تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( 30 ) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : فَسَدِّدْ وَجْهَكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكَ ، مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، الَّذِي هَدَاكَ اللَّهُ لَهَا ، وَكَمَّلَهَا لَكَ غَايَةَ الْكَمَالِ ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَازِمْ فِطْرَتَكَ السَّلِيمَةَ ، الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى [ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) [ الْأَعْرَافِ : 172 ] ، وَفِي الْحَدِيثِ : " إِنِّي خَلَقْتُ 314 عِبَادِي حُنَفَاءَ ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ " . وَسَنَذْكُرُ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى ] الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَى بَعْضِهِمُ الْأَدْيَانُ الْفَاسِدَةُ كَالْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْمَجُوسِيَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ لَا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ ، فَتُغَيِّرُوا النَّاسَ عَنْ فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا . فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى الطَّلَبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ خَبَرٌ عَلَى بَابِهِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ تَعَالَى سَاوَى بَيْنَ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ فِي الْفِطْرَةِ عَلَى الْجِبِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، لَا يُولَدُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أَيْ : لِدِينِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَوْلُهُ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) : لِدِينِ اللَّهِ ، خَلْقُ الْأَوَّلِينَ : [ دِينُ الْأَوَّلِينَ ] ، وَالدِّينُ وَالْفِطْرَةُ : الْإِسْلَامُ .
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تَنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ " ؟ ثُمَّ يَقُولُ : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَأَخْرَجَاهُ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَمِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ التَّمِيمِيُّ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأُسُودِ بْنِ سَرِيعٍ [ التَّمِيمِيِّ ] قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَزَوْتُ مَعَهُ ، فَأَصَبْتُ ظَهْرًا ، فَقُتِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ، حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ جَاوَزَهُمُ الْقَتْلُ الْيَوْمَ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ ؟ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَا هُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : " أَلَا إِنَّمَا خِيَارُكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ " . ثُمَّ قَالَ : " لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً ، لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً " . وَقَالَ : " كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا ، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا " .
315 وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، بِهِ .
وَمِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرِ بِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " .
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ - أَنْبَأَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَأَنَا أَقُولُ : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ . حَتَّى حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . قَالَ : فَلَقِيَتُ الرَّجُلَ فَأَخْبَرَنِي . فَأَمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي .
وَمِنْهُمْ عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : " إِنَّ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا ، كُلُّ مَالٍ نَحَلَتُهُ عِبَادِي حَلَالٌ ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ . 316 ثُمَّ إِنِ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدْعُوهُ خُبْزَةً . قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ . وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثُ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ " . قَالَ : " وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ عَفِيفٌ فَقِيرٌ مُتَصَدِّقٌ . وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ : الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا ، لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا ، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ . وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ " وَذَكَرَ الْبَخِيلَ ، أَوِ الْكَذَّابَ ، وَالشَّنْظِيرُ : الْفَحَّاشُ .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ ، فَرَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أَيِ : التَّمَسُّكُ بِالشَّرِيعَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ هُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ الْمُسْتَقِيمُ ، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، فَهُمْ عَنْهُ نَاكِبُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [ يُوسُفَ : 103 ] ، ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 116 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : أَيْ رَاجِعِينَ إِلَيْهِ ، ( وَاتَّقُوهُ ) أَيْ : خَافُوهُ وَرَاقَبُوهُ ، ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) وَهِيَ الطَّاعَةُ الْعَظِيمَةُ ، ( وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أَيْ : بَلْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ لَهُ الْعِبَادَةَ ، لَا يُرِيدُونَ بِهَا سِوَاهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : [ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ] ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : مَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَ : مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؟ قَالَ مُعَاذٌ : ثَلَاثٌ ، وَهُنَّ [ مِنَ ] الْمُنْجِيَاتِ : الْإِخْلَاصُ ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ ، فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَالصَّلَاةُ وَهِيَ الْمِلَّةُ ، وَالطَّاعَةُ وَهِيَ الْعِصْمَةُ . فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ لِمُعَاذٍ : مَا قِوَامُ هَذَا الْأَمْرِ ؟ فَذَكَرَهُ نَحْوَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) أَيْ : لَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أَيْ : بَدَّلُوهُ وَغَيَّرُوهُ وَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " أَيْ : تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ ، مِمَّا عَدَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 159 ] ، فَأَهْلُ الْأَدْيَانِ قَبْلَنَا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى آرَاءٍ وَمِلَلٍ بَاطِلَةٍ ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهُمْ تَزْعُمُ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ، 317 وَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى نَحِلٍ كُلُّهَا ضَلَالَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، الْمُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ ، كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : " مَا أَنَا عَلَيْهِ [ الْيَوْمَ ] وَأَصْحَابِي " .
يَقُولُ تَعَالَى : فَسَدِّدْ وَجْهَكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكَ ، مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، الَّذِي هَدَاكَ اللَّهُ لَهَا ، وَكَمَّلَهَا لَكَ غَايَةَ الْكَمَالِ ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَازِمْ فِطْرَتَكَ السَّلِيمَةَ ، الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى [ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) [ الْأَعْرَافِ : 172 ] ، وَفِي الْحَدِيثِ : " إِنِّي خَلَقْتُ 314 عِبَادِي حُنَفَاءَ ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ " . وَسَنَذْكُرُ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى ] الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَى بَعْضِهِمُ الْأَدْيَانُ الْفَاسِدَةُ كَالْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْمَجُوسِيَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ لَا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ ، فَتُغَيِّرُوا النَّاسَ عَنْ فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا . فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى الطَّلَبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ خَبَرٌ عَلَى بَابِهِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ تَعَالَى سَاوَى بَيْنَ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ فِي الْفِطْرَةِ عَلَى الْجِبِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، لَا يُولَدُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أَيْ : لِدِينِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَوْلُهُ : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) : لِدِينِ اللَّهِ ، خَلْقُ الْأَوَّلِينَ : [ دِينُ الْأَوَّلِينَ ] ، وَالدِّينُ وَالْفِطْرَةُ : الْإِسْلَامُ .
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تَنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ " ؟ ثُمَّ يَقُولُ : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَأَخْرَجَاهُ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَمِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ التَّمِيمِيُّ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأُسُودِ بْنِ سَرِيعٍ [ التَّمِيمِيِّ ] قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَزَوْتُ مَعَهُ ، فَأَصَبْتُ ظَهْرًا ، فَقُتِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ، حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ جَاوَزَهُمُ الْقَتْلُ الْيَوْمَ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ ؟ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَا هُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : " أَلَا إِنَّمَا خِيَارُكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ " . ثُمَّ قَالَ : " لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً ، لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً " . وَقَالَ : " كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا ، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا " .
315 وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، بِهِ .
وَمِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرِ بِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " .
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ - أَنْبَأَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَأَنَا أَقُولُ : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ . حَتَّى حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . قَالَ : فَلَقِيَتُ الرَّجُلَ فَأَخْبَرَنِي . فَأَمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي .
وَمِنْهُمْ عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : " إِنَّ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا ، كُلُّ مَالٍ نَحَلَتُهُ عِبَادِي حَلَالٌ ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ . 316 ثُمَّ إِنِ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدْعُوهُ خُبْزَةً . قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ . وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثُ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ " . قَالَ : " وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ عَفِيفٌ فَقِيرٌ مُتَصَدِّقٌ . وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ : الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا ، لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا ، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ . وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ " وَذَكَرَ الْبَخِيلَ ، أَوِ الْكَذَّابَ ، وَالشَّنْظِيرُ : الْفَحَّاشُ .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ ، فَرَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أَيِ : التَّمَسُّكُ بِالشَّرِيعَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ هُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ الْمُسْتَقِيمُ ، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، فَهُمْ عَنْهُ نَاكِبُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [ يُوسُفَ : 103 ] ، ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 116 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : أَيْ رَاجِعِينَ إِلَيْهِ ، ( وَاتَّقُوهُ ) أَيْ : خَافُوهُ وَرَاقَبُوهُ ، ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) وَهِيَ الطَّاعَةُ الْعَظِيمَةُ ، ( وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أَيْ : بَلْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ لَهُ الْعِبَادَةَ ، لَا يُرِيدُونَ بِهَا سِوَاهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : [ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ] ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : مَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَ : مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؟ قَالَ مُعَاذٌ : ثَلَاثٌ ، وَهُنَّ [ مِنَ ] الْمُنْجِيَاتِ : الْإِخْلَاصُ ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ ، فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَالصَّلَاةُ وَهِيَ الْمِلَّةُ ، وَالطَّاعَةُ وَهِيَ الْعِصْمَةُ . فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ لِمُعَاذٍ : مَا قِوَامُ هَذَا الْأَمْرِ ؟ فَذَكَرَهُ نَحْوَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) أَيْ : لَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أَيْ : بَدَّلُوهُ وَغَيَّرُوهُ وَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " أَيْ : تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ ، مِمَّا عَدَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 159 ] ، فَأَهْلُ الْأَدْيَانِ قَبْلَنَا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى آرَاءٍ وَمِلَلٍ بَاطِلَةٍ ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهُمْ تَزْعُمُ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ، 317 وَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى نَحِلٍ كُلُّهَا ضَلَالَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، الْمُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ ، كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : " مَا أَنَا عَلَيْهِ [ الْيَوْمَ ] وَأَصْحَابِي " .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith