تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1414 · printed p. 289
( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ( 54 ) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَهْلِ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِعْجَالِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ أَنْ يَقَعَ بِهِمْ ، وَبَأْسَ اللَّهِ أَنْ يَحِلَّ 289 عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ) أَيْ : لَوْلَا مَا حَتَّمَ اللَّهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعَذَابِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ قَرِيبًا سَرِيعًا كَمَا اسْتَعْجَلُوهُ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً ) أَيْ : فَجْأَةً ، ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) أَيْ : يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ ، وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ .
قَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ، قَالَ : الْبَحْرُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ . حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ; أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) : وَجَهَنَّمُ هُوَ هَذَا الْبَحْرُ الْأَخْضَرُ ، تُنْتَثَرُ الْكَوَاكِبُ فِيهِ ، وَتُكَوَّرُ فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هُوَ جَهَنَّمَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُيَيٍّ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ " . قَالُوا : لِيَعْلَى ، فَقَالَ : أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) [ الْكَهْفِ : 29 ] ، قَالَ : لَا وَالَّذِي نَفْسُ يَعْلَى بِيَدِهِ لَا أَدْخُلُهَا أَبَدًا حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى اللَّهِ ، وَلَا يُصِيبُنِي مِنْهَا قَطْرَةٌ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
هَذَا تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ ، وَحَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 41 ] ، وَقَالَ : ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) [ الزُّمَرِ : 16 ] ، وَقَالَ : ( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 39 ] ، فَالنَّارُ تَغْشَاهُمْ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِمْ ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْعَذَابِ الْحِسِّيِّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، تَهْدِيدٌ وَتَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ ، وَهَذَا عَذَابٌ مَعْنَوِيٌّ عَلَى النُّفُوسِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [ الْقَمَرِ : 48 ، 49 ] ، وَقَالَ ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا . هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ . أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ . اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الطُّورِ : 13 - 16 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith