تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1827 · printed p. 42
( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 5 ) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 6 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 7 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَانَدُوا شَرْعَهُ ( كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أَيْ : أُهِينُوا وَلُعِنُوا وَأُخْزُوا ، كَمَا فُعِلَ بِمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ ( وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) أَيْ : وَاضِحَاتٍ لَا يُخَالِفُهَا وَلَا يُعَانِدُهَا إِلَّا كَافِرٌ فَاجِرٌ مُكَابِرٌ ، ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ) أَيْ : فِي مُقَابَلَةِ مَا اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ شَرْعِ اللَّهِ ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ ، وَالْخُضُوعِ لَدَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، ( فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ) أَيْ : يُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي صَنَعُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ( أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ) أَيْ : ضَبَطَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ عَلَيْهِمْ ، وَهُمْ قَدْ نَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، ( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أَيْ : لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَخْفَى وَلَا يَنْسَى شَيْئًا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِخَلْقِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ ، وَسَمَاعِهِ كَلَامَهُمْ ، وَرُؤْيَتِهِ مَكَانَهُمْ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا ، فَقَالَ : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ) 42 أَيْ : مِنْ سِرِّ ثَلَاثَةٍ ( إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) أَيْ : يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَسِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ، وَرُسُلُهُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ تَكْتُبُ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ ، مَعَ عِلْمِ اللَّهِ وَسَمْعِهِ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) [ التَّوْبَةِ : 78 ] وَقَالَ ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 80 ] ; وَلِهَذَا حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعِيَّةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا شَكَّ فِي إِرَادَةِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ سَمْعَهُ أَيْضًا مَعَ عِلْمِهِ مُحِيطٌ بِهِمْ ، وَبَصَرَهُ نَافِذٌ فِيهِمْ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُطَّلِعٌ عَلَى خَلْقِهِ ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ .
ثُمَّ قَالَ : ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : افْتَتَحَ الْآيَةَ بِالْعِلْمِ ، وَاخْتَتَمَهَا بِالْعِلْمِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith