تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
158 تَفْسِيرُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 1 ) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 2 ) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ( 3 ) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ( 4 ) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ( 5 ) )
اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَارِيَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَرَّمَهَا ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) الْآيَةَ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَقَالَتْ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي ؟ ! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا فَقَالَتْ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَحْرُمُ عَلَيْكَ الْحَلَالُ ؟ فَحَلَفَ لَهَا بِاللَّهِ لَا يُصِيبُهَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَقَوْلُهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَغْوٌ .
وَهَكَذَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : قُلْ لَهَا : " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وواللَّهِ لَا أَطَؤُكِ " .
159
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَّمَ ، فَعُوتِبَ فِي التَّحْرِيمِ ، وَأُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ نَفْسِهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَنِ الْمَرْأَتَانِ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ . وَكَانَ بَدْءُ الْحَدِيثِ فِي شَأْنِ أَمِّ إِبْرَاهِيمَ الْقِبْطِيَّةِ ، أَصَابَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فِي نَوْبَتِهَا فَوَجَدَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَقَدْ جِئْتَ إِلَيَّ شَيْئًا مَا جِئْتَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي يَوْمِي ، وَفِي دَوْرِي ، وَعَلَى فِرَاشِي . قَالَ : " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبَهَا ؟ " . قَالَتْ : بَلَى . فَحَرَّمَهَا ، وَقَالَ : " لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ " . فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) الْآيَاتِ ، فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَأَصَابَ جَارِيَتَهُ .
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَفْصَةَ : " لَا تُخْبِرِي أَحَدًا ، وَإِنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَلِيَّ حَرَامٌ " . فَقَالَتْ : أَتُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ قَالَ : " فَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا " . قَالَ : فَلَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ )
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَقَدِ اخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَخْرَجِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَيْضًا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ تُكَفِّرُهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الْأَحْزَابِ : 21 ] يَعْنِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ جَارِيَتَهُ فَقَالَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ إِلَى قَوْلِهِ : ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) فَكَفَّرَ يَمِينَهُ ، فَصَيَّرَ الْحَرَامَ يَمِينًا .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ - هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ - وَهُوَ يَعْلَى - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ تُكَفَّرُ . وَقَالَ 160 ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الْأَحْزَابِ : 21 ] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ بِهِ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا ؟ قَالَ : كَذَبْتَ لَيْسَ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ عَلَيْكَ أَغْلَظُ الْكَفَّارَاتِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ .
تَفَرَّدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، بِهَذَا اللَّفْظِ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ قَالَ : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرِّيَّتَهُ .
وَمِنْ هَا هُنَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ جَارِيَتَهُ ، أَوْ زَوْجَتَهُ ، أَوْ طَعَامًا ، أَوْ شَرَابًا ، أَوْ مَلْبَسًا ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَطَائِفَةٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا عَدَا الزَّوْجَةَ وَالْجَارِيَةَ ، إِذَا حَرَّمَ عَيْنَيْهِمَا ، أَوْ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ فِيهِمَا فِي قَوْلِهِ ، فَأَمَّا إِنْ نَوَى بِالتَّحْرِيمِ طَلَاقَ الزَّوْجَةِ ، أَوْ عِتْقَ الْأَمَةِ ، نَفَذَ فِيهِمَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي تَحْرِيمِهِ الْعَسَلَ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ :
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا ، فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى : أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَلْتَقُلْ لَهُ : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ . قَالَ : " لَا ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " ، ( تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) .
هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ هَا هُنَا بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ " : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : زَعَمَ عَطَاءٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَشْرَبُ 161 عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا ، وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْتَقُلْ : إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ; أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ " . فَنَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ إِلَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) لِقَوْلِهِ : " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامٍ : " وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، وَقَدْ حَلَفْتُ ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَفْظُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ : الْمَغَافِيرُ : شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ ، يَكُونُ فِي الرَّمَثِ فِيهِ حَلَاوَةٌ ، أَغْفَرَ الرَّمَثُ : إِذَا ظَهَرَ فِيهِ . وَاحِدُهَا مَغْفُورٌ ، وَيُقَالُ : مَغَافِيرُ . وَهَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ الْمَغْفُورُ أَيْضًا لِلْعُشْرِ ، وَالثُّمَامِ ، وَالسَّلَمِ ، وَالطَّلْحِ . قَالَ : والرِّمْثُ ، بِالْكَسْرِ : مَرْعَى مِنْ مَرَاعِي الْإِبِلِ ، وَهُوَ مِنَ الْحَمْضِ . قَالَ : وَالْعُرْفُطُ : شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ يَنْضَحُ الْمَغْفُورُ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " مِنْ صَحِيحِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهِ ، وَلَفْظُهُ كَمَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ ، فِي " الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ " .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " : حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْحَلْوَى وَالْعَسَلَ ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ . فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ ، فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لِي : أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَرْبَةً ، فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ . فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ ذَلِكَ لَا . فَقُولِي لَهُ : مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ : سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ . فَقُولِي : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . وَسَأَقُولُ ذَلِكَ ، وَقَوْلِي أَنْتِ لَهُ يَا صَفِيَّةُ ذَلِكَ ، قَالَتْ - تَقُولُ سَوْدَةُ - : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي فَرَقًا مِنْكِ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ قَالَ : " لَا " . قَالَتْ : فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ ؟ قَالَ : " سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ " . قَالَتْ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَسْقِيَكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : " لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ " . قَالَتْ - تَقُولُ سَوْدَةُ - : وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ . قُلْتُ لَهَا : اسْكُتِي .
162
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ بِهِ . وَعَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، وَهَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهِ ، وَعِنْدَهُ قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ يَعْنِي : الرِّيحَ الْخَبِيثَةَ ; وَلِهَذَا قُلْنَ لَهُ : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ لِأَنَّ رِيحَهَا فِيهِ شَيْءٌ . فَلَمَّا قَالَ : " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " . قُلْنَ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، أَيْ : رَعَتْ نَحْلُهُ شَجَرَ الْعُرْفُطَ الَّذِي صَمْغُهُ الْمَغَافِيرُ ; فَلِهَذَا ظَهَرَ رِيحُهُ فِي الْعَسَلِ الَّذِي شَرِبْتَهُ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ تَجْرِسُ : إِذَا أَكَلَتْهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّحْلِ : جَوَارِسُ ، قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ تَظَلُّ عَلَى الثَّمْرَاءِ مِنْهَا جَوَارِسُ ﴿﴾
وَقَالَ : الْجَرْسُ وَالْجِرْسُ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ . وَيُقَالُ : سَمِعْتُ جَرْسَ الطَّيْرِ : إِذَا سَمِعْتُ صَوْتَ مَنَاقِيرِهَا عَلَى شَيْءٍ تَأْكُلُهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : " فَيَسْمَعُونَ جَرْسَ طَيْرِ الْجَنَّةِ " . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كُنْتُ فِي مَجْلِسِ شُعْبَةَ قَالَ : " فَيَسْمَعُونَ جَرْشَ طَيْرِ الْجَنَّةِ " بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، فَقُلْتُ : " جَرْسَ " ؟ ! فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ : خُذُوهَا عَنْهُ ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَّا .
وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ فِيهِ أَنَّ حَفْصَةَ هِيَ السَّاقِيَةُ لِلْعَسَلِ ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَالَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ . وَفِي طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ هِيَ الَّتِي سَقَتِ الْعَسَلَ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ تَوَاطَأَتَا وَتَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُمَا سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، هُمَا الْمُتَظَاهِرَتَانِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ . فَتَبَرَّزَ ، ثُمَّ أَتَانِي ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ؟ فَقَالَ عُمَرُ : وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَرِهَ - وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ قَالَ : هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ . قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ . قَالَ : كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، قَالَ : وَكَانَ مَنْزِلِي فِي دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي . قَالَ : فَغَضِبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي ، فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ 163 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ : أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا ، وَسَلِينِي مِنْ مَالِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ إِنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكِ - يُرِيدُ عَائِشَةَ - قَالَ : وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ : وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا ، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمًا ، ثُمَّ أَتَى عِشَاءً ، فَضَرَبَ بَابِي ، ثُمَّ نَادَانِي ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ! فَقُلْتُ : وَمَا ذَاكَ ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَطْوَلُ ! طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ، فَقُلْتُ : قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا . حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ نَزَلْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي ، فَقُلْتُ : أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : لَا أَدْرِي ، هُوَ هَذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ ، فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدُ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ الْغُلَامُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ . فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمِنْبَرَ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ . فَخَرَجْتُ ، فَجَلَسْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ . فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ : ادْخُلْ ، قَدْ أَذِنَ لَكَ . فَدَخَلْتُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رُمَالِ حَصِيرٍ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَحَدَّثَنَاهُ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ : رُمَالِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْتُ : أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ : " لَا " . فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَغَضِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي ، فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . فَقُلْتُ : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ . فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ : لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ - أَوْ : أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكِ . فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ، فَقُلْتُ : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " نَعَمْ " . فَجَلَسْتُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي الْبَيْتِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً ، فَقُلْتُ : ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ . فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ : " أَفِي شَكٌّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " . فَقُلْتُ : اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا ; مِنْ شِدَّةِ مُوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
164
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ ، قَالَ : فَوَقَفْتُ حَتَّى فَرَغَ ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ .
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلِمُسْلِمٍ : مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ؟ قَالَ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَهُ .
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا : حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ - أَبِي زُمَيْلٍ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ، دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، وَيَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ! وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْحِجَابِ . فَقُلْتُ : لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُخُولِهِ عَلَى عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ وَوَعْظِهِ إِيَّاهُمَا ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، فَنَادَيْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ - وَأَحْمَدُ اللَّهَ - بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، آيَةُ التَّخْيِيرِ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) فَقُلْتُ : أَطَلَّقَتْهُنَّ ؟ قَالَ : " لَا " . فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [ النِّسَاءِ : 83 ] فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ .
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ - زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : وَعُثْمَانُ . وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ يَرْفَعُهُ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ : هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَهُوَ مُنْكَرٌ جَدًا .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا ، هُشَيْمٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ 165 عُمَرُ : اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُنَّ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ وَافَقَ الْقُرْآنَ فِي أَمَاكِنَ ، مِنْهَا فِي نُزُولِ الْحِجَابِ ، وَمِنْهَا فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : لَوِ اتُّخِذَتْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) [ الْبَقَرَةِ : 125 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : بَلَغَنِي شَيْءٌ كَانَ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ أَقُولُ : لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ . حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَتْ : يَا عُمَرُ أَمَا لِي بِرَسُولِ اللَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ ؟ ! فَأَمْسَكْتُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَدَّتْهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ وَعْظِ النِّسَاءِ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) قَالَ : دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهَا وَهُوَ يَطَأُ مَارِيَةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبَشِّرَكِ بِبِشَارَةٍ ، فَإِنَّ أَبَاكِ يَلِي الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أَنَا مِتُّ " . فَذَهَبَتْ حَفْصَةُ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ؟ قَالَ : ( نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تُحَرِّمَ مَارِيَةَ فَحَرَّمَهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ) .
إِسْنَادُهُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا أَوْرَدْنَاهُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( سَائِحَاتٍ ) أَيْ : صَائِمَاتٍ ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، والسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( السَّائِحُونَ ) مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " ، وَلَفْظُهُ : " سِيَاحَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الصِّيَامُ " .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : ( سَائِحَاتٍ ) أَيْ : مُهَاجِرَاتٍ ، وَتَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ : 166 ( السَّائِحُونَ ) [ التَّوْبَةِ : 112 ] أَيْ : الْمُهَاجِرُونَ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) أَيْ : مِنْهُنَّ ثَيِّبَاتٍ ، وَمِنْهُنَّ أَبْكَارًا ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْهَى إِلَى النُّفُوسِ ، فَإِنَّ التَّنَوُّعَ يَبْسُطُ النَّفْسَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) قَالَ : وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، فَالثَّيِّبُ : آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَبِالْأَبْكَارِ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ " مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَوْتِ خَدِيجَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُهَا السَّلَامَ ، وَيُبَشِّرُهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ ، بَعِيدٍ مِنَ اللَّهَبِ لَا نَصَبَ فِيهِ ، وَلَا صَخَبَ ، مِنْ لُؤْلُؤَةٍ جَوْفَاءَ بَيْنَ بَيْتِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ ، وَبَيْتِ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَهِيَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ : " يَا خَدِيجَةُ إِذَا لَقِيتِ ضَرَائِرَكِ فَأَقْرِئِيهِنَّ مِنِّي السَّلَامَ " . فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ تَزَوَّجْتَ قَبْلِي ؟ قَالَ : " لَا " ، وَلَكِنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ، وَكُلْثُمَ أُخْتَ مُوسَى " . ضَعِيفٌ أَيْضًا .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ النُّورِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي فِي الْجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ ، وَكُلْثُمَ أُخْتَ مُوسَى ، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ " . فَقُلْتُ : هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 1 ) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 2 ) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ( 3 ) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ( 4 ) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ( 5 ) )
اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَارِيَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَرَّمَهَا ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) الْآيَةَ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَقَالَتْ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي ؟ ! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا فَقَالَتْ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَحْرُمُ عَلَيْكَ الْحَلَالُ ؟ فَحَلَفَ لَهَا بِاللَّهِ لَا يُصِيبُهَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَقَوْلُهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَغْوٌ .
وَهَكَذَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : قُلْ لَهَا : " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وواللَّهِ لَا أَطَؤُكِ " .
159
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَّمَ ، فَعُوتِبَ فِي التَّحْرِيمِ ، وَأُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ نَفْسِهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَنِ الْمَرْأَتَانِ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ . وَكَانَ بَدْءُ الْحَدِيثِ فِي شَأْنِ أَمِّ إِبْرَاهِيمَ الْقِبْطِيَّةِ ، أَصَابَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فِي نَوْبَتِهَا فَوَجَدَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَقَدْ جِئْتَ إِلَيَّ شَيْئًا مَا جِئْتَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي يَوْمِي ، وَفِي دَوْرِي ، وَعَلَى فِرَاشِي . قَالَ : " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبَهَا ؟ " . قَالَتْ : بَلَى . فَحَرَّمَهَا ، وَقَالَ : " لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ " . فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) الْآيَاتِ ، فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَأَصَابَ جَارِيَتَهُ .
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَفْصَةَ : " لَا تُخْبِرِي أَحَدًا ، وَإِنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَلِيَّ حَرَامٌ " . فَقَالَتْ : أَتُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ قَالَ : " فَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا " . قَالَ : فَلَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ )
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَقَدِ اخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَخْرَجِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَيْضًا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ تُكَفِّرُهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الْأَحْزَابِ : 21 ] يَعْنِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ جَارِيَتَهُ فَقَالَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ إِلَى قَوْلِهِ : ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) فَكَفَّرَ يَمِينَهُ ، فَصَيَّرَ الْحَرَامَ يَمِينًا .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ - هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ - وَهُوَ يَعْلَى - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ تُكَفَّرُ . وَقَالَ 160 ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الْأَحْزَابِ : 21 ] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ بِهِ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا ؟ قَالَ : كَذَبْتَ لَيْسَ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ عَلَيْكَ أَغْلَظُ الْكَفَّارَاتِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ .
تَفَرَّدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، بِهَذَا اللَّفْظِ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ قَالَ : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرِّيَّتَهُ .
وَمِنْ هَا هُنَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ جَارِيَتَهُ ، أَوْ زَوْجَتَهُ ، أَوْ طَعَامًا ، أَوْ شَرَابًا ، أَوْ مَلْبَسًا ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَطَائِفَةٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا عَدَا الزَّوْجَةَ وَالْجَارِيَةَ ، إِذَا حَرَّمَ عَيْنَيْهِمَا ، أَوْ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ فِيهِمَا فِي قَوْلِهِ ، فَأَمَّا إِنْ نَوَى بِالتَّحْرِيمِ طَلَاقَ الزَّوْجَةِ ، أَوْ عِتْقَ الْأَمَةِ ، نَفَذَ فِيهِمَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي تَحْرِيمِهِ الْعَسَلَ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ :
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا ، فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى : أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَلْتَقُلْ لَهُ : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ . قَالَ : " لَا ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " ، ( تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) .
هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ هَا هُنَا بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ " : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : زَعَمَ عَطَاءٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَشْرَبُ 161 عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا ، وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْتَقُلْ : إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ; أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ " . فَنَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ؟ إِلَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) لِقَوْلِهِ : " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامٍ : " وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، وَقَدْ حَلَفْتُ ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَفْظُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ : الْمَغَافِيرُ : شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ ، يَكُونُ فِي الرَّمَثِ فِيهِ حَلَاوَةٌ ، أَغْفَرَ الرَّمَثُ : إِذَا ظَهَرَ فِيهِ . وَاحِدُهَا مَغْفُورٌ ، وَيُقَالُ : مَغَافِيرُ . وَهَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ الْمَغْفُورُ أَيْضًا لِلْعُشْرِ ، وَالثُّمَامِ ، وَالسَّلَمِ ، وَالطَّلْحِ . قَالَ : والرِّمْثُ ، بِالْكَسْرِ : مَرْعَى مِنْ مَرَاعِي الْإِبِلِ ، وَهُوَ مِنَ الْحَمْضِ . قَالَ : وَالْعُرْفُطُ : شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ يَنْضَحُ الْمَغْفُورُ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " مِنْ صَحِيحِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهِ ، وَلَفْظُهُ كَمَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ ، فِي " الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ " .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " : حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْحَلْوَى وَالْعَسَلَ ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ . فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ ، فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لِي : أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَرْبَةً ، فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ . فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ ذَلِكَ لَا . فَقُولِي لَهُ : مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ : سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ . فَقُولِي : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . وَسَأَقُولُ ذَلِكَ ، وَقَوْلِي أَنْتِ لَهُ يَا صَفِيَّةُ ذَلِكَ ، قَالَتْ - تَقُولُ سَوْدَةُ - : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي فَرَقًا مِنْكِ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ قَالَ : " لَا " . قَالَتْ : فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ ؟ قَالَ : " سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ " . قَالَتْ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَسْقِيَكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : " لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ " . قَالَتْ - تَقُولُ سَوْدَةُ - : وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ . قُلْتُ لَهَا : اسْكُتِي .
162
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ بِهِ . وَعَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، وَهَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهِ ، وَعِنْدَهُ قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ يَعْنِي : الرِّيحَ الْخَبِيثَةَ ; وَلِهَذَا قُلْنَ لَهُ : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ لِأَنَّ رِيحَهَا فِيهِ شَيْءٌ . فَلَمَّا قَالَ : " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " . قُلْنَ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، أَيْ : رَعَتْ نَحْلُهُ شَجَرَ الْعُرْفُطَ الَّذِي صَمْغُهُ الْمَغَافِيرُ ; فَلِهَذَا ظَهَرَ رِيحُهُ فِي الْعَسَلِ الَّذِي شَرِبْتَهُ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ تَجْرِسُ : إِذَا أَكَلَتْهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّحْلِ : جَوَارِسُ ، قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ تَظَلُّ عَلَى الثَّمْرَاءِ مِنْهَا جَوَارِسُ ﴿﴾
وَقَالَ : الْجَرْسُ وَالْجِرْسُ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ . وَيُقَالُ : سَمِعْتُ جَرْسَ الطَّيْرِ : إِذَا سَمِعْتُ صَوْتَ مَنَاقِيرِهَا عَلَى شَيْءٍ تَأْكُلُهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : " فَيَسْمَعُونَ جَرْسَ طَيْرِ الْجَنَّةِ " . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كُنْتُ فِي مَجْلِسِ شُعْبَةَ قَالَ : " فَيَسْمَعُونَ جَرْشَ طَيْرِ الْجَنَّةِ " بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، فَقُلْتُ : " جَرْسَ " ؟ ! فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ : خُذُوهَا عَنْهُ ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَّا .
وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ فِيهِ أَنَّ حَفْصَةَ هِيَ السَّاقِيَةُ لِلْعَسَلِ ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَالَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ . وَفِي طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ هِيَ الَّتِي سَقَتِ الْعَسَلَ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ تَوَاطَأَتَا وَتَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُمَا سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، هُمَا الْمُتَظَاهِرَتَانِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ . فَتَبَرَّزَ ، ثُمَّ أَتَانِي ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ؟ فَقَالَ عُمَرُ : وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَرِهَ - وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ قَالَ : هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ . قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ . قَالَ : كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، قَالَ : وَكَانَ مَنْزِلِي فِي دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي . قَالَ : فَغَضِبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي ، فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ 163 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ : أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا ، وَسَلِينِي مِنْ مَالِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ إِنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكِ - يُرِيدُ عَائِشَةَ - قَالَ : وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ : وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا ، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمًا ، ثُمَّ أَتَى عِشَاءً ، فَضَرَبَ بَابِي ، ثُمَّ نَادَانِي ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ! فَقُلْتُ : وَمَا ذَاكَ ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَطْوَلُ ! طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ، فَقُلْتُ : قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا . حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ نَزَلْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي ، فَقُلْتُ : أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : لَا أَدْرِي ، هُوَ هَذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ ، فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدُ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ الْغُلَامُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ . فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمِنْبَرَ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ . فَخَرَجْتُ ، فَجَلَسْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ . فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ : ادْخُلْ ، قَدْ أَذِنَ لَكَ . فَدَخَلْتُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رُمَالِ حَصِيرٍ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَحَدَّثَنَاهُ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ : رُمَالِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْتُ : أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ : " لَا " . فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَغَضِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي ، فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . فَقُلْتُ : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ . فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ : لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ - أَوْ : أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكِ . فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ، فَقُلْتُ : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " نَعَمْ " . فَجَلَسْتُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي الْبَيْتِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً ، فَقُلْتُ : ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ . فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ : " أَفِي شَكٌّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " . فَقُلْتُ : اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا ; مِنْ شِدَّةِ مُوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
164
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ ، قَالَ : فَوَقَفْتُ حَتَّى فَرَغَ ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ .
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلِمُسْلِمٍ : مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ؟ قَالَ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَهُ .
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا : حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ - أَبِي زُمَيْلٍ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ، دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، وَيَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ! وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْحِجَابِ . فَقُلْتُ : لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُخُولِهِ عَلَى عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ وَوَعْظِهِ إِيَّاهُمَا ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، فَنَادَيْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ - وَأَحْمَدُ اللَّهَ - بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، آيَةُ التَّخْيِيرِ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) فَقُلْتُ : أَطَلَّقَتْهُنَّ ؟ قَالَ : " لَا " . فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [ النِّسَاءِ : 83 ] فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ .
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ - زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : وَعُثْمَانُ . وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ يَرْفَعُهُ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ : هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَهُوَ مُنْكَرٌ جَدًا .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا ، هُشَيْمٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ 165 عُمَرُ : اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُنَّ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ وَافَقَ الْقُرْآنَ فِي أَمَاكِنَ ، مِنْهَا فِي نُزُولِ الْحِجَابِ ، وَمِنْهَا فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : لَوِ اتُّخِذَتْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) [ الْبَقَرَةِ : 125 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : بَلَغَنِي شَيْءٌ كَانَ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ أَقُولُ : لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ . حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَتْ : يَا عُمَرُ أَمَا لِي بِرَسُولِ اللَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ ؟ ! فَأَمْسَكْتُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَدَّتْهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ وَعْظِ النِّسَاءِ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) قَالَ : دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهَا وَهُوَ يَطَأُ مَارِيَةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبَشِّرَكِ بِبِشَارَةٍ ، فَإِنَّ أَبَاكِ يَلِي الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أَنَا مِتُّ " . فَذَهَبَتْ حَفْصَةُ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ؟ قَالَ : ( نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تُحَرِّمَ مَارِيَةَ فَحَرَّمَهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ) .
إِسْنَادُهُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا أَوْرَدْنَاهُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( سَائِحَاتٍ ) أَيْ : صَائِمَاتٍ ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، والسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( السَّائِحُونَ ) مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " ، وَلَفْظُهُ : " سِيَاحَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الصِّيَامُ " .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : ( سَائِحَاتٍ ) أَيْ : مُهَاجِرَاتٍ ، وَتَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ : 166 ( السَّائِحُونَ ) [ التَّوْبَةِ : 112 ] أَيْ : الْمُهَاجِرُونَ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) أَيْ : مِنْهُنَّ ثَيِّبَاتٍ ، وَمِنْهُنَّ أَبْكَارًا ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْهَى إِلَى النُّفُوسِ ، فَإِنَّ التَّنَوُّعَ يَبْسُطُ النَّفْسَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) قَالَ : وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، فَالثَّيِّبُ : آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَبِالْأَبْكَارِ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ " مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَوْتِ خَدِيجَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُهَا السَّلَامَ ، وَيُبَشِّرُهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ ، بَعِيدٍ مِنَ اللَّهَبِ لَا نَصَبَ فِيهِ ، وَلَا صَخَبَ ، مِنْ لُؤْلُؤَةٍ جَوْفَاءَ بَيْنَ بَيْتِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ ، وَبَيْتِ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَهِيَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ : " يَا خَدِيجَةُ إِذَا لَقِيتِ ضَرَائِرَكِ فَأَقْرِئِيهِنَّ مِنِّي السَّلَامَ " . فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ تَزَوَّجْتَ قَبْلِي ؟ قَالَ : " لَا " ، وَلَكِنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ، وَكُلْثُمَ أُخْتَ مُوسَى " . ضَعِيفٌ أَيْضًا .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ النُّورِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي فِي الْجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ ، وَكُلْثُمَ أُخْتَ مُوسَى ، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ " . فَقُلْتُ : هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith