تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1555 · printed p. 572
( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ( 29 ) ) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّهُمْ وَطِئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى خَرَجَ قُصْبُهُ مِنْ دُبُرِهِ وَقَالَ اللَّهُ لَهُ : ( ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) ، فَدَخَلَهَا فَهُوَ يُرْزَقُ مِنْهَا ، قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ سُقْمَ الدُّنْيَا وَحُزْنَهَا وَنَصَبَهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قِيلَ لِحَبِيبٍ النَّجَّارِ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ فَوَجَبَتْ لَهُ ، فَلَمَّا رَأَى الثَّوَابَ ( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ) .
قَالَ قَتَادَةُ : لَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَ إِلَّا نَاصِحًا ، لَا تَلْقَاهُ غَاشًّا ; لَمَّا عَايَنَ [ مَا عَايَنَ ] مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ 572 ( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) . تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ مَا عَايَنَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ [ لَهُ ] ، وَمَا هَجَمَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَصَحَ قَوْمَهُ فِي حَيَاتِهِ بِقَوْلِهِ : ( يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) [ يس : 20 ] ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي قَوْلِهِ : ( يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ : ( بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) بِإِيمَانِي بِرَبِّي وَتَصْدِيقِي الْمُرْسَلِينَ .
وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُمْ لَوِ اطَّلَعُوا عَلَى مَا حَصَلَ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ ، فَلَقَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى هِدَايَةِ قَوْمِهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ - وَهُوَ مُحَمَّدٌ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ - يَعْنِي : ابْنَ عُمَيْرٍ - قَالَ : ۝ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْعَثْنِي إِلَى قَوْمِي أَدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ " . فَقَالَ : لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْطَلِقْ " . فَانْطَلَقَ فَمَرَّ عَلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى ، فَقَالَ : لَأُصَبِّحَنَّكِ غَدًا بِمَا يَسُوءُكِ . فَغَضِبَتْ ثَقِيفٌ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ ، إِنَّ اللَّاتَ لَا لَاتَ ، وَإِنَّ الْعُزَّى لَا عُزَّى ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . يَا مَعْشَرَ الْأَحْلَافِ ، إِنَّ الْعُزَّى لَا عُزَّى ، وَإِنَّ اللَّاتَ لَا لَاتَ ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَتَلَهُ ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هَذَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس ، ( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ )
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ : أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ - الَّذِي كَانَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قَطَّعَهُ بِالْيَمَامَةِ ، حِينَ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . ثُمَّ يَقُولُ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَسْمَعُ . فَيَقُولُ لَهُ مُسَيْلِمَةُ : أَتَسْمَعُ هَذَا وَلَا تَسْمَعُ ذَاكَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا ، كُلَّمَا سَأَلَهُ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي يَدَيْهِ . فَقَالَ كَعْبٌ حِينَ قِيلَ لَهُ : اسْمُهُ حَبِيبٌ ، وَكَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُ يس اسْمَهُ حَبِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ) : يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ انْتَقَمَ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ قَتْلِهِمْ إِيَّاهُ ، غَضَبًا مِنْهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ ، وَقَتَلُوا وَلَيَّهُ . وَيَذْكُرُ تَعَالَى : أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا احْتَاجَ فِي إِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى إِنْزَالِ جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ ، بَلِ الْأَمْرُ كَانَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ) أَيْ : مَا كَاثَرْنَاهُمْ بِالْجُمُوعِ الْأَمْرُ 573 كَانَ أَيْسَرَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ ، ( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) قَالَ : فَأَهْلَكَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَلِكَ ، وَأَهْلَكَ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ ، فَبَادُوا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ .
وَقِيلَ : ( وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ) أَيْ : وَمَا كُنَّا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأُمَمِ إِذَا أَهْلَكْنَاهُمْ ، بَلْ نَبْعَثُ عَلَيْهِمْ عَذَابًا يُدَمِّرُهُمْ .
وَقِيلَ : الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ) أَيْ : مِنْ رِسَالَةٍ أُخْرَى إِلَيْهِمْ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ . قَالَ قَتَادَةُ : فَلَا وَاللَّهِ مَا عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ ، ( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تُسَمَّى جُنْدًا .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ بَابِ بَلَدِهِمْ ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ عَنْ آخِرِهِمْ ، لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ رُوحٌ تَتَرَدَّدُ فِي جَسَدٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ هِيَ أَنْطَاكِيَةُ ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ كَانُوا رُسُلًا مِنْ عِنْدِ الْمَسِيحِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْمُفَسِّرِينَ غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا رُسُلَ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لَا مِنْ جِهَةِ الْمَسِيحِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) إِلَى أَنْ قَالُوا : ( رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) [ يس : 14 - 17 ] . وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لَقَالُوا عِبَارَةً تُنَاسِبُ أَنَّهُمْ مِنْ عِنْدِ الْمَسِيحِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ لَوْ كَانُوا رُسُلَ الْمَسِيحِ لَمَا قَالُوا لَهُمْ : ( مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) [ يس : 15 ] .
الثَّانِي : أَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِرُسُلِ الْمَسِيحِ إِلَيْهِمْ ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ ; وَلِهَذَا كَانَتْ عِنْدَ النَّصَارَى إِحْدَى الْمَدَائِنِ الْأَرْبَعَةِ اللَّاتِي فِيهِنَّ بِتَارِكَةٌ ، وَهُنَّ الْقُدْسُ لِأَنَّهَا بَلَدُ الْمَسِيحِ ، وَأَنْطَاكِيَةُ لِأَنَّهَا أَوَّلُ بَلْدَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ عَنْ آخِرِ أَهْلِهَا ، وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ لِأَنَّ فِيهَا اصْطَلَحُوا عَلَى اتِّخَاذِ الْبَتَارِكَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالْقَسَاوِسَةِ وَالشَّمَامِسَةِ وَالرُّهَابَيْنِ . ثُمَّ رُومِيَّةُ لِأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلَكِ قُسْطَنْطِينَ الَّذِي نَصَرَ دِينَهُمْ وَأَطَّدَهُ . وَلَمَّا ابْتَنَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ نَقَلُوا الْبُتْرَكَ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَيْهَا ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ تَوَارِيخَهُمْ كَسَعِيدِ بْنِ بِطْرِيقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ ، فَأَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ ، وَأَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ أَخْمَدَتْهُمْ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ قِصَّةَ أَنْطَاكِيَةَ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ إِنْزَالِهِ التَّوْرَاةَ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ عَنْ آخِرِهِمْ بِعَذَابٍ يَبْعَثُهُ عَلَيْهِمْ ، بَلْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، ذَكَرُوهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ) [ الْقَصَصِ : 43 ] . فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ 574 الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ [ الْعَظِيمِ ] قَرْيَةٌ أُخْرَى غَيْرُ أَنْطَاكِيَةَ ، كَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَيْضًا . أَوْ تَكُونُ أَنْطَاكِيَةُ إِنْ كَانَ لَفْظُهَا مَحْفُوظًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَدِينَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ ، فَإِنَّ هَذِهِ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا أُهْلِكَتْ لَا فِي الْمِلَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَلَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتُرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ الْأَشْقَرُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " السُّبَّقُ ثَلَاثَةٌ : فَالسَّابِقُ إِلَى مُوسَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، وَالسَّابِقُ إِلَى عِيسَى صَاحِبُ يس ، وَالسَّابِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ ، وَهُوَ شِيعِيٌّ مَتْرُوكٌ ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith