تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) أَيْ : بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ ، ( وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ) وَهُوَ : النَّقْلُ الْمُصَدِّقُ ) وَالْمِيزَانَ ) وَهُوَ : الْعَدْلُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا . وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلْآرَاءِ السَّقِيمَةِ ، كَمَا قَالَ : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) [ هُودٍ : 17 ] ، وَقَالَ : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الرُّومِ : 30 ] ، وَقَالَ : ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) [ الرَّحْمَنِ : 7 ] ; وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) أَيْ : بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَهُوَ : اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ ، وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ ، فَإِنَّ الَّذِي جَاءُوا بِهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ ، كَمَا قَالَ : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) [ الْأَنْعَامِ : 115 ] أَيْ : صِدْقًا فِي الْإِخْبَارِ ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي . وَلِهَذَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ إِذَا تَبَوَّءُوا غُرَفَ الْجَنَّاتِ ، وَالْمَنَازِلَ الْعَالِيَاتِ ، وَالسُّرُرَ الْمَصْفُوفَاتِ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) [ الْأَعْرَافِ : 43 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) أَيْ : وَجَعَلْنَا الْحَدِيدَ رَادِعًا لِمَنْ أَبَى الْحَقَّ وَعَانَدَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً تُوحَى إِلَيْهِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ ، وَكُلُّهَا جِدَالٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَبَيَانٌ وَإِيضَاحٌ لِلتَّوْحِيدِ ، وَتِبْيَانٌ وَدَلَائِلُ ، فَلَمَّا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ 28 خَالَفَ ، شَرَعَ اللَّهُ الْهِجْرَةَ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِتَالِ بِالسُّيُوفِ ، وَضَرْبِ الرِّقَابِ وَالْهَامِ لِمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَكَذَّبَ بِهِ وَعَانَدَهُ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي الْمُنِيبِ الْجُرَشِيِّ الشَّامِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ "
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يَعْنِي : السِّلَاحَ كَالسُّيُوفِ ، وَالْحِرَابِ ، وَالسِّنَانِ ، وَالنِّصَالَ ، وَالدُّرُوعِ ، وَنَحْوِهَا . ( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي مَعَايِشِهِمْ كَالسِّكَّةِ ، وَالْفَأْسِ ، وَالْقَدُومِ ، وَالْمِنْشَارِ ، وَالْإِزْمِيلِ ، وَالْمِجْرَفَةِ ، وَالْآلَاتِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِرَاثَةِ ، وَالْحِيَاكَةِ ، وَالطَّبْخِ ، وَالْخَبْزِ ، وَمَا لَا قِوَامَ لِلنَّاسِ بِدُونِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
قَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مَعَ آدَمَ : السَّنْدَانُ ، وَالْكَلْبَتَانِ ، وَالْمِيقَعَةُ ، يَعْنِي الْمِطْرَقَةَ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) أَيْ : مَنْ نِيَّتُهُ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ نُصْرَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) أَيْ : هُوَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ، يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ مِنْهُ إِلَى النَّاسِ ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الْجِهَادَ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .
يَقُولُ تَعَالَى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) أَيْ : بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ ، ( وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ) وَهُوَ : النَّقْلُ الْمُصَدِّقُ ) وَالْمِيزَانَ ) وَهُوَ : الْعَدْلُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا . وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلْآرَاءِ السَّقِيمَةِ ، كَمَا قَالَ : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) [ هُودٍ : 17 ] ، وَقَالَ : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الرُّومِ : 30 ] ، وَقَالَ : ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) [ الرَّحْمَنِ : 7 ] ; وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) أَيْ : بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَهُوَ : اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ ، وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ ، فَإِنَّ الَّذِي جَاءُوا بِهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ ، كَمَا قَالَ : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) [ الْأَنْعَامِ : 115 ] أَيْ : صِدْقًا فِي الْإِخْبَارِ ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي . وَلِهَذَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ إِذَا تَبَوَّءُوا غُرَفَ الْجَنَّاتِ ، وَالْمَنَازِلَ الْعَالِيَاتِ ، وَالسُّرُرَ الْمَصْفُوفَاتِ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) [ الْأَعْرَافِ : 43 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) أَيْ : وَجَعَلْنَا الْحَدِيدَ رَادِعًا لِمَنْ أَبَى الْحَقَّ وَعَانَدَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً تُوحَى إِلَيْهِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ ، وَكُلُّهَا جِدَالٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَبَيَانٌ وَإِيضَاحٌ لِلتَّوْحِيدِ ، وَتِبْيَانٌ وَدَلَائِلُ ، فَلَمَّا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ 28 خَالَفَ ، شَرَعَ اللَّهُ الْهِجْرَةَ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِتَالِ بِالسُّيُوفِ ، وَضَرْبِ الرِّقَابِ وَالْهَامِ لِمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَكَذَّبَ بِهِ وَعَانَدَهُ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي الْمُنِيبِ الْجُرَشِيِّ الشَّامِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ "
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يَعْنِي : السِّلَاحَ كَالسُّيُوفِ ، وَالْحِرَابِ ، وَالسِّنَانِ ، وَالنِّصَالَ ، وَالدُّرُوعِ ، وَنَحْوِهَا . ( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي مَعَايِشِهِمْ كَالسِّكَّةِ ، وَالْفَأْسِ ، وَالْقَدُومِ ، وَالْمِنْشَارِ ، وَالْإِزْمِيلِ ، وَالْمِجْرَفَةِ ، وَالْآلَاتِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِرَاثَةِ ، وَالْحِيَاكَةِ ، وَالطَّبْخِ ، وَالْخَبْزِ ، وَمَا لَا قِوَامَ لِلنَّاسِ بِدُونِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
قَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مَعَ آدَمَ : السَّنْدَانُ ، وَالْكَلْبَتَانِ ، وَالْمِيقَعَةُ ، يَعْنِي الْمِطْرَقَةَ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) أَيْ : مَنْ نِيَّتُهُ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ نُصْرَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) أَيْ : هُوَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ، يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ مِنْهُ إِلَى النَّاسِ ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الْجِهَادَ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith