تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 747 · printed p. 292
( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ( 92 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ إِغْرَاقِهِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ ؛ فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُمْ - فِيمَا قِيلَ - سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ سِوَى الذُّرِّيَّةِ ، وَقَدْ كَانُوا اسْتَعَارُوا مِنَ الْقِبْطِ حُلِيًّا كَثِيرًا ، فَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ ، فَاشْتَدَّ حَنَقُ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ ، فَأَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَجْمَعُونَ لَهُ جُنُودَهُ مِنْ أَقَالِيمِهِ ، فَرَكَبَ وَرَاءَهُمْ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَجُيُوشٍ هَائِلَةٍ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ دَوْلَةٌ وَسُلْطَانٌ فِي سَائِرِ مَمْلَكَتِهِ ، فَلَحِقُوهُمْ وَقْتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ ، ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 61 ] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا انْتَهَوْا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، وَأَدْرَكَهُمْ فِرْعَوْنُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَتَقَاتَلَ الْجَمْعَانِ ، وَأَلَحَّ أَصْحَابُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ كَيْفَ الْمَخْلَصُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَسْلُكَ هَاهُنَا ، ( كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) [ الشُّعَرَاءِ : 62 ] 292 فَعِنْدَمَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ ، فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ الْبَحْرُ ، ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) [ الشُّعَرَاءِ : 63 ] أَيْ : كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ ، وَصَارَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ وَاحِدٌ . وَأَمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَنَشَّفَتْ أَرْضَهُ ، ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) [ طه : 77 ] وَتَخَرَّقَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَهَيْئَةِ الشَّبَابِيكِ ، لِيَرَى كُلُّ قَوْمِ الْآخَرِينَ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّهُمْ هَلَكُوا . وَجَازَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، فَلَمَّا خَرَجَ آخِرُهُمْ مِنْهُ انْتَهَى فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ إِلَى حَافَّتِهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ فِي مِائَةِ أَلْفِ أَدْهَمَ سِوَى بَقِيَّةِ الْأَلْوَانِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ هَالَهُ وَأَحْجَمَ وَهَابَ وَهَمَّ بِالرُّجُوعِ ، وَهَيْهَاتَ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ، نَفَذَ الْقَدَرُ ، وَاسْتُجِيبَتِ الدَّعْوَةُ . وَجَاءَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى فَرَسٍ - وَدِيقٍ حَائِلٍ - فَمَرَّ إِلَى جَانِبِ حِصَانِ فِرْعَوْنَ فَحَمْحَمَ إِلَيْهَا وَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ وَدَخَلَهُ ، فَاقْتَحَمَ الْحِصَانُ وَرَاءَهُ ، وَلَمْ يَبْقَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَتَجَلَّدَ لِأُمَرَائِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : لَيْسَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَحَقَّ بِالْبَحْرِ مِنَّا ، فَاقْتَحَمُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَمِيكَائِيلُ فِي سَاقَتِهِمْ ، لَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ ، إِلَّا أَلْحَقَهُ بِهِمْ . فَلَمَّا اسْتَوْسَقُوا فِيهِ وَتَكَامَلُوا ، وَهَمَّ أَوَّلُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ ، أَمَرَ اللَّهُ الْقَدِيرُ الْبَحْرَ أَنْ يَرْتَطِمَ عَلَيْهِمْ ، فَارْتَطَمَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَجَعَلَتِ الْأَمْوَاجُ تَرْفَعُهُمْ وَتَخْفِضُهُمْ ، وَتَرَاكَمَتِ الْأَمْوَاجُ فَوْقَ فِرْعَوْنَ ، وَغَشِيَتْهُ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ : ( آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) فَآمَنَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ الْإِيمَانُ ، ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) [ غَافِرٍ : 84 ، 85 ] .
وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوَابِ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ مَا قَالَ : ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) أَيْ : أَهَذَا الْوَقْتُ تَقُولُ ، وَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ قَبْلَ هَذَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ؟ ( وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) أَيْ : فِي الْأَرْضِ الَّذِينَ أَضَلُّوا النَّاسَ ، ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ) [ الْقَصَصِ : 41 ]
وَهَذَا الَّذِي حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا فِي حَالِهِ ذَاكَ مِنْ أَسْرَارِ الْغَيْبِ الَّتِي أَعْلَمَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ : ( آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ) قَالَ : قَالَ لِي جِبْرِيلُ : [ يَا مُحَمَّدُ ] لَوْ رَأَيْتَنِي وَقَدْ أَخَذْتُ [ حَالًا ] مِنْ حَالِ الْبَحْرِ ، فَدَسَسْتُهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ " 293
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ لِي جِبْرِيلُ : لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخِذٌ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ ، فَأَدُسُّهُ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ " . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا ، وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ وَعَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - وَكَأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَرْفَعْهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ ، أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ : ( آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ) قَالَ : فَخَافَ جِبْرِيلُ أَنْ تَسْبِقَ رَحْمَةُ اللَّهِ فِيهِ غَضَبَهُ ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ الْحَالَ بِجَنَاحَيْهِ فَيَضْرِبُ بِهِ وَجْهَهُ فَيَرْمُسُهُ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ ، بِهِ مَوْقُوفًا
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ۝ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ لِي جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَغُطُّهُ وَأَدُسُّ مِنَ الْحَالِ فِي فِيهِ ، مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ فَيَغْفِرَ لَهُ " يَعْنِي : فِرْعَوْنَ
كَثِيرُ بْنُ زَاذَانَ هَذَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا أَعْرِفُهُ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ : مَجْهُولٌ ، وَبَاقِي رِجَالِهِ ثِقَاتٌ . 294
وَقَدْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ : قَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ . وَنُقِلَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ : أَنَّهُ خَطَبَ بِهَذَا لِلنَّاسِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَكُّوا فِي مَوْتِ فِرْعَوْنَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَحْرَ أَنْ يُلْقِيَهُ بِجَسَدِهِ بِلَا رُوحٍ ، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ الْمَعْرُوفَةُ [ بِهِ ] عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ ، لِيَتَحَقَّقُوا مَوْتَهُ وَهَلَاكَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ) أَيْ : نَرْفَعُكَ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ ، ( بِبَدَنِكَ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : بِجَسَدِكَ . وَقَالَ الْحَسَنُ : بِجِسْمٍ لَا رُوحَ فِيهِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَوِيًّا صَحِيحًا ، أَيْ : لَمْ يَتَمَزَّقْ لِيَتَحَقَّقُوهُ وَيَعْرِفُوهُ . وَقَالَ أَبُو صَخْرٍ : بِدِرْعِكَ
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) أَيْ : لِتَكُونَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ دَلِيلًا عَلَى مَوْتِكَ وَهَلَاكِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ بِيَدِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ؛ وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُ السَّلَفِ : " لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَقَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ " أَيْ : لَا يَتَّعِظُونَ بِهَا ، وَلَا يَعْتَبِرُونَ . وَقَدْ كَانَ [ إِهْلَاكُ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ] يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَالْيَهُودُ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا : هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : " أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ ، فَصُومُوهُ "

■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith