تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
296 تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، [ حَدَّثَنَا أَبِي ] ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي غَارٍ بِمِنًى ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ : " وَالْمُرْسَلَاتِ " فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لِأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا ، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقْتُلُوهَا " ، فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا " .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّهِ : أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا .
وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ : " وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا " ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ ، أَنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، بِهِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ( 1 ) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ( 2 ) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ( 3 ) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ( 4 ) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ( 5 ) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ( 6 ) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 8 ) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ( 9 ) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( 10 ) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ( 11 ) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) قَالَ : الْمَلَائِكَةُ .
297
قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَأَبِي الضُّحَى وَمُجَاهِدٍ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ - وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، مِثْلُ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ الرُّسُلُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ . وَهَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي " الْعَاصِفَاتِ " وَ " النَّاشِرَاتِ " [ وَ " الْفَارِقَاتِ " ] وَ " الْمُلْقِيَاتِ " : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، عَنْ ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) قَالَ : الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ فِي : ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) إِنَّهَا الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُرْسِلَتْ بِالْعُرْفِ ، أَوْ كَعُرْفِ الْفَرَسِ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟ أَوْ : هِيَ الرِّيَاحُ إِذَا هَبَّتْ شَيْئًا فَشَيْئًا ؟ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْعَاصِفَاتِ عَصْفًا هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْعَاصِفَاتِ أَيْضًا : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالسُّدِّيُّ ، وَتَوَقَّفَ فِي ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الرِّيحُ ؟ كَمَا تَقَدَّمَ . وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ : أَنَّ النَّاشِرَاتِ نَشْرًا : الْمَطَرُ .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ : " الْمُرْسَلَاتِ " هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) [ الْحِجْرِ : 22 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) [ الْأَعْرَافِ : 57 ] وَهَكَذَا الْعَاصِفَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ ، يُقَالُ : عَصَفَتِ الرِّيحُ إِذَا هَبَّتْ بِتَصْوِيتٍ ، وَكَذَا النَّاشِرَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ ، كَمَا يَشَاءُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يَعْنِي : الْمَلَائِكَةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ . وَلَا خِلَافَ هَاهُنَا ; فَإِنَّهَا تَنْزِلَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الرُّسُلِ ، تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْهُدَى وَالْغَيِّ ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَتُلْقِي إِلَى الرُّسُلِ وَحْيًا فِيهِ إِعْذَارٌ إِلَى الْخَلْقِ ، وَإِنْذَارٌ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ) هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ ، أَيْ : مَا وُعِدْتُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ ، وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ وَجَمْعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَمُجَازَاةِ كُلِّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، إِنَّ هَذَا كُلَّهُ ) لَوَاقِعٌ ) أَيْ : لَكَائِنٌّ لَا مَحَالَةَ .
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) أَيْ : ذَهَبَ ضَوْؤُهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) [ التَّكْوِيرِ : 2 ] وَكَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ) [ الِانْفِطَارِ : 2 ] .
( وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ) أَيِ : انْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ ، وَتَدَلَّتْ أَرْجَاؤُهَا ، وَوَهَتْ أَطْرَافُهَا .
( وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ) أَيْ : ذُهِبَ بِهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ ، كَقَوْلِهِ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ) [ طَهَ : 105 - 107 ] 298 وَقَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) [ الْكَهْفِ : 47 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جُمِعَتْ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ) [ الْمَائِدَةِ : 109 ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( أُقِّتَتْ ) أُجِّلَتْ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( أُقِّتَتْ ) أَوْعِدَتْ . وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَقَوْلِهِ : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) [ الزُّمَرِ : 69 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) يَقُولُ تَعَالَى : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتِ الرُّسُلُ وَأُرْجِئَ أَمْرُهَا ؟ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 47 ، 48 ] وَهُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ ، كَمَا قَالَ ( لِيَوْمِ الْفَصْلِ )
ثُمَّ قَالَ مُعَظِّمًا لِشَأْنِهِ : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ غَدًا . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ " وَيْلٌ " : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ . وَلَا يَصِحُّ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، [ حَدَّثَنَا أَبِي ] ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي غَارٍ بِمِنًى ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ : " وَالْمُرْسَلَاتِ " فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لِأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا ، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقْتُلُوهَا " ، فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا " .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّهِ : أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا .
وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ : " وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا " ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ ، أَنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، بِهِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ( 1 ) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ( 2 ) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ( 3 ) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ( 4 ) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ( 5 ) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ( 6 ) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 8 ) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ( 9 ) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( 10 ) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ( 11 ) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) قَالَ : الْمَلَائِكَةُ .
297
قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَأَبِي الضُّحَى وَمُجَاهِدٍ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ - وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، مِثْلُ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ الرُّسُلُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ . وَهَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي " الْعَاصِفَاتِ " وَ " النَّاشِرَاتِ " [ وَ " الْفَارِقَاتِ " ] وَ " الْمُلْقِيَاتِ " : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، عَنْ ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) قَالَ : الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ فِي : ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) إِنَّهَا الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُرْسِلَتْ بِالْعُرْفِ ، أَوْ كَعُرْفِ الْفَرَسِ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟ أَوْ : هِيَ الرِّيَاحُ إِذَا هَبَّتْ شَيْئًا فَشَيْئًا ؟ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْعَاصِفَاتِ عَصْفًا هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْعَاصِفَاتِ أَيْضًا : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالسُّدِّيُّ ، وَتَوَقَّفَ فِي ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الرِّيحُ ؟ كَمَا تَقَدَّمَ . وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ : أَنَّ النَّاشِرَاتِ نَشْرًا : الْمَطَرُ .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ : " الْمُرْسَلَاتِ " هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) [ الْحِجْرِ : 22 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) [ الْأَعْرَافِ : 57 ] وَهَكَذَا الْعَاصِفَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ ، يُقَالُ : عَصَفَتِ الرِّيحُ إِذَا هَبَّتْ بِتَصْوِيتٍ ، وَكَذَا النَّاشِرَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ ، كَمَا يَشَاءُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يَعْنِي : الْمَلَائِكَةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ . وَلَا خِلَافَ هَاهُنَا ; فَإِنَّهَا تَنْزِلَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الرُّسُلِ ، تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْهُدَى وَالْغَيِّ ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَتُلْقِي إِلَى الرُّسُلِ وَحْيًا فِيهِ إِعْذَارٌ إِلَى الْخَلْقِ ، وَإِنْذَارٌ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ) هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ ، أَيْ : مَا وُعِدْتُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ ، وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ وَجَمْعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَمُجَازَاةِ كُلِّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، إِنَّ هَذَا كُلَّهُ ) لَوَاقِعٌ ) أَيْ : لَكَائِنٌّ لَا مَحَالَةَ .
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) أَيْ : ذَهَبَ ضَوْؤُهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) [ التَّكْوِيرِ : 2 ] وَكَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ) [ الِانْفِطَارِ : 2 ] .
( وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ) أَيِ : انْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ ، وَتَدَلَّتْ أَرْجَاؤُهَا ، وَوَهَتْ أَطْرَافُهَا .
( وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ) أَيْ : ذُهِبَ بِهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ ، كَقَوْلِهِ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ) [ طَهَ : 105 - 107 ] 298 وَقَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) [ الْكَهْفِ : 47 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جُمِعَتْ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ) [ الْمَائِدَةِ : 109 ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( أُقِّتَتْ ) أُجِّلَتْ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( أُقِّتَتْ ) أَوْعِدَتْ . وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَقَوْلِهِ : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) [ الزُّمَرِ : 69 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) يَقُولُ تَعَالَى : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتِ الرُّسُلُ وَأُرْجِئَ أَمْرُهَا ؟ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 47 ، 48 ] وَهُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ ، كَمَا قَالَ ( لِيَوْمِ الْفَصْلِ )
ثُمَّ قَالَ مُعَظِّمًا لِشَأْنِهِ : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ غَدًا . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ " وَيْلٌ " : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ . وَلَا يَصِحُّ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith