تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 29 ) )
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ ، الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، الْجَاعِلِينَ لَهُ شُرَكَاءَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ شُرَكَاءَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادَ عُبَيْدٌ لَهُ ، مِلْكٌ لَهُ ، كَمَا كَانُوا فِي تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . فَقَالَ تَعَالَى : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : تَشْهَدُونَهُ وَتَفْهَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، ( هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) أَيْ : لَا يَرْتَضِي أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكًا لَهُ فِي مَالِهِ ، فَهُوَ وَهُوَ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ( تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أَيْ : تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمُ الْأَمْوَالَ .
قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : إِنَّ مَمْلُوكَكَ لَا تَخَافُ أَنْ يُقَاسِمَكَ مَالَكَ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَاكَ ، كَذَلِكَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
313 وَالْمَعْنَى : أَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْأَنْدَادَ مِنْ خَلْقِهِ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ) [ النَّحْلِ : 62 ] أَيْ : مِنَ الْبَنَاتِ ، حَيْثُ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ ، وَقَدْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا بُشِّرَ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ، أَيُمْسِكُهُ عَلَى هَوْنٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ، فَهُمْ يَأْنَفُونَ مِنَ الْبَنَاتِ . وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ مَا لَا يَرْتَضُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَهَذَا أَغْلَظُ الْكُفْرِ . وَهَكَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ مِنْ عَبِيدِهِ وَخَلْقِهِ ، وَأَحَدُهُمْ يَأْبَى غَايَةَ الْإِبَاءِ وَيَأْنَفُ غَايَةَ الْأَنَفَةِ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ فِي مَالِهِ ، يُسَاوِيهِ فِيهِ . وَلَوْ شَاءَ لَقَاسَمَهُ عَلَيْهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَصْبِهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ يُلَبِّي أَهْلُ الشِّرْكِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ [ لَبَّيْكَ ] ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) .
وَلَمَّا كَانَ التَّنْبِيهُ بِهَذَا الْمَثَلِ عَلَى بَرَاءَتِهِ تَعَالَى وَنَزَاهَتِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، قَالَ : ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا عَبَدُوا غَيْرَهُ سَفَهًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجَهْلًا ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أَيِ : الْمُشْرِكُونَ ) أَهْوَاءَهُمْ ) أَيْ : فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَنْدَادَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، ( فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) [ أَيْ : فَلَا أَحَدَ يَهْدِيهِمْ إِذَا كَتَبَ اللَّهُ إِضْلَالَهُمْ ] ، ( وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ مُنْقِذٌ وَلَا مُجِيرٌ ، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ; لِأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ .
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ ، الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، الْجَاعِلِينَ لَهُ شُرَكَاءَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ شُرَكَاءَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادَ عُبَيْدٌ لَهُ ، مِلْكٌ لَهُ ، كَمَا كَانُوا فِي تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . فَقَالَ تَعَالَى : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : تَشْهَدُونَهُ وَتَفْهَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، ( هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) أَيْ : لَا يَرْتَضِي أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكًا لَهُ فِي مَالِهِ ، فَهُوَ وَهُوَ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ( تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أَيْ : تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمُ الْأَمْوَالَ .
قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : إِنَّ مَمْلُوكَكَ لَا تَخَافُ أَنْ يُقَاسِمَكَ مَالَكَ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَاكَ ، كَذَلِكَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
313 وَالْمَعْنَى : أَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْأَنْدَادَ مِنْ خَلْقِهِ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ) [ النَّحْلِ : 62 ] أَيْ : مِنَ الْبَنَاتِ ، حَيْثُ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ ، وَقَدْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا بُشِّرَ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ، أَيُمْسِكُهُ عَلَى هَوْنٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ، فَهُمْ يَأْنَفُونَ مِنَ الْبَنَاتِ . وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ مَا لَا يَرْتَضُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَهَذَا أَغْلَظُ الْكُفْرِ . وَهَكَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ مِنْ عَبِيدِهِ وَخَلْقِهِ ، وَأَحَدُهُمْ يَأْبَى غَايَةَ الْإِبَاءِ وَيَأْنَفُ غَايَةَ الْأَنَفَةِ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ فِي مَالِهِ ، يُسَاوِيهِ فِيهِ . وَلَوْ شَاءَ لَقَاسَمَهُ عَلَيْهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَصْبِهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ يُلَبِّي أَهْلُ الشِّرْكِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ [ لَبَّيْكَ ] ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) .
وَلَمَّا كَانَ التَّنْبِيهُ بِهَذَا الْمَثَلِ عَلَى بَرَاءَتِهِ تَعَالَى وَنَزَاهَتِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، قَالَ : ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا عَبَدُوا غَيْرَهُ سَفَهًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجَهْلًا ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أَيِ : الْمُشْرِكُونَ ) أَهْوَاءَهُمْ ) أَيْ : فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَنْدَادَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، ( فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) [ أَيْ : فَلَا أَحَدَ يَهْدِيهِمْ إِذَا كَتَبَ اللَّهُ إِضْلَالَهُمْ ] ، ( وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ مُنْقِذٌ وَلَا مُجِيرٌ ، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ; لِأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith