تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1585 · printed p. 27
( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ( 109 ) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : إِنَّهُ بَعْدَ مَا نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَى قَوْمِهِ وَأَيِسَ مِنْ 27 إِيمَانِهِمْ بَعْدَمَا شَاهَدُوا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ ، هَاجَرَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَقَالَ : ( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) يَعْنِي : أَوْلَادًا مُطِيعِينَ عِوَضًا مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ) وَهَذَا الْغُلَامُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَوَّلُ وَلَدٍ بُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، بَلْ فِي نَصِّ كِتَابِهِمْ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً ، وَوُلِدَ إِسْحَاقُ وَعُمُرُ إِبْرَاهِيمَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ وَحِيدَهُ ، وَفِي نُسْخَةٍ : بِكْرَهُ ، فَأَقْحَمُوا هَاهُنَا كَذِبًا وَبُهْتَانًا " إِسْحَاقَ " ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ كِتَابِهِمْ ، وَإِنَّمَا أَقْحَمُوا " إِسْحَاقَ " لِأَنَّهُ أَبُوهُمْ ، وَإِسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ ، فَحَسَدُوهُمْ ، فَزَادُوا ذَلِكَ وَحَرَّفُوا وَحِيدَكَ ، بِمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ عِنْدَكَ غَيْرُهُ ، فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ ذَهَبَ بِهِ وَبِأُمِّهِ إِلَى جَنْبِ مَكَّةَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ وَتَحْرِيفٌ بَاطِلٌ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ : " وَحِيدٌ " إِلَّا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَوَّلَ وَلَدٍ لَهُ مَعَزَّةٌ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ ، فَالْأَمْرُ بِذَبْحِهِ أَبْلَغُ فِي الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ .
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْحَاقُ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، حَتَّى نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ تُلُقِّيَ إِلَّا عَنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأُخِذَ ذَلِكَ مُسَلَّمًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ . وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ شَاهِدٌ وَمُرْشِدٌ إِلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْبِشَارَةَ بِالْغُلَامِ الْحَلِيمِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الذَّبِيحُ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) . وَلَمَّا بَشَّرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ قَالُوا : ( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) [ الْحِجْرِ : 53 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) [ هُودٍ : 71 ] ، أَيْ : يُولَدُ لَهُ فِي حَيَاتِهِمَا وَلَدٌ يُسَمَّى يَعْقُوبُ ، فَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ عَقِبٌ وَنَسْلٌ . وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ [ تَعَالَى ] قَدْ وَعَدَهُمَا بِأَنَّهُ سَيُعْقَبُ ، وَيَكُونُ لَهُ نَسَلٌ ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ بُعْدَ هَذَا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ صَغِيرًا ، وَإِسْمَاعِيلُ وُصِفَ هَاهُنَا بِالْحَلِيمِ ; لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِهَذَا الْمَقَامِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) أَيْ : كَبِرَ وَتَرَعْرَعَ وَصَارَ يَذْهَبُ مَعَ أَبِيهِ وَيَمْشِي مَعَهُ . وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَذْهَبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَتَفَقَّدُ وَلَدَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ بِبِلَادِ " فَارَانَ " وَيَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمَا ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ عَلَى الْبُرَاقِ سَرِيعًا إِلَى هُنَاكَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرِهِمْ : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) يَعْنِي : شَبَّ وَارْتَحَلَ وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ مِنَ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ ، ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى )
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرَنْدِيُّ ، حَدَّثَنَا 28 سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَنَامِ وَحْيٌ " لَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَإِنَّمَا أَعْلَمُ ابْنَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ ، وَلِيَخْتَبِرَ صَبْرَهُ وَجَلَدَهُ وَعَزْمَهُ مِنْ صِغَرِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ أَبِيهِ .
( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) أَيِ : امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ مِنْ ذَبْحِي ، ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) أَيْ : سَأَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَصَدَقَ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، فِيمَا وَعَدَ ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 54 ، 55 ] .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) أَيْ : فَلَمَّا تَشَهَّدَا وَذَكَرَا اللَّهَ تَعَالَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الذَّبْحِ وَالْوَلَدُ عَلَى شَهَادَةِ الْمَوْتِ . وَقِيلَ : ( أَسْلَمَا ) ، [ يَعْنِي ] : اسْتَسْلَمَا وَانْقَادَا ; إِبْرَاهِيمُ امْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ طَاعَةَ اللَّهِ وَأَبِيهِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَمَعْنَى ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) أَيْ : صَرَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ لِيَذْبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ ، وَلَا يُشَاهِدَ وَجْهَهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ ، لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ : ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) : أَكَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ وَيُونُسُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الغَنَوِيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ السَّعْيِ ، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتِ ، وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَتِ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ . فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ : ( أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) ، فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ فَإِذَا بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتْبَعُ ذَلِكَ الضَّرْبَ مِنَ الْكِبَاشِ .
وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي " الْمَنَاسِكِ " بِطُولِهِ . ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِطُولِهِ عَنْ يُونُسَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " إِسْحَاقُ " . فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَسْمِيَةِ الذَّبِيحِ رِوَايَتَانِ ، وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ ، لِمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ .
29
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قَالَ : خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الْجَنَّةِ . قَدْ رَعَى قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، فَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ وَاتَّبَعَ الْكَبْشَ ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْأَوْلَى ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَأَفْلَتَهُ عِنْدَهَا ، فَجَاءَ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى فَأَخْرَجَهُ عِنْدَهَا ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ أَفْلَتَهُ فَأَدْرَكَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَأَخْرَجَهُ عِنْدَهَا . ثُمَّ أَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ مِنْ مِنَى فَذَبَحَهُ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي مِيزَابِ الْكَعْبَةِ قَدْ حَشَّ ، يَعْنِي : يَبِسَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَعْبٌ ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ كَعْبٌ يُحَدِّثُ عَنِ الْكُتُبِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً ، وَإِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي - أَوْ : فِدَاهُ أَبِي وَأُمِّي - أَفَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ؟ إِنَّهُ لَمَّا أُرِيَ ذَبْحَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ قَالَ الشَّيْطَانُ : إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا . فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِهِ لِيَذْبَحَهُ ، فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ عَلَى سَارَةَ ، فَقَالَ : أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ ؟ قَالَتْ : غَدَا بِهِ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ . قَالَ : لَمْ يَغْدُ لِحَاجَةٍ ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ . قَالَتْ : وَلِمَ يَذْبَحُهُ ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَتْ : فَقَدْ أَحْسَنَ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ . فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فِي أَثَرِهِمَا فَقَالَ لِلْغُلَامِ : أَيْنَ يَذْهَبُ بِكَ أَبُوكَ ؟ قَالَ : لِبَعْضِ حَاجَتِهِ . قَالَ : إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِكَ لِحَاجَةٍ ، وَلَكِنَّهُ يَذْهَبُ بِكَ لِيَذْبَحَكَ . قَالَ : وَلِمَ يَذْبَحُنِي ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لَيَفْعَلَنَّ . قَالَ : فَيَئِسَ مِنْهُ فَلَحِقَ بِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : أَيْنَ غَدَوْتَ بِابْنِكَ ؟ قَالَ لِحَاجَةٍ . قَالَ : فَإِنَّكَ لَمْ تَغْدُ بِهِ لِحَاجَةٍ ، وَإِنَّمَا غَدَوْتَ بِهِ لِتَذْبَحَهُ قَالَ : وَلِمَ أَذْبَحُهُ ؟ قَالَ : تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّكَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ . قَالَ : فَتَرَكَهُ وَيَئِسَ أَنْ يُطَاعَ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ . . . فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا . قَالَ إِسْحَاقُ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَدْعُو أَنْ تَسْتَجِيبَ لِي : أَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا ، فَأَدْخِلْهُ 30 الْجَنَّةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيِّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنِ اللَّهَ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَغْفِرَ لِنِصْفِ أُمَّتِي ، وَبَيْنَ أَنْ أَخْتَبِئَ شَفَاعَتِي ، فَاخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِيَ ، وَرَجَوْتُ أَنْ تُكَفِّرَ الْجَمَّ لِأُمَّتِي ، وَلَوْلَا الَّذِي سَبَقَنِي إِلَيْهِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ لَتَعَجَّلْتُ فِيهَا دَعْوَتِي ، إِنِ اللَّهَ لَمَا فَرَّجَ عَنْ إِسْحَاقَ كَرْبَ الذَّبْحِ قِيلَ لَهُ : يَا إِسْحَاقُ ، سَلْ تُعْطَهُ . فَقَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَتَعَجَّلَنَّهَا قَبْلَ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ ، اللَّهُمَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَاغْفِرْ لَهُ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ . وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ مُدْرَجَةٌ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : " إِنِ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا فَرَّجَ عَنْ إِسْحَاقَ " إِلَى آخِرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْأَشْبَهُ أَنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ " إِسْمَاعِيلَ " ، وَإِنَّمَا حَرَّفُوهُ بِإِسْحَاقَ ; حَسَدًا مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِلَّا فَالْمَنَاسِكُ وَالذَّبَائِحُ إِنَّمَا مَحِلُّهَا بِمِنَى مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ ، حَيْثُ كَانَ إِسْمَاعِيلُ لَا إِسْحَاقُ [ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ] ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بِبِلَادِ كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) أَيْ : قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ رُؤْيَاكَ بِإِضْجَاعِكَ وَلَدَكَ لِلذَّبْحِ
وَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ شَيْئًا ، بَلْ حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ صَفِيحَةٌ مِنْ نُحَاسٍ وَنُودِيَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ ذَلِكَ : ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا )
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ : هَكَذَا نَصْرِفُ عَمَّنْ أَطَاعَنَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ ، وَنَجْعَلُ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِ شَيْءٍ قَدْرًا ) [ الطَّلَاقِ : 2 ، 3 ] .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَالْقِصَّةِ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ عَلَى صِحَّةِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ ، خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَالدَّلَالَةُ مِنْ هَذِهِ ظَاهِرَةٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِإِبْرَاهِيمَ ذَبْحَ وَلَدِهِ ، ثُمَّ نَسَخَهُ عَنْهُ وَصَرَفَهُ إِلَى الْفِدَاءِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهِ أَوَّلًا إِثَابَةَ الْخَلِيلِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ وَعَزْمِهِ عَلَى ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ) أَيِ : الِاخْتِبَارُ الْوَاضِحُ الْجَلِيُّ ; حَيْثُ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ ، فَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِ اللَّهِ ، مُنْقَادًا لِطَاعَتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [ النَّجْمِ : 37 ] .
31
وَقَوْلُهُ : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قَالَ : بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَعْيَنَ أَقْرَنَ ، قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ - قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ وَجَدُوهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِيرٍ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَبْشٌ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ الْعَطَّارُ ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الصَّخْرَةُ الَّتِي بِمِنَى بِأَصْلِ ثَبِيرٍ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَبَحَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ فِدَاءَ ابْنِهِ ، هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ كَبْشٌ أَعْيَنُ أَقْرَنُ لَهُ ثُغَاءٌ ، فَذَبَحَهُ ، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ ، فَكَانَ مَخْزُونًا حَتَّى فُدِيَ بِهِ إِسْحَاقُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الْكَبْشُ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَشَقَّقَ عَنْهُ ثَبِيرٌ ، وَكَانَ عَلَيْهِ عِهْنٌ أَحْمَرُ .
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ كَانَ اسْمَ كَبْشِ إِبْرَاهِيمَ : جَرِيرٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ : ذَبَحَهُ بِالْمَقَامِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ذَبَحَهُ بِمِنَى عِنْدَ الْمَنْحَرِ . وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ; أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ أَفْتَى الَّذِي جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ ، فَأَمَرَهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : لَوْ كُنْتُ أَفْتَيْتُهُ بِكَبْشٍ لَأَجْزَأَهُ أَنْ يَذْبَحَ كَبْشًا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قَالَ : وَعْلٌ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيلُ إِلَّا بِتَيْسٍ مِنَ الْأَرْوَى ، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ خَالِهِ مُسَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ : ۝ أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ - وَلَدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا - أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ - وَقَالَ مَرَّةً : إِنَّهَا سَأَلَتْ عُثْمَانَ : لِمَ دَعَاكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : قَالَ : " إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ ، حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ ، فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا ، فَخَمِّرْهُمَا ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ " . قَالَ سُفْيَانُ : لَمْ يَزَلْ قَرْنَا الْكَبْشِ مُعَلَّقَيْنِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى احْتَرَقَ الْبَيْتُ ، فَاحْتَرَقَا .
32
وَهَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّ قُرَيْشًا تَوَارَثُوا قَرْنَيِ الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ السَّلَفِ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ مَنْ هُوَ ؟ :
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : هُوَ إِسْحَاقُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] :
قَالَ حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : قَالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمَلِكِ فِي وَجْهِهِ : تَرْغَبُ أَنْ تَأْكُلَ مَعِي ، وَأَنَا - وَاللَّهِ - يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ ، ابْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ، ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ : إِنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِلْمَلِكِ كَذَلِكَ أَيْضًا .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ ، يَقُولُونَ : يَا إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، فَبِمَ قَالُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَنِي عَلَيْهِ . وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِالذَّبْحِ ، وَهُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَجْوَدُ . وَإِنَّ يَعْقُوبَ كُلَّمَا زِدْتُهُ بَلَاءً زَادَنِي حُسْنَ ظَنٍّ " .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : افْتَخَرَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، ابْنُ الْأَشْيَاخِ الْكِرَامِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ، ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ [ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ] .
وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إِسْحَاقُ . وَعَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلَ ذَلِكَ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَأَبُو مَيْسَرَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ حَاضِرٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو الْهُذَيْلِ ، وَابْنُ سَابِطٍ . وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَتَقَدَّمَ رِوَايَتُهُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ إِسْحَاقُ .
وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ ، بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، أَنَّهُ قَالَ : هُوَ إِسْحَاقُ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كُلُّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ ، فَرُبَّمَا اسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَرَخَّصَ النَّاسُ فِي اسْتِمَاعِ مَا عِنْدَهُ ، وَنَقَلُوا عَنْهُ غَثَّهَا وَسَمِينَهَا ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَاجَةٌ إِلَى حَرْفٍ 33 وَاحِدٍ مِمَّا عِنْدَهُ . وَقَدْ حَكَى الْبَغَوَيُّ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إِسْحَاقُ عَنْ عُمَرَ ، وَعْلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْعَبَّاسِ ، وَمِنَ التَّابِعَيْنِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالسُّدِّيُّ - قَالَ : وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ - لَوْ ثَبَتَ لَقُلْنَا بِهِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ - قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ قَالَ : هُوَ إِسْحَاقُ .
فَفِي إِسْنَادِهِ ضَعِيفَانِ ، وَهَمَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ الْبَصَرِيُّ ، مَتْرُوكٌ . وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، بِهِ مَرْفُوعًا . . ثُمَّ قَالَ : قَدْ رَوَاهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَحْنَفِ ، عَنِ الْعَبَّاسِ قَوْلُهُ ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَصَحُّ .
[ ذِكْرُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ] .
قَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إِسْحَاقُ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، هُوَ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْمُفْدَى إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ .
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : هُوَ إِسْمَاعِيلُ . وَكَذَا قَالَ يُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : هُوَ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدْ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ ، وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنِ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ 34 مِنِ ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلُ . وَإِنَّا لَنَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ مِنِ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) ، يَقُولُ بِابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ وَلَهُ فِيهِ مِنَ [ اللَّهِ ] الْمَوْعِدُ بِمَا وَعَدَهُ ، وَمَا الَّذِي أَمَرَ بِذَبْحِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بِرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ ; أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِذْ كَانَ مَعَهُ بِالشَّامِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ ، وَإِنِّي لَأَرَاهُ كَمَا قُلْتَ . ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ بِالشَّامِ ، كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَكَانَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : وَأَنَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَيُّ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ ؟ فَقَالَ : إِسْمَاعِيلُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ يَهُودَ لَتَعْلَمُ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبَاكُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ ، وَالْفَضْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْهُ لِصَبْرِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَهُمْ يَجْحَدُونَ ذَلِكَ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِسْحَاقُ ، بِكَوْنِ إِسْحَاقَ أَبُوهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا كَانَ ، وَكُلٌّ قَدْ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبًا مُطِيعًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذَّبِيحِ ، مَنْ هُوَ ؟ إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ ؟ فَقَالَ : إِسْمَاعِيلُ . ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : الصَّحِيحُ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلُ .
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبَ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَالْكَلْبِيُّ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُتْبِيِّ - مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - عَنْ أَبِيهِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ : ۝ كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ 35 أَبِي سُفْيَانَ ، فَذَكَرُوا الذَّبِيحَ : إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ ؟ فَقَالَ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عُدْ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا الذَّبِيحَانِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ إِنَّ سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَهَا عَلَيْهِ ، لَيَذْبَحَنَ أَحَدَ وَلَدِهِ ، قَالَ : فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ وَقَالُوا : افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ . فَفَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ ، وَإِسْمَاعِيلُ الثَّانِي .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا . وَقَدْ رَوَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ : حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتْبِيُّ - مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا الصُّنَابِحِيُّ قَالَ : حَضَرْنَا مَجْلِسَ مُعَاوِيَةَ ، فَتَذَاكَرَ الْقَوْمُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وَذَكَرَهُ . كَذَا كَتَبْتُهُ مِنْ نُسْخَةٍ مَغْلُوطَةٍ .
وَإِنَّمَا عَوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ) ، فَجَعَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ هِيَ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ : ( وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) [ الذَّارِيَاتِ : 28 ] . وَأَجَابَ عَنِ الْبِشَارَةِ بِيَعْقُوبَ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ، أَيِ الْعَمَلَ . وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ مَعَ يَعْقُوبَ أَيْضًا . قَالَ : وَأَمَّا الْقَرْنَانِ اللَّذَانِ كَانَا مُعَلَّقَيْنِ بِالْكَعْبَةِ فَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُمَا نُقِلَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ . قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ ذَبَحَ إِسْحَاقَ هُنَاكَ . هَذَا مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَلَيْسَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِمَذْهَبٍ وَلَا لَازِمٍ ، بَلْ هُوَ بَعِيدٌ جِدًّا ، وَالَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ وَأَقْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) ، لَمَّا تَقَدَّمَتِ الْبِشَارَةُ بِالذَّبِيحِ - وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ - عَطَفَ بِذِكْرِ الْبِشَارَةِ بِأَخِيهِ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي سُورَتَيْ هُودٍ " وَ " الْحِجْرِ " .
وَقَوْلُهُ : ( نَبِيًّا ) حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ، أَيْ : سَيَصِيرُ مِنْهُ نَبِيٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قَالَ : بَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 53 ] قَالَ : كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى ، وَلَكِنْ أَرَادَ : وَهَبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ .
وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ يُحَدِّثُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قَالَ : إِنَّمَا بَشَّرَ بِهِ نَبِيًّا حِينَ فَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الذَّبْحِ ، وَلَمْ تَكُنِ الْبِشَارَةُ بِالنُّبُوَّةِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، 36 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قَالَ : بُشِّرَ بِهِ حِينَ وُلِدَ ، وَحِينَ نُبِّئَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قَالَ : بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ، لَمَّا جَادَ لِلَّهِ بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ اللَّهُ : ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ )
وَقَوْلُهُ : ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ هُودٍ : 48 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith