تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 205 · printed p. 646
( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) )
يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا ، وَحِفْظِ حُدُودِهَا وَأَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ۝ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " . قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ الدُّنْيَا ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ فَرْوَةَ وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ الْأَعْمَالَ ، فَقَالَ : ۝ إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ :
وَخَصَّ تَعَالَى مِنْ بَيْنِهَا بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِيهَا : أَيُّ 646 صَلَاةٍ هِيَ ؟ فَقِيلَ : إِنَّهَا الصُّبْحُ . حَكَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَاغًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ [ قَالَ : مَالِكٌ : وَذَلِكَ رَأْيِي ] . وَقَالَ هُشَيْمٌ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَغُنْدَرٌ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَشَرِيكٌ وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْفَجْرَ ، فَقَنَتَ فِيهَا ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ ، فَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَقَالَ : هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدَّامِغَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فَقُلْتُ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى جَانِبِي : مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ؟ قَالَ : هَذِهِ الصَّلَاةُ .
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : أَنَّهُ صَلَّى مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ ، قُلْتُ لَهُمْ : أَيَّتُهُنَّ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ؟ قَالُوا : الَّتِي قَدْ صَلَّيْتُهَا قَبْلُ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَتَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى : صَلَاةُ الصُّبْحِ .
وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) وَالْقُنُوتُ عِنْدَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . [ وَنَقَلَهُ الدِّمْيَاطِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَمُعَاذٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ عَلَى خِلَافٍ مِنْهُمْ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ] .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ الْوُسْطَى بِاعْتِبَارٍ أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ ، وَهِيَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ رُبَاعِيَّتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ . وَتَرُدُّ الْمَغْرِبُ . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ لَيْلٍ جَهْرِيَّتَيْنِ ، وَصَلَاتَيْ نَهَارٍ سِرِّيَّتَيْنِ .
وَقِيلَ : إِنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ 647 يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو عَنْ زُهْرَةَ يَعْنِي ابْنَ مَعْبَدٍ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أُسَامَةَ ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَقَالَ : هِيَ الظُّهْرُ ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُصَلِّيهَا بِالْهَجِيرِ .
وَقَالَ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، ۝ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشُدُّ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْهَا ، فَنَزَلَتْ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) وَقَالَ : " إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ " ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزِّبْرِقَانِ أَنَّ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ مَرَّ بِهِمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ غُلَامَيْنِ لَهُمْ ; يَسْأَلَانِهِ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَقَالَ : هِيَ الْعَصْرُ . فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْهُمْ فَسَأَلَاهُ ، فَقَالَ : هِيَ الظُّهْرُ . ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَسَأَلَاهُ ، فَقَالَ : هِيَ الظُّهْرُ ; إِنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ ، فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ وَالصَّفَّانِ ، وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ وَفِي تِجَارَتِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ " .
الزِّبْرِقَانُ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ الضَّمْرِيُّ ، لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ ، عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ .
وَقَالَ شُعْبَةُ وَهُمَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى : صَلَاةُ الظُّهْرِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الظُّهْرُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فِي حَدِيثٍ رَفَعَهُ قَالَ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ .
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا الظَّهْرُ : ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَعَائِشَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ . وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ . وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
وَقِيلَ : إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ : هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ . وَقَالَ الْحَافِظُ 648 أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى : " كَشْفُ الْمُغَطَّى ، فِي تَبْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى " : وَقَدْ نَصَرَ فِيهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ ، وَحَكَاهُ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَحَفْصَةَ ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْهُمْ . وَبِهِ قَالَ عَبِيدَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْكَلْبِيُّ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ : وَالشَّافِعِيُّ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ عَلِيٍّ ۝ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، صَلَاةِ الْعَصْرِ ، مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا " . ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ : الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ الضَّرِيرِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، بِهِ .
وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ ، وَالصِّحَاحِ مِنْ طُرُقٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، بِهِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَا يُعْرَفُ سَمَاعَهُ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ : قَالَ قُلْتُ لِعَبِيدَةَ : سَلْ عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : كُنَّا نَرَاهَا الْفَجْرَ أَوِ الصُّبْحَ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : " ۝ شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ أَوْ بُيُوتَهُمْ نَارًا " وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، 649 بِهِ .
وَحَدِيثُ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، وَشَغْلُ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابَهُ عَنْ أَدَاءِ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَئِذٍ ، مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يُطَوُلُ ذِكْرُهُمْ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ رِوَايَةُ مَنْ نَصَّ مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى : هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " صَلَاةُ الْوُسْطَى : صَلَاةُ الْعَصْرِ " .
وَحَدَّثَنَا بَهْزٌ ، وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا أَبَانُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) وَسَمَّاهَا لَنَا أَنَّهَا هِيَ : صَلَاةُ الْعَصْرِ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَرَوْحٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " هِيَ الْعَصْرُ " . قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ : سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ . وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ : وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ .
[ حَدِيثٌ آخَرُ ] : وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى ، بَلْ حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرَشِيُّ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ . قَالَ : أَخْبَرَنِي صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَبَلَانَ ، عَنْ كُهَيْلِ بْنِ حَرْمَلَةَ . قَالَ : ۝ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَقَالَ : اخْتَلَفْنَا فِيهَا كَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا ، وَنَحْنُ بِفِنَاءِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِينَا الرَّجُلُ الصَالِحٍ : أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ : فَقَامَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي بَصِيرٍ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ 650 مَرْوَانَ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ فَقُلْ لَهُ : أَيَّ شَيْءٍ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ؟ فَقَالَ رَجُلٌ جَالِسٌ : أَرْسَلَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ أَسْأَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَأَخَذَ إِصْبَعِيَ الصَّغِيرَةَ فَقَالَ : هَذِهِ الْفَجْرُ ، وَقَبَضَ الَّتِي تَلِيهَا ، فَقَالَ : هَذِهِ الظُّهْرُ . ثُمَّ قَبَضَ الْإِبْهَامَ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْمَغْرِبُ . ثُمَّ قَبَضَ الَّتِي تَلِيهَا ، فَقَالَ : هَذِهِ الْعِشَاءُ . ثُمَّ قَالَ : أَيُّ أَصَابِعِكَ بَقِيَتْ ؟ فَقُلْتُ : الْوُسْطَى . فَقَالَ : أَيُّ الصَّلَاةِ بَقِيَتْ ؟ فَقُلْتُ : الْعَصْرُ . فَقَالَ : هِيَ الْعَصْرُ . غَرِيبٌ أَيْضًا .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ " . إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ " .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ " ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، بِهِ وَلَفْظُهُ : ۝ " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ " الْحَدِيثَ .
فَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا تَحْتَمِلُ شَيْئًا ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ " . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا ، مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ " .
651
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ ، ۝ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ ، يُقَالُ لَهُ : الْمُخَمَّصُ صَلَاةَ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ عُرِضَتْ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَضَيَّعُوهَا ، أَلَا وَمَنْ صَلَّاهَا ضُعِّفَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى تَرَوُا الشَّاهِدَ " .
ثُمَّ قَالَ : رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، بِهِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، ۝ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ قَالَ : أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، قَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) فَآذِنِّي . فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا ، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " قَالَتْ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهَا كَذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ أَيْضًا ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) فَآذِنِّي فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا . فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ نَافِعٍ قَالَ . . . فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : كَمَا حَفِظْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
652
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ حَفْصَةَ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ إِنْسَانًا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، فَقَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) فَآذِنِّي . فَلَمَّا بَلَغَ آذَنَهَا فَقَالَتِ : اكْتُبْ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ مَوْلًى لَهَا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى " فَلَا تَكْتُبْهَا حَتَّى أُمْلِيَهَا عَلَيْكَ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُأَهَا . فَلَمَّا بَلَغَهَا أَمَرَتْهُ فَكَتَبَهَا : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " . قَالَ نَافِعٌ : فَقَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ فَرَأَيْتُ فِيهِ " الْوَاوَ " .
وَكَذَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُمَا قَرَآ كَذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ : كَانَ فِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " . وَتَقْرِيرُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّهُ عَطَفَ صَلَاةَ الْعَصْرِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى بِوَاوِ الْعَطْفِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُهَا وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا إِنْ رُوِيَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ ، فَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَصَحُّ وَأَصْرَحُ مِنْهُ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 55 ] ، ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 75 ] ، أَوْ تَكُونَ لِعَطْفِ الصِّفَاتِ لَا لِعَطْفِ الذَّوَاتِ ، كَقَوْلِهِ : ( وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) [ الْأَحْزَابِ : 40 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ) [ الْأَعْلَى 14 ] وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ ﴿﴾
وَقَالَ أَبُو دُؤَادٍ الْإِيَادِيُّ :
﴿﴾ سَلَّطَ الْمَوْتَ وَالْمَنُونَ عَلَيْهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَهُمْ فِي صَدَى الْمَقَابِرِ هَامُ ﴿﴾
وَالْمَوْتُ هُوَ الْمَنُونُ ; قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعَبَّادِيُّ :
﴿﴾ فَقَدَّمْتُ الْأَدِيمَ لِرَاهِشِيهِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا ﴿﴾
وَالْكَذِبُ : هُوَ الْمَيْنُ ، وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ شَيْخُ النُّحَاةِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْقَائِلِ : مَرَرْتُ بِأَخِيكَ وَصَاحِبِكَ ، وَيَكُونُ الصَّاحِبُ هُوَ الْأَخَ نَفْسَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
653
وَأَمَّا إِنْ رُوِيَ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ ، فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قُرْآنٌ ; وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ ، وَلَا قَرَأَ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ تَثْبُتُ الْحُجَّةُ بِقِرَاءَتِهِمْ ، لَا مِنَ السَّبْعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ . ثُمَّ قَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ هَذِهِ التِّلَاوَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : نَزَلَتْ : " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ " فَقَرَأْنَاهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَنْزَلَ : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) فَقَالَ لَهُ زَاهِرٌ رَجُلٌ كَانَ مَعَ شَقِيقٍ : أَفَهِيَ الْعَصْرُ ؟ قَالَ : قَدْ حَدَّثْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ مُسْلِمٌ : وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ شَقِيقٍ .
قُلْتُ : وَشَقِيقٌ هَذَا لَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ التِّلَاوَةُ ، وَهِيَ تِلَاوَةُ الْجَادَّةِ ، نَاسِخَةً لِلَفْظِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ، وَلِمَعْنَاهَا ، إِنْ كَانَتِ الْوَاوُ دَالَّةً عَلَى الْمُغَايَرَةِ ، وَإِلَّا فَلِلَفْظِهَا فَقَطْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقِيلَ : إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْجُمَاهِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَاةُ الْوُسْطَى : الْمَغْرِبُ . وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . وَوَجَّهَ هَذَا الْقَوْلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا : وُسْطَى فِي الْعَدَدِ بَيْنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّنَائِيَّةِ ، وَبِأَنَّهَا وِتْرُ الْمَفْرُوضَاتِ ، وَبِمَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْفَضِيلَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقِيلَ : إِنَّهَا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ ، اخْتَارَهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَشْهُورِ : وَقِيلَ : هِيَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ ، لَا بِعَيْنِهَا ، وَأُبْهِمَتْ فِيهِنَّ ، كَمَا أُبْهِمَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْحَوْلِ أَوِ الشَّهْرِ أَوِ الْعَشْرِ . وَيُحْكَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ فِي نِهَايَتِهِ .
وَقِيلَ : بَلِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى مَجْمُوعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي صِحَّتِهِ أَيْضًا نَظَرٌ وَالْعَجَبُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمِرِيُّ ، إِمَامُ مَا وَرَاءَ الْبَحْرِ ، وَإِنَّهَا لِإِحْدَى الْكُبَرِ ، إِذِ اخْتَارَهُ مَعَ اطِّلَاعِهِ وَحِفْظِهِ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا أَثَرٍ . وَقِيلَ : إِنَّهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ ، وَقِيلَ : بَلْ هِيَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ . وَقِيلَ : صَلَاةُ الْجُمُعَةِ . وَقِيلَ : صَلَاةُ الْخَوْفِ . وَقِيلَ : بَلْ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ . وَقِيلَ : بَلْ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى . وَقِيلَ : الْوِتْرُ . وَقِيلَ : الضُّحَى . وَتَوَقَّفَ فِيهَا آخَرُونَ لَمَّا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُمُ الْأَدِلَّةُ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وَجْهُ التَّرْجِيحِ . وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، بَلْ لَمْ يَزَلِ التَّنَازُعُ فِيهَا مَوْجُودًا مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَإِلَى الْآنَ .
654
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ مُثَنَّى ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ .
[ وَقَدْ حَكَى فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلًا عَنْ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ : أَنَّهَا لَمْ يَرِدْ بَيَانُهَا ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ إِبْهَامُهَا ، كَمَا أُبْهِمَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَسَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَقْتُ الْمَوْتِ عَلَى الْمُكَلَّفِ ; لِيَكُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مُسْتَعِدًّا ، وَكَذَا أُبْهِمَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا مِنَ السَّمَاءِ وَبَاءٌ لِيَحَذَرَهَا النَّاسُ ، وَيُعْطُوا الْأُهْبَةَ دَائِمًا ، وَكَذَا وَقْتُ السَّاعَةِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ; فَلَا تَأْتِي إِلَّا بَغْتَةً ] .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِيهَا ضَعْفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ وَمُعْتَرَكُ النِّزَاعِ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ . وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ " فَضَائِلِ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا أَبِي ، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ يَحْيَى التُّجِيبِيَّ يَقُولُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا قُلْتُ فَكَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ قَوْلِي مِمَّا يَصِحُّ ، فَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، وَلَا تُقَلِّدُونِي . وَكَذَا رَوَى الرَّبِيعُ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ مُوسَى أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ أَبِي الْجَارُودِ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَقُلْتُ قَوْلًا فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْ قَوْلِي وَقَائِلٌ بِذَلِكَ . فَهَذَا مِنْ سِيَادَتِهِ وَأَمَانَتِهِ ، وَهَذَا نَفْسُ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ آمِينَ . وَمِنْ هَاهُنَا قَطَعَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ صَلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَصَّ فِي الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا الصُّبْحُ ، لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا الْعَصْرُ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَدِّثِي الْمَذْهَبِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعَصْرُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَصَمَّمُوا عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ قَوْلًا وَاحِدًا . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ ، وَلِتَقْرِيرِ الْمُعَارَضَاتِ وَالْجَوَابَاتِ مَوْضِعٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا ، وَقَدْ أَفْرَدْنَاهُ عَلَى حِدَةٍ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) أَيْ : خَاشِعِينَ ذَلِيلِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَهَذَا الْأَمْرُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ، لِمُنَافَاتِهِ إِيَّاهَا ; وَلِهَذَا لَمَّا امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، اعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَقَالَ . " ۝ إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا " ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ [ السُّلَمِيِّ ] حِينَ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ : ۝ " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَذِكْرُ اللَّهِ " .
655
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، ۝ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْحَاجَةِ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى ابْنِ مَاجَهْ ، بِهِ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، بِهِ .
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ ، قَالَ : ۝ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : " إِنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ " .
وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ قَدِمَ ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) مَدَنِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِقَوْلِهِ : " كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الصَّلَاةِ " الْإِخْبَارَ عَنْ جِنْسِ النَّاسِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِحَسْبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَقَدْ أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ ، وَحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَيْضًا أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ، عَنِ الْمُسَيَّبِ ، ۝ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ ، فَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، أَيُّهَا الْمُسَلِّمُ ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ فَاقْنُتُوا وَلَا تَكَلَّمُوا " .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) لَمَّا أَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، وَالْقِيَامِ بِحُدُودِهَا ، وَشَدَّدَ الْأَمْرَ بِتَأْكِيدِهَا ذَكَرَ الْحَالَ الَّتِي يَشْتَغِلُ الشَّخْصُ فِيهَا عَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ ، وَهِيَ حَالُ الْقِتَالِ وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ فَقَالَ : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ) أَيْ : فَصَلُّوا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، رِجَالًا أَوْ رُكْبَانَا : يَعْنِي : مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ 656 وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَصَفَهَا . ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، أَوْ رُكْبَانَا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا . قَالَ نَافِعٌ : لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ وَمُسْلِمٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْوَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا تُومِئُ إِيمَاءً .
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ وَكَانَ نَحْوَ عَرَفَةَ أَوْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا وَاجَهَهُ حَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ قَالَ : فَخَشِيتُ أَنْ تَفُوتَنِي فَجَعَلْتُ أُصَلِّي وَأَنَا أُومِئُ إِيمَاءً . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَهَذَا مِنْ رُخَصِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لِعِبَادِهِ وَوَضْعِهِ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ عَنْهُمْ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يُصَلِّي الرَّاكِبُ عَلَى دَابَّتِهِ وَالرَّاجِلُ عَلَى رِجْلَيْهِ . قَالَ : وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَكَمِ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ نَحْوُ ذَلِكَ وَزَادُوا : يُومِئُ بِرَأْسِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إِذَا كَانَتِ الْمُسَايَفَةُ فَلْيُومِئْ بِرَأْسِهِ [ إِيمَاءً ] حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا )
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَعَطِيَّةَ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ . وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ ، إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ تُفْعَلُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ رَكْعَةً وَاحِدَةً إِذَا تَلَاحَمَ الْجَيْشَانِ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْزِلُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ زَادَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ : وَأَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ كِلَاهُمَا عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ الْكُوفِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ۝ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا وَقَتَادَةَ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ ، فَقَالُوا : رَكْعَةٌ . وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْهُمْ سَوَاءً .
657
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : صَلَاةُ الْخَوْفِ . رَكْعَةٌ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : " بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ " وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلُّوا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا . وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَرُ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا . قَالَ أَنَسٌ : وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ اسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ تَأْخِيرِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِعُذْرِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا جَهَّزَهُمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ : ۝ " لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ فَصَلَّوْا وَقَالُوا : لَمْ يُرِدْ مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا تَعْجِيلَ السَّيْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَتْهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْقَوْلِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَوَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فَيُجِيبُونَ بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي جَوَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا حَالٌ نَادِرٌ خَاصٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا بِدَلِيلِ صَنِيعِ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُمَرَ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ وَقَدِ اشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ) أَيْ : أَقِيمُوا صَلَاتَكُمْ كَمَا أُمِرْتُمْ فَأَتِمُّوا رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَقِيَامَهَا وَقُعُودَهَا وَخُشُوعَهَا وَهُجُودَهَا ( كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) أَيْ : مِثْلَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَهَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ وَعَلَّمَكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَقَابِلُوهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ ، كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ : ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) [ النِّسَاءِ : 103 ] وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَصِفَاتِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 102 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith