تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 807 · printed p. 362
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَعْلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، مِنْ إِيمَانٍ أَوْ كُفْرَانٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) [ يُونُسَ : 99 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أَيْ : وَلَا يَزَالُ الْخُلْفُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَآرَائِهِمْ .
قَالَ عِكْرِمَةُ : ( مُخْتَلِفِينَ ) فِي الْهُدَى . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( مُخْتَلِفِينَ ) فِي الرِّزْقِ ، يُسَخِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَالْمَشْهُورُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أَيْ : إِلَّا الْمَرْحُومِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ ، الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ . أَخْبَرَتْهُمْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ ، حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُمِّيُّ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ ، فَاتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ ، وَنَصَرُوهُ وَوَازَرُوهُ ، فَفَازُوا بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ; لِأَنَّهُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ ، مِنْ طَرْقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا : ۝ " إِنَّ الْيَهُودَ افْتَرَقَتْ عَلَى 362 إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَإِنَّ النَّصَارَى افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةَ وَاحِدَةً " . قَالُوا : وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " .
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ
وَقَالَ عَطَاءٌ : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) يَعْنِي : الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) يَعْنِي : الْحَنِيفِيَّةَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَهْلُ رَحْمَةِ اللَّهِ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دِيَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ ، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِهِ أَهْلُ فِرْقَةٍ ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ دِيَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ ، كَقَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) [ هُودٍ : 105 ] .
وَقِيلَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ طَاوُسٍ; أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فَأَكْثَرَا فَقَالَ طَاوُسٌ : اخْتَلَفْتُمَا فَأَكْثَرْتُمَا ! فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ : لِذَلِكَ خُلِقْنَا . فَقَالَ طَاوُسٌ : كَذَبْتَ . فَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) قَالَ : لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَخْتَلِفُوا ، وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ لِلْجَمَاعَةِ وَالرَّحْمَةَ . كَمَا قَالَ الْحُكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْعَذَابِ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ . وَيَرْجِعُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذَّارِيَاتِ : 56 ] .
وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ : وَلِلرَّحْمَةِ وَالِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) قَالَ : النَّاسُ مُخْتَلِفُونَ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى ، ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) فَمِنْ رَحِمَ رَبُّكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ . قِيلَ لَهُ : فَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ [ قَالَ ] خَلَقَ هَؤُلَاءِ لَجَنَّتِهِ ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِنَارِهِ ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِرَحْمَتِهِ ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ .
وَكَذَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالْأَعْمَشُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) قَالَ : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ . 363
وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ .
وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ : ( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) قَالَ : لِلرَّحْمَةِ ، وَقَالَ قَوْمٌ : لِلِاخْتِلَافِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهُ ، لِعِلْمِهِ التَّامِّ وَحِكْمَتِهِ النَّافِذَةِ ، أَنَّ مِمَّنْ خَلَقَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْ هَذَيْنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتِ الْجَنَّةُ : مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضَعَفَةُ النَّاسِ وَسَقْطُهُمْ ؟ وَقَالَتِ النَّارَ : أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ . فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ ، أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ . وَقَالَ لِلنَّارِ : أَنْتَ عَذَابِي ، أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ أَشَاءُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا . فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَلَا يَزَالُ فِيهَا فَضْلٌ ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا يَسْكُنُ فَضْلَ الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَزَالُ تَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ رَبُّ الْعِزَّةِ قَدَّمَهُ ، فَتَقُولُ : قَطٍ قَطٍ ، وَعَزَّتِكُ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith