ : لِلَّهِ الْحَمْدُ الَّذِي لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ 219 عَلَيْهِ ، وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) [ فُصِّلَتْ : 53 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أَيْ : بَلْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْحَوْضِيِّ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِاللَّهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ غَافِلًا شَيْئًا لَأَغْفَلَ الْبَعُوضَةَ وَالْخَرْدَلَةَ وَالذَّرَّةَ " .
[ قَالَ أَيْضًا ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ أَبِي : أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : فَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُغْفِلًا شَيْئًا لَأَغْفَلَ مَا تُعَفِّي الرِّيَاحُ مِنْ أَثَرِ قَدَمَيِ ابْنِ آدَمَ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ ، إِمَّا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ :
﴿﴾ إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهْرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ﴿﴾ ﴿﴾ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ ﴿﴾
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith