تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( 20 ) )
( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 ) )
قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : عِمَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ ، وَقِيَامٌ عَلَى السِّقَايَةِ ، خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ ، وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَعُمَّارُهُ ، فَذَكَرَ اللَّهُ اسْتِكْبَارَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : ( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 66 ، 67 ] يَعْنِي : أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ قَالَ : ( بِهِ سَامِرًا ) كَانُوا يَسْمُرُونَ بِهِ ، وَيَهْجُرُونَ الْقُرْآنَ وَالنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَيَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ وَالْجِهَادَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عِمَارَةِ الْمُشْرِكِينَ الْبَيْتَ وَقِيَامِهِمْ عَلَى السِّقَايَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ إِنْ كَانُوا يُعْمُرُونَ بَيْتَهُ وَيَخْدِمُونَهُ .
قَالَ اللَّهُ : ( لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يَعْنِي : الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِمَارَةِ ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ " ظَالِمِينَ " بِشِرْكِهِمْ ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ الْعِمَارَةُ شَيْئًا .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ 122 عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ : لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ ، لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَنَسْقِي [ الْحَاجَّ ] وَنَفُكُّ الْعَانِيَ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّرْكِ ، وَلَا أَقْبَلُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ : أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ ، الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نُعَمِّرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَنَفُكُّ الْعَانِيَ ، وَنَحْجُبُ الْبَيْتَ ، وَنَسْقِي الْحَاجَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ] ) الْآيَةَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ، وَالْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي صَخْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ ، مَعِي مِفْتَاحُهُ ، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ . وَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا ، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِي الْمَسْجِدِ . فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ ، وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ) الْآيَةَ كُلَّهَا .
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : افْتَخَرَ عَلِيٌّ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ ، وَشَيْبَةَ ، تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : مَا أَرَانِي إِلَّا تَارِكٌ سِقَايَتَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتِكُمْ ، فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ :
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [ عَنْ رَجُلٍ ] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ . وَقَالَ آخَرُ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . وَقَالَ آخَرُ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ . 123 فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ دَخَلْنَا عَلَيْهِ . فَنَزَلَتْ ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ )
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ . وَقَالَ آخَرُ : بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَقَالَ آخَرُ : بَلِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ . فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ . قَالَ : فَفَعَلَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ - وَابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا لَفْظُهُ - وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 ) )
قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : عِمَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ ، وَقِيَامٌ عَلَى السِّقَايَةِ ، خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ ، وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَعُمَّارُهُ ، فَذَكَرَ اللَّهُ اسْتِكْبَارَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : ( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 66 ، 67 ] يَعْنِي : أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ قَالَ : ( بِهِ سَامِرًا ) كَانُوا يَسْمُرُونَ بِهِ ، وَيَهْجُرُونَ الْقُرْآنَ وَالنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَيَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ وَالْجِهَادَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عِمَارَةِ الْمُشْرِكِينَ الْبَيْتَ وَقِيَامِهِمْ عَلَى السِّقَايَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ إِنْ كَانُوا يُعْمُرُونَ بَيْتَهُ وَيَخْدِمُونَهُ .
قَالَ اللَّهُ : ( لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يَعْنِي : الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِمَارَةِ ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ " ظَالِمِينَ " بِشِرْكِهِمْ ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ الْعِمَارَةُ شَيْئًا .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ 122 عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ : لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ ، لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَنَسْقِي [ الْحَاجَّ ] وَنَفُكُّ الْعَانِيَ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّرْكِ ، وَلَا أَقْبَلُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ : أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ ، الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نُعَمِّرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَنَفُكُّ الْعَانِيَ ، وَنَحْجُبُ الْبَيْتَ ، وَنَسْقِي الْحَاجَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ] ) الْآيَةَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ، وَالْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي صَخْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ ، مَعِي مِفْتَاحُهُ ، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ . وَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا ، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِي الْمَسْجِدِ . فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ ، وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ) الْآيَةَ كُلَّهَا .
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : افْتَخَرَ عَلِيٌّ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ ، وَشَيْبَةَ ، تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : مَا أَرَانِي إِلَّا تَارِكٌ سِقَايَتَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتِكُمْ ، فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ :
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [ عَنْ رَجُلٍ ] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ . وَقَالَ آخَرُ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . وَقَالَ آخَرُ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ . 123 فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ دَخَلْنَا عَلَيْهِ . فَنَزَلَتْ ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ )
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ . وَقَالَ آخَرُ : بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَقَالَ آخَرُ : بَلِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ . فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ . قَالَ : فَفَعَلَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ - وَابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا لَفْظُهُ - وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith