تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 2 ) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 3 ) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 4 ) )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَعْقُوبُ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ ، عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ : فِيَّ - وَاللَّهِ - وَفِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ " الْمُجَادَلَةِ " قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ ، قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ ، فَغَضِبَ فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . قَالَتْ : ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي . قَالَتْ : قُلْتُ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ ، لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ . قَالَتْ : فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي ، قَالَتْ : ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي ، فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابًا ، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ ، وَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ مَا 36 أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ . قَالَتْ : فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " يَا خُوَيْلَةُ ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ " . قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ ، فَتَغَشَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَقَالَ لِي : " يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ " . ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) قَالَتْ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً " . قَالَتْ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ . قَالَ : " فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ . قَالَ : " فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا ذَاكَ عِنْدَهُ . قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنَا سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ ، قَالَ : " فَقَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا " . قَالَتْ : فَفَعَلْتُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِهِ . وَعِنْدَهُ : خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، وَيُقَالُ فِيهَا : خَوْلَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . وَقَدْ تُصَغَّرُ فَيُقَالُ : خُوَيْلَةُ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، فَالْأَمْرُ فِيهَا قَرِيبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبَ النُّزُولِ ، وَلَكِنْ أَمْرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْعِتْقِ ، أَوِ الصِّيَامِ ، أَوِ الْإِطْعَامِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : كُنْتُ امْرَأً قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَهَّرْتُ مِنَ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ ، فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ فِي لَيْلَتِي شَيْئًا فَأُتَابِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ ، وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدِمُنِي مِنَ اللَّيْلِ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي وَقُلْتُ : انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِي . فَقَالُوا : لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ ; نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا - أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتِ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ . قَالَ : فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي . فَقَالَ لِي : " أَنْتَ بِذَاكَ " . فَقُلْتُ : أَنَا بِذَاكَ . فَقَالَ : " أَنْتَ بِذَاكَ " . فَقُلْتُ : أَنَا بِذَاكَ . قَالَ : " أَنْتَ بِذَاكَ " . قُلْتُ : نَعَمْ ، هَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنِّي صَابِرٌ لَهُ . قَالَ : " أَعْتِقْ رَقَبَةً " . قَالَ : فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي بِيَدِي وَقُلْتُ : لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا . قَالَ : " فَصُمْ شَهْرَيْنِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَّا فِي الصِّيَامِ ؟ قَالَ : " فَتَصَدَّقْ " . فَقُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، 37 لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ . قَالَ : " اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ ، فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ " . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي فَقُلْتُ : وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ ، قَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ ، فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ . فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاخْتَصَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
وَظَاهِرُ السِّيَاقِ : أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَزَوْجَتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ تِلْكَ وَهَذِهِ بَعْدَ التَّأَمُّلِ .
قَالَ خُصَيْفٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَامْرَأَتُهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ ، فَلَمَّا ظَاهَرَ مِنْهَا خَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَلَاقًا ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَوْسًا ظَاهَرَ مِنِّي ، وَإِنَّا إِنِ افْتَرَقْنَا هَلَكْنَا ، وَقَدْ نَثَرْتُ بَطْنِي مِنْهُ ، وَقَدُمَتْ صُحْبَتُهُ . وَهِيَ تَشْكُو ذَلِكَ وَتَبْكِي ، وَلَمْ يَكُنْ جَاءَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَتَقْدِرُ عَلَى رَقَبَةٍ تُعْتِقُهَا ؟ " . قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : فَجَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَعْتَقَ عَنْهُ ، ثُمَّ رَاجَعَ أَهْلَهُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ
وَلِهَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ) أَصْلُ الظِّهَارِ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا إِذَا تَظَاهَرَ أَحَدٌ مِنِ امْرَأَتِهِ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، ثُمَّ فِي الشَّرْعِ كَانَ الظِّهَارُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ قِيَاسًا عَلَى الظَّهْرِ ، وَكَانَ الظِّهَارُ عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا ، فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ فِيهِ كَفَّارَةً ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ طَلَاقًا كَمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ . هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْسًا ، وَكَانَ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا : " خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ . فَظَاهَرَ مِنْهَا ، فَأُسْقِطَ فِي يَدَيْهِ ، وَقَالَ : مَا أَرَاكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيَّ . وَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَانْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ مَاشِطَةً تُمَشِّطُ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : " يَا خُوَيْلَةُ ، مَا أُمِرْنَا فِي أَمْرِكِ بِشَيْءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " يَا خُوَيْلَةُ ، أَبْشِرِي " قَالَتْ : خَيْرًا . قَالَ فَقَرَأَ عَلَيْهَا : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) 38 قَالَتْ : وَأَيُّ رَقَبَةٍ لَنَا ؟ وَاللَّهِ مَا يَجِدُ رَقَبَةً غَيْرِي . قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) قَالَتْ : وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ يَشْرَبُ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَذَهَبَ بَصَرُهُ ! قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) قَالَتْ : مِنْ أَيْنَ ؟ مَا هِيَ إِلَّا أَكْلَةٌ إِلَى مِثْلِهَا ! قَالَ : فَدَعَا بِشَطْرِ وَسْقٍ - ثَلَاثِينَ صَاعًا ، وَالْوَسْقُ : سِتُّونَ صَاعًا - فَقَالَ : " لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَلْيُرَاجِعْكِ " وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَسِيَاقٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ نَحْوُ هَذَا ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْجٍ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ فَقِيرًا سَيِّئَ الْخُلُقِ ، وَكَانَ طَلَاقُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " . وَكَانَ لَهَا مِنْهُ عَيِّلٌ أَوْ عَيِّلَانِ ، فَنَازَعَتْهُ يَوْمًا فِي شَيْءٍ فَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " . فَاحْتَمَلَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَعَائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَمَعَهَا عَيِّلُهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ زَوْجِي ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ لَا شَيْءَ لَهُ ، سَيِّئُ الْخُلُقِ ، وَإِنِّي نَازَعْتُهُ فِي شَيْءٍ فَغَضِبَ ، فَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَلِي مِنْهُ عَيِّلٌ أَوْ عَيِّلَانِ ، فَقَالَ : " مَا أَعْلَمُكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ " ، فَقَالَتْ : أَشْكُو إِلَى اللَّهِ مَا نَزَلَ بِي وَأَبَا صَبِيِّي . قَالَ : وَدَارَتْ عَائِشَةُ فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْآخَرَ ، فَدَارَتْ مَعَهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوْجِي ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ ، وَإِنَّ لِي مِنْهُ عَيِّلًا أَوْ عَيِّلَيْنِ ، وَإِنِّي نَازَعْتُهُ فِي شَيْءٍ فَغَضِبَ ، وَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ! قَالَتْ : فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأَسَهُ وَقَالَ : " مَا أَعْلَمُكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ " . فَقَالَتْ : أَشْكُو إِلَى اللَّهِ مَا نَزَلَ بِي وَأَبَا صَبِيِّي ؟ قَالَ : وَرَأَتْ عَائِشَةُ وَجْهَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَغَيَّرَ ، فَقَالَتْ لَهَا : " وَرَاءَكِ وَرَاءَكِ ؟ " فَتَنَحَّتْ ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَشَيَانِهِ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ قَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، أَيْنَ الْمَرْأَةُ " فَدَعَتْهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اذْهَبِي فَأْتِنِي بِزَوْجِكِ " . فَانْطَلَقَتْ تَسْعَى فَجَاءَتْ بِهِ . فَإِذَا هُوَ - كَمَا قَالَتْ - ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسَّهَا ؟ " . قَالَ : لَا . قَالَ : " أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ " . قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنِّي إِذَا لَمْ آكُلِ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ يَكَادُ أَنْ يَعْشُوَ بَصَرِي . قَالَ : " أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ " . قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تُعِينَنِي . قَالَ : فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا " . قَالَ : 39 وَحَوَّلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ، فَجَعَلَهُ ظِهَارًا .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، بِأَخْصَرَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ مِنْ طَلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَوَقَّتَ اللَّهُ الْإِيلَاءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَجَعَلَ فِي الظِّهَارِ الْكَفَّارَةَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِنَحْوِهِ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : ( مِنْكُمْ ) فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( مِنْ نِسَائِهِمْ ) عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَا ظِهَارَ مِنْهَا ، وَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْخِطَابِ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ) أَيْ : لَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِقَوْلِ الرَّجُلِ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي " ، أَوْ " مِثْلُ أُمِّي " ، أَوْ " كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لَا تَصِيرُ أُمَّهُ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا أُمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ) أَيْ : كَلَامًا فَاحِشًا بَاطِلًا ( وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) أَيْ : عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَهَكَذَا أَيْضًا عَمَّا خَرَجَ مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتِي . فَقَالَ : أُخْتُكَ هِيَ ؟ " ، فَهَذَا إِنْكَارٌ وَلَكِنْ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ ، وَلَوْ قَصَدَهُ لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عَلَى الصَّحِيحِ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ مِنْ أُخْتٍ ، وَعَمَّةٍ ، وَخَالَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : الْعَوْدُ هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى لَفْظِ الظِّهَارِ فَيُكَرِّرَهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَزْمٍ وَقَوْلُ دَاوُدَ ، وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَفِرْقَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ زَمَانًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلَا يُطَلِّقَ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْجِمَاعِ أَوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوِ الْإِمْسَاكِ وَعَنْهُ أَنَّهُ الْجِمَاعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الظِّهَارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ، وَرَفْعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمَتَى تَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ فَقَدْ حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا الْكَفَّارَةُ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ .
40
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) يَعْنِي : يُرِيدُونَ أَنْ يَعُودُوا فِي الْجِمَاعِ الَّذِي حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَعْنِي الْغِشْيَانَ فِي الْفَرْجِ . وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُغْشَى فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) وَالْمَسُّ : النِّكَاحُ . وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ . فَقَالَ : " مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ " . قَالَ : رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ . قَالَ : " فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ "
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . قَالَ النَّسَائِيُّ : وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ
وَقَوْلُهُ : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أَيْ : فَإِعْتَاقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، فَهَا هُنَا الرَّقَبَةُ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْإِيمَانِ ، وَفِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِيمَانِ ، فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا أُطْلِقَ هَا هُنَا عَلَى مَا قُيِّدَ هُنَاكَ لِاتِّحَادِ الْمُوجَبِ ، وَهُوَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ ، وَاعْتَضَدَ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَارِيَةِ السَّوْدَاءِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ " . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي ، ثُمَّ وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) قَالَ : أَعْجَبَتْنِي ؟ قَالَ : " أَمْسِكْ حَتَّى تُكَفِّرَ "
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ إِلَّا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .
41
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ) أَيْ : تُزْجَرُونَ بِهِ ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أَيْ : خَبِيرٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِهَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ الَّذِي جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ .
( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أَيْ : شَرَعْنَا هَذَا لِهَذَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) أَيْ : مَحَارِمُهُ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أَيِ : الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَا الْتَزَمُوا بِأَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْبَلَاءِ ، كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا ، بَلْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَعْقُوبُ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ ، عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ : فِيَّ - وَاللَّهِ - وَفِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ " الْمُجَادَلَةِ " قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ ، قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ ، فَغَضِبَ فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . قَالَتْ : ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي . قَالَتْ : قُلْتُ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ ، لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ . قَالَتْ : فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي ، قَالَتْ : ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي ، فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابًا ، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ ، وَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ مَا 36 أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ . قَالَتْ : فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " يَا خُوَيْلَةُ ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ " . قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ ، فَتَغَشَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَقَالَ لِي : " يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ " . ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) قَالَتْ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً " . قَالَتْ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ . قَالَ : " فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ . قَالَ : " فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا ذَاكَ عِنْدَهُ . قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ " . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنَا سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ ، قَالَ : " فَقَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا " . قَالَتْ : فَفَعَلْتُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِهِ . وَعِنْدَهُ : خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، وَيُقَالُ فِيهَا : خَوْلَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . وَقَدْ تُصَغَّرُ فَيُقَالُ : خُوَيْلَةُ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، فَالْأَمْرُ فِيهَا قَرِيبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبَ النُّزُولِ ، وَلَكِنْ أَمْرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْعِتْقِ ، أَوِ الصِّيَامِ ، أَوِ الْإِطْعَامِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : كُنْتُ امْرَأً قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَهَّرْتُ مِنَ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ ، فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ فِي لَيْلَتِي شَيْئًا فَأُتَابِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ ، وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدِمُنِي مِنَ اللَّيْلِ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي وَقُلْتُ : انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِي . فَقَالُوا : لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ ; نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا - أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتِ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ . قَالَ : فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي . فَقَالَ لِي : " أَنْتَ بِذَاكَ " . فَقُلْتُ : أَنَا بِذَاكَ . فَقَالَ : " أَنْتَ بِذَاكَ " . فَقُلْتُ : أَنَا بِذَاكَ . قَالَ : " أَنْتَ بِذَاكَ " . قُلْتُ : نَعَمْ ، هَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنِّي صَابِرٌ لَهُ . قَالَ : " أَعْتِقْ رَقَبَةً " . قَالَ : فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي بِيَدِي وَقُلْتُ : لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا . قَالَ : " فَصُمْ شَهْرَيْنِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَّا فِي الصِّيَامِ ؟ قَالَ : " فَتَصَدَّقْ " . فَقُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، 37 لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ . قَالَ : " اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ ، فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ " . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي فَقُلْتُ : وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ ، قَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ ، فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ . فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاخْتَصَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
وَظَاهِرُ السِّيَاقِ : أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَزَوْجَتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ تِلْكَ وَهَذِهِ بَعْدَ التَّأَمُّلِ .
قَالَ خُصَيْفٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَامْرَأَتُهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ ، فَلَمَّا ظَاهَرَ مِنْهَا خَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَلَاقًا ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَوْسًا ظَاهَرَ مِنِّي ، وَإِنَّا إِنِ افْتَرَقْنَا هَلَكْنَا ، وَقَدْ نَثَرْتُ بَطْنِي مِنْهُ ، وَقَدُمَتْ صُحْبَتُهُ . وَهِيَ تَشْكُو ذَلِكَ وَتَبْكِي ، وَلَمْ يَكُنْ جَاءَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَتَقْدِرُ عَلَى رَقَبَةٍ تُعْتِقُهَا ؟ " . قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : فَجَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَعْتَقَ عَنْهُ ، ثُمَّ رَاجَعَ أَهْلَهُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ
وَلِهَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ) أَصْلُ الظِّهَارِ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا إِذَا تَظَاهَرَ أَحَدٌ مِنِ امْرَأَتِهِ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، ثُمَّ فِي الشَّرْعِ كَانَ الظِّهَارُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ قِيَاسًا عَلَى الظَّهْرِ ، وَكَانَ الظِّهَارُ عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا ، فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ فِيهِ كَفَّارَةً ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ طَلَاقًا كَمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ . هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْسًا ، وَكَانَ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا : " خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ . فَظَاهَرَ مِنْهَا ، فَأُسْقِطَ فِي يَدَيْهِ ، وَقَالَ : مَا أَرَاكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيَّ . وَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَانْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ مَاشِطَةً تُمَشِّطُ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : " يَا خُوَيْلَةُ ، مَا أُمِرْنَا فِي أَمْرِكِ بِشَيْءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " يَا خُوَيْلَةُ ، أَبْشِرِي " قَالَتْ : خَيْرًا . قَالَ فَقَرَأَ عَلَيْهَا : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) 38 قَالَتْ : وَأَيُّ رَقَبَةٍ لَنَا ؟ وَاللَّهِ مَا يَجِدُ رَقَبَةً غَيْرِي . قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) قَالَتْ : وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ يَشْرَبُ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَذَهَبَ بَصَرُهُ ! قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) قَالَتْ : مِنْ أَيْنَ ؟ مَا هِيَ إِلَّا أَكْلَةٌ إِلَى مِثْلِهَا ! قَالَ : فَدَعَا بِشَطْرِ وَسْقٍ - ثَلَاثِينَ صَاعًا ، وَالْوَسْقُ : سِتُّونَ صَاعًا - فَقَالَ : " لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَلْيُرَاجِعْكِ " وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَسِيَاقٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ نَحْوُ هَذَا ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْجٍ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ فَقِيرًا سَيِّئَ الْخُلُقِ ، وَكَانَ طَلَاقُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " . وَكَانَ لَهَا مِنْهُ عَيِّلٌ أَوْ عَيِّلَانِ ، فَنَازَعَتْهُ يَوْمًا فِي شَيْءٍ فَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " . فَاحْتَمَلَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَعَائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَمَعَهَا عَيِّلُهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ زَوْجِي ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ لَا شَيْءَ لَهُ ، سَيِّئُ الْخُلُقِ ، وَإِنِّي نَازَعْتُهُ فِي شَيْءٍ فَغَضِبَ ، فَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَلِي مِنْهُ عَيِّلٌ أَوْ عَيِّلَانِ ، فَقَالَ : " مَا أَعْلَمُكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ " ، فَقَالَتْ : أَشْكُو إِلَى اللَّهِ مَا نَزَلَ بِي وَأَبَا صَبِيِّي . قَالَ : وَدَارَتْ عَائِشَةُ فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْآخَرَ ، فَدَارَتْ مَعَهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوْجِي ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ ، وَإِنَّ لِي مِنْهُ عَيِّلًا أَوْ عَيِّلَيْنِ ، وَإِنِّي نَازَعْتُهُ فِي شَيْءٍ فَغَضِبَ ، وَقَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ! قَالَتْ : فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأَسَهُ وَقَالَ : " مَا أَعْلَمُكِ إِلَّا قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ " . فَقَالَتْ : أَشْكُو إِلَى اللَّهِ مَا نَزَلَ بِي وَأَبَا صَبِيِّي ؟ قَالَ : وَرَأَتْ عَائِشَةُ وَجْهَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَغَيَّرَ ، فَقَالَتْ لَهَا : " وَرَاءَكِ وَرَاءَكِ ؟ " فَتَنَحَّتْ ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَشَيَانِهِ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ قَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، أَيْنَ الْمَرْأَةُ " فَدَعَتْهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اذْهَبِي فَأْتِنِي بِزَوْجِكِ " . فَانْطَلَقَتْ تَسْعَى فَجَاءَتْ بِهِ . فَإِذَا هُوَ - كَمَا قَالَتْ - ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقِيرٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسَّهَا ؟ " . قَالَ : لَا . قَالَ : " أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ " . قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنِّي إِذَا لَمْ آكُلِ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ يَكَادُ أَنْ يَعْشُوَ بَصَرِي . قَالَ : " أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ " . قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تُعِينَنِي . قَالَ : فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا " . قَالَ : 39 وَحَوَّلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ، فَجَعَلَهُ ظِهَارًا .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، بِأَخْصَرَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ مِنْ طَلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَوَقَّتَ اللَّهُ الْإِيلَاءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَجَعَلَ فِي الظِّهَارِ الْكَفَّارَةَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِنَحْوِهِ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : ( مِنْكُمْ ) فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( مِنْ نِسَائِهِمْ ) عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَا ظِهَارَ مِنْهَا ، وَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْخِطَابِ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ) أَيْ : لَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِقَوْلِ الرَّجُلِ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي " ، أَوْ " مِثْلُ أُمِّي " ، أَوْ " كَظَهْرِ أُمِّي " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لَا تَصِيرُ أُمَّهُ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا أُمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ) أَيْ : كَلَامًا فَاحِشًا بَاطِلًا ( وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) أَيْ : عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَهَكَذَا أَيْضًا عَمَّا خَرَجَ مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتِي . فَقَالَ : أُخْتُكَ هِيَ ؟ " ، فَهَذَا إِنْكَارٌ وَلَكِنْ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ ، وَلَوْ قَصَدَهُ لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عَلَى الصَّحِيحِ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ مِنْ أُخْتٍ ، وَعَمَّةٍ ، وَخَالَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : الْعَوْدُ هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى لَفْظِ الظِّهَارِ فَيُكَرِّرَهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَزْمٍ وَقَوْلُ دَاوُدَ ، وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَفِرْقَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ زَمَانًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلَا يُطَلِّقَ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْجِمَاعِ أَوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوِ الْإِمْسَاكِ وَعَنْهُ أَنَّهُ الْجِمَاعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الظِّهَارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ، وَرَفْعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمَتَى تَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ فَقَدْ حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا الْكَفَّارَةُ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ .
40
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) يَعْنِي : يُرِيدُونَ أَنْ يَعُودُوا فِي الْجِمَاعِ الَّذِي حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَعْنِي الْغِشْيَانَ فِي الْفَرْجِ . وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُغْشَى فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) وَالْمَسُّ : النِّكَاحُ . وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ . فَقَالَ : " مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ " . قَالَ : رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ . قَالَ : " فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ "
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . قَالَ النَّسَائِيُّ : وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ
وَقَوْلُهُ : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أَيْ : فَإِعْتَاقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، فَهَا هُنَا الرَّقَبَةُ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْإِيمَانِ ، وَفِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِيمَانِ ، فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا أُطْلِقَ هَا هُنَا عَلَى مَا قُيِّدَ هُنَاكَ لِاتِّحَادِ الْمُوجَبِ ، وَهُوَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ ، وَاعْتَضَدَ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَارِيَةِ السَّوْدَاءِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ " . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي ، ثُمَّ وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) قَالَ : أَعْجَبَتْنِي ؟ قَالَ : " أَمْسِكْ حَتَّى تُكَفِّرَ "
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ إِلَّا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .
41
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ) أَيْ : تُزْجَرُونَ بِهِ ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أَيْ : خَبِيرٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِهَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ الَّذِي جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ .
( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أَيْ : شَرَعْنَا هَذَا لِهَذَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) أَيْ : مَحَارِمُهُ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أَيِ : الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَا الْتَزَمُوا بِأَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْبَلَاءِ ، كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا ، بَلْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith