تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1643 · printed p. 137
( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) )
137
يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ . لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ) [ النَّجْمِ : 57 ، 58 ] وَقَالَ ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) [ الْقَمَرِ : 1 ] ، وَقَالَ ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 1 ] وَقَالَ ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) [ النَّحْلِ : 1 ] وَقَالَ ( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ) [ الْمُلْكِ : 27 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) [ أَيْ سَاكِتِينَ ] ، قَالَ قَتَادَةُ : وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَمَعْنَى ) كَاظِمِينَ ) أَيْ : سَاكِتِينَ ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [ النَّبَأِ : 38 ] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ( كَاظِمِينَ ) أَيْ : بَاكِينَ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) أَيْ : لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا ; لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، وَيَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً ، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) وَهُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [ بَصَرَهُ عَنْهَا ] وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدَّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ) هُوَ الْغَمْزُ ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ : رَأَيْتُ ، وَلَمْ يَرَ ; أَوْ : لَمْ أَرَ ، وَقَدْ رَأَى .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْلَمُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا ، هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا ؟ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا ؟ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) أَيْ : مِنَ الْوَسْوَسَةِ .
138
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) أَيْ : يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] فِي قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) [ النَّجْمِ : 31 ] . وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) أَيْ : مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ ، ( لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) أَيْ : لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أَيْ : سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ خَلْقِهِ ، بَصِيرٌ بِهِمْ ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith