تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1821 · printed p. 26
26 ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَدَرِهِ السَّابِقِ فِي خَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ الْبَرِيَّةَ فَقَالَ : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : فِي الْآفَاقِ وَفِي نُفُوسِكُمْ ( إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) أَيْ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَ الْخَلِيقَةَ وَنَبْرَأَ النَّسَمَةَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) عَائِدٌ عَلَى النُّفُوسِ . وَقِيلَ : عَائِدٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ . وَالْأَحْسَنُ عَوْدُهُ عَلَى الْخَلِيقَةِ وَالْبَرِيَّةِ ; لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ الْحَسَنِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : سَلْهُ عَنْ قَوْلِهِ : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَمَنْ يَشُكُّ فِي هَذَا ؟ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَفِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْرَأَ النَّسَمَةَ
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ) قَالَ : هِيَ السُّنُونَ . يَعْنِي : الْجَدْبَ ، ( وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ) يَقُولُ : الْأَوْجَاعُ وَالْأَمْرَاضُ . قَالَ : وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُصِيبُهُ خَدْشُ عُودٍ وَلَا نَكْبَةُ قَدَمٍ ، وَلَا خَلَجَانُ عَرَقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ نُفَاةِ الْعِلْمِ السَّابِقِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " ۝ قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، وَنَافِعِ بْنِ يَزِيدَ ، وَثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي هَانِئٍ بِهِ . وَزَادَ بْنُ وَهْبٍ : " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) أَيْ : أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا ، وَكِتَابَتَهُ لَهَا طِبْقَ مَا يُوجَدُ فِي حِينِهَا سَهْلٌ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ .
27
وَقَوْلُهُ : ( لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) أَيْ : أَعْلَمْنَاكُمْ بِتَقَدُّمِ عِلْمِنَا وَسَبْقِ كِتَابَتِنَا لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا ، وَتَقْدِيرِنَا الْكَائِنَاتِ قَبْلَ وُجُودِهَا ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَصَابَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكُمْ ، وَمَا أَخْطَأَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكُمْ ، فَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ لَكَانَ ( وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) أَيْ : جَاءَكُمْ ، وَيَقْرَأُ : " آتَاكُمْ " أَيْ : أَعْطَاكُمْ . وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمَانِ ، أَيْ : لَا تَفْخَرُوا عَلَى النَّاسِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَعْيِكُمْ وَلَا كَدِّكُمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ لَكُمْ ، فَلَا تَتَّخِذُوا نِعَمَ اللَّهِ أَشَرًا وَبَطَرًا ، تَفْخَرُونَ بِهَا عَلَى النَّاسِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) أَيْ : مُخْتَالٍ فِي نَفْسِهِ مُتَكَبِّرٍ فَخُورٍ ، أَيْ : عَلَى غَيْرِهِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَفْرَحُ وَيَحْزَنُ ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا الْفَرَحَ شُكْرًا وَالْحُزْنَ صَبْرًا .
ثُمَّ قَالَ : ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) أَيْ : يَفْعَلُونَ الْمُنْكَرَ وَيَحُضُّونَ النَّاسَ عَلَيْهِ ، ( وَمَنْ يَتَوَلَّ ) أَيْ : عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 8 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith