تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ( 11 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ( 12 ) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ( 13 ) )
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ( 14 ) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( 15 ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ( 17 ) )
يَقُولُ مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ : أَنَّهُمْ قَالُوا مُخْبِرِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ : ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ) أَيْ : غَيْرُ ذَلِكَ ، ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : طَرَائِقَ مُتَعَدِّدَةً مُخْتَلِفَةً وَآرَاءَ مُتَفَرِّقَةً .
242
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : مِنَّا الْمُؤْمِنُ وَمِنَّا الْكَافِرُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَادُ فِي أَمَالِيهِ ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ بَحْشَلُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ - هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْحَضْرَمِيُّ ، شَيْخُ مُسْلِمٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ : تَرَوَّحَ إِلَيْنَا جِنِّيٌّ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْكُمْ ؟ فَقَالَ الْأُرْزَ . قَالَ : فَأَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَجَعَلْتُ أَرَى اللُّقَمَ تُرْفَعُ وَلَا أَرَى أَحَدًا ، فَقُلْتُ : فِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي فِينَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَمَا الرَّافِضَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ شَرُّنَا . عَرَضْتُ هَذَا الْإِسْنَادَ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ فَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الْأَعْمَشِ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ بَعْضَ الْجَنِّ وَأَنَا فِي مَنَزَلٍ لِي بِاللَّيْلِ يُنْشِدُ :
﴿﴾ قُلُوبٌ بَرَاهَا الْحُبُّ حَتَّى تَعَلَّقَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ مَذَاهِبُهَا فِي كُلِّ غَرْبٍ وَشَارِقِ ﴿﴾ ﴿﴾ تَهِيمُ بِحُبِّ اللَّهِ وَاللَّهُ رَبُّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ دُونَ الْخَلَائِقِ ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ) أَيْ : نَعْلَمُ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ حَاكِمَةٌ عَلَيْنَا وَأَنَّا لَا نُعْجِزُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَوْ أَمْعَنَّا فِي الْهَرَبِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْنَا قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ مِنَّا .
( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ) يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مَفْخَرٌ لَهُمْ ، وَشَرَفٌ رَفِيعٌ وَصِفَةٌ حَسَنَةٌ .
وَقَوْلُهُمْ : ( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا : فَلَا يَخَافُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَ سَيِّئَاتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) [ طَهَ : 112 ]
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ) أَيْ : مِنَّا الْمُسْلِمُ وَمِنَّا الْقَاسِطُ ، وَهُوَ : الْجَائِرُ عَنِ الْحَقِّ النَّاكِبُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمُقْسِطِ فَإِنَّهُ الْعَادِلُ ، ( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) أَيْ : طَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمُ النَّجَاةَ ،
( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) أَيْ : وَقُودًا تُسَعَّرُ بِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامَ الْقَاسِطُونَ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَدَلُوا إِلَيْهَا وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهَا ، ( لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أَيْ : كَثِيرًا . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سِعَةُ الرِّزْقِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [ الْمَائِدَةِ : 66 ] وَكَقَوْلِهِ : 243 ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الْأَعْرَافِ : 96 ] وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ : لِنَخْتَبِرَهُمْ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( لِنَفْتِنَهُمْ ) لِنَبْتَلِيَهُمْ ، مَنْ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْهِدَايَةِ مِمَّنْ يَرْتَدُّ إِلَى الْغَوَايَةِ ؟ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) يَعْنِي بِالِاسْتِقَامَةِ : الطَّاعَةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) قَالَ : الْإِسْلَامُ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) يَقُولُ : لَوْ آمَنُوا كُلُّهُمْ لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الْحَقِّ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ لِنَبْتَلِيَهُمْ بِهِ .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ : فَنَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ مُنِعُوا الْمَطَرَ سَبْعَ سِنِينَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) الضَّلَالَةِ ( لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أَيْ : لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْرَاجًا ، كَمَا قَالَ : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 44 ] وَكَقَوْلِهِ : ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ ; فَإِنَّهُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الضَّلَالَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْكَلْبِيِّ وَابْنِ كَيْسَانَ . وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) أَيْ : عَذَابًا شَاقًّا شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : ( عَذَابًا صَعَدًا ) أَيْ : مَشَقَّةً لَا رَاحَةَ مَعَهَا .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : بِئْرٌ فِيهَا .
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ( 14 ) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( 15 ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ( 17 ) )
يَقُولُ مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ : أَنَّهُمْ قَالُوا مُخْبِرِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ : ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ) أَيْ : غَيْرُ ذَلِكَ ، ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : طَرَائِقَ مُتَعَدِّدَةً مُخْتَلِفَةً وَآرَاءَ مُتَفَرِّقَةً .
242
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : مِنَّا الْمُؤْمِنُ وَمِنَّا الْكَافِرُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَادُ فِي أَمَالِيهِ ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ بَحْشَلُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ - هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْحَضْرَمِيُّ ، شَيْخُ مُسْلِمٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ : تَرَوَّحَ إِلَيْنَا جِنِّيٌّ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْكُمْ ؟ فَقَالَ الْأُرْزَ . قَالَ : فَأَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَجَعَلْتُ أَرَى اللُّقَمَ تُرْفَعُ وَلَا أَرَى أَحَدًا ، فَقُلْتُ : فِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي فِينَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَمَا الرَّافِضَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ شَرُّنَا . عَرَضْتُ هَذَا الْإِسْنَادَ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ فَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الْأَعْمَشِ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ بَعْضَ الْجَنِّ وَأَنَا فِي مَنَزَلٍ لِي بِاللَّيْلِ يُنْشِدُ :
﴿﴾ قُلُوبٌ بَرَاهَا الْحُبُّ حَتَّى تَعَلَّقَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ مَذَاهِبُهَا فِي كُلِّ غَرْبٍ وَشَارِقِ ﴿﴾ ﴿﴾ تَهِيمُ بِحُبِّ اللَّهِ وَاللَّهُ رَبُّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ دُونَ الْخَلَائِقِ ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ) أَيْ : نَعْلَمُ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ حَاكِمَةٌ عَلَيْنَا وَأَنَّا لَا نُعْجِزُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَوْ أَمْعَنَّا فِي الْهَرَبِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْنَا قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ مِنَّا .
( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ) يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مَفْخَرٌ لَهُمْ ، وَشَرَفٌ رَفِيعٌ وَصِفَةٌ حَسَنَةٌ .
وَقَوْلُهُمْ : ( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا : فَلَا يَخَافُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَ سَيِّئَاتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) [ طَهَ : 112 ]
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ) أَيْ : مِنَّا الْمُسْلِمُ وَمِنَّا الْقَاسِطُ ، وَهُوَ : الْجَائِرُ عَنِ الْحَقِّ النَّاكِبُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمُقْسِطِ فَإِنَّهُ الْعَادِلُ ، ( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) أَيْ : طَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمُ النَّجَاةَ ،
( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) أَيْ : وَقُودًا تُسَعَّرُ بِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامَ الْقَاسِطُونَ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَدَلُوا إِلَيْهَا وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهَا ، ( لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أَيْ : كَثِيرًا . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سِعَةُ الرِّزْقِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [ الْمَائِدَةِ : 66 ] وَكَقَوْلِهِ : 243 ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الْأَعْرَافِ : 96 ] وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ : لِنَخْتَبِرَهُمْ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( لِنَفْتِنَهُمْ ) لِنَبْتَلِيَهُمْ ، مَنْ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْهِدَايَةِ مِمَّنْ يَرْتَدُّ إِلَى الْغَوَايَةِ ؟ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) يَعْنِي بِالِاسْتِقَامَةِ : الطَّاعَةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) قَالَ : الْإِسْلَامُ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) يَقُولُ : لَوْ آمَنُوا كُلُّهُمْ لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الْحَقِّ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ لِنَبْتَلِيَهُمْ بِهِ .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ : فَنَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ مُنِعُوا الْمَطَرَ سَبْعَ سِنِينَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) الضَّلَالَةِ ( لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أَيْ : لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْرَاجًا ، كَمَا قَالَ : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 44 ] وَكَقَوْلِهِ : ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ ; فَإِنَّهُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الضَّلَالَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْكَلْبِيِّ وَابْنِ كَيْسَانَ . وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) أَيْ : عَذَابًا شَاقًّا شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : ( عَذَابًا صَعَدًا ) أَيْ : مَشَقَّةً لَا رَاحَةَ مَعَهَا .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : بِئْرٌ فِيهَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith