تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) )
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى هَذَا ، وَالْعَرَبُ تُقَارِضُ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلًّا مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ .
وَ ( الْكِتَابُ ) الْقُرْآنُ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ ، فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَأَغْرَقَ فِي النَّزْعِ ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ .
وَالرَّيْبُ : الشَّكُّ ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
[ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ فِي التُّهْمَةِ قَالَ جَمِيلٌ :
﴿﴾ بُثَيْنَةُ قَالَتْ يَا جَمِيلُ أَرَبْتَنِي ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْتُ كِلَانَا يَا بُثَيْنُ مُرِيبُ ﴿﴾
وَاسْتُعْمِلَ - أَيْضًا - فِي الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
﴿﴾ قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا ﴿﴾ ]
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ - وَهُوَ الْقُرْآنُ - لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ : ( الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ السَّجْدَةِ : 1 ، 2 ] . [ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ ، أَيْ : لَا تَرْتَابُوا فِيهِ ] .
وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ : ( لَا رَيْبَ ) وَيَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ : ( فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) أَوْلَى لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ : ( هُدًى ) صِفَةً لِلْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ كَوْنِ : ( فِيهِ هُدًى ) .
وَ ( هُدًى ) يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى النَّعْتِ ، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ .
163
وَخُصَّتِ الْهِدَايَةُ لِلْمُتَّقِينَ . كَمَا قَالَ : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 44 ] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْعِ بِالْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى ، وَلَكِنْ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْأَبْرَارُ ، كَمَا قَالَ : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ يُونُسَ : 57 ] .
وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) يَعْنِي : نُورًا لِلْمُتَّقِينَ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : تِبْيَانٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) أَيْ : الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ .
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي ، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، قَوْلَهُ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : اتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَدَّوْا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : سَأَلَنِي الْأَعْمَشُ عَنِ الْمُتَّقِينَ ، قَالَ : فَأَجَبْتُهُ . فَقَالَ [ لِي ] سَلْ عَنْهَا الْكَلْبِيَّ ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : نَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ( لِلْمُتَّقِينَ ) هُمُ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ) الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا [ الْبَقَرَةِ : 3 ، 4 ] .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَقِيلٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
164
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، يَعْنِي الرَّازِيَّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ ، يُقَالُ لَهُ : أَبُو عَفِيفٍ ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ : يَا أَبَا عَفِيفٍ ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ؟ قَالَ : بَلَى سَمِعْتُهُ يَقُولُ : يُحْبَسُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الْمُتَّقُونَ ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفٍ مِنَ الرَّحْمَنِ لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَتِرُ . قُلْتُ : مَنِ الْمُتَّقُونَ ؟ قَالَ : قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ ، وَأَخْلَصُوا لِلَّهِ الْعِبَادَةَ ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ .
وَأَصْلُ التَّقْوَى : التَّوَقِّي مِمَّا يَكْرَهُ لِأَنَّ أَصْلَهَا وَقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ . قَالَ النَّابِغَةُ :
﴿﴾ سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ ﴿﴾ ﴿﴾ إِسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٌّ وَمِعْصَمُ ﴿﴾
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقْوَى ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ ؟ قَالَ : بَلَى قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ ؟ قَالَ : شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ ، قَالَ : فَذَلِكَ التَّقْوَى .
وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ :
﴿﴾ خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى ﴿﴾ ﴿﴾ وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى ﴿﴾ ﴿﴾ لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى ﴿﴾
وَأَنْشَدَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمًا :
﴿﴾ يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا ﴿﴾
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنَّ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى هَذَا ، وَالْعَرَبُ تُقَارِضُ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلًّا مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ .
وَ ( الْكِتَابُ ) الْقُرْآنُ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ ، فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَأَغْرَقَ فِي النَّزْعِ ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ .
وَالرَّيْبُ : الشَّكُّ ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
[ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ فِي التُّهْمَةِ قَالَ جَمِيلٌ :
﴿﴾ بُثَيْنَةُ قَالَتْ يَا جَمِيلُ أَرَبْتَنِي ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْتُ كِلَانَا يَا بُثَيْنُ مُرِيبُ ﴿﴾
وَاسْتُعْمِلَ - أَيْضًا - فِي الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
﴿﴾ قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا ﴿﴾ ]
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ - وَهُوَ الْقُرْآنُ - لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ : ( الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ السَّجْدَةِ : 1 ، 2 ] . [ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ ، أَيْ : لَا تَرْتَابُوا فِيهِ ] .
وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ : ( لَا رَيْبَ ) وَيَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ : ( فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) أَوْلَى لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ : ( هُدًى ) صِفَةً لِلْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ كَوْنِ : ( فِيهِ هُدًى ) .
وَ ( هُدًى ) يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى النَّعْتِ ، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ .
163
وَخُصَّتِ الْهِدَايَةُ لِلْمُتَّقِينَ . كَمَا قَالَ : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 44 ] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْعِ بِالْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى ، وَلَكِنْ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْأَبْرَارُ ، كَمَا قَالَ : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ يُونُسَ : 57 ] .
وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) يَعْنِي : نُورًا لِلْمُتَّقِينَ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : تِبْيَانٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) أَيْ : الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ .
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي ، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، قَوْلَهُ : ( لِلْمُتَّقِينَ ) قَالَ : اتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَدَّوْا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : سَأَلَنِي الْأَعْمَشُ عَنِ الْمُتَّقِينَ ، قَالَ : فَأَجَبْتُهُ . فَقَالَ [ لِي ] سَلْ عَنْهَا الْكَلْبِيَّ ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : نَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ( لِلْمُتَّقِينَ ) هُمُ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ) الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا [ الْبَقَرَةِ : 3 ، 4 ] .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَقِيلٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
164
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، يَعْنِي الرَّازِيَّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ ، يُقَالُ لَهُ : أَبُو عَفِيفٍ ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ : يَا أَبَا عَفِيفٍ ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ؟ قَالَ : بَلَى سَمِعْتُهُ يَقُولُ : يُحْبَسُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الْمُتَّقُونَ ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفٍ مِنَ الرَّحْمَنِ لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَتِرُ . قُلْتُ : مَنِ الْمُتَّقُونَ ؟ قَالَ : قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ ، وَأَخْلَصُوا لِلَّهِ الْعِبَادَةَ ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ .
وَأَصْلُ التَّقْوَى : التَّوَقِّي مِمَّا يَكْرَهُ لِأَنَّ أَصْلَهَا وَقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ . قَالَ النَّابِغَةُ :
﴿﴾ سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ ﴿﴾ ﴿﴾ إِسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٌّ وَمِعْصَمُ ﴿﴾
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقْوَى ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ ؟ قَالَ : بَلَى قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ ؟ قَالَ : شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ ، قَالَ : فَذَلِكَ التَّقْوَى .
وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ :
﴿﴾ خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى ﴿﴾ ﴿﴾ وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى ﴿﴾ ﴿﴾ لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى ﴿﴾
وَأَنْشَدَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمًا :
﴿﴾ يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا ﴿﴾
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنَّ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith