تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 922 · printed p. 536
( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ( 42 ) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْلِيسَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّبِّ : ( بِمَا أَغْوَيْتَنِي ) قَالَ بَعْضُهُمْ : أَقْسَمَ بِإِغْوَاءِ اللَّهِ لَهُ .
قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِسَبَبِ مَا أَغْوَيْتَنِي وَأَضْلَلْتَنِي ( لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ) أَيْ : لِذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( فِي الْأَرْضِ ) أَيْ : أُحَبِّبُ إِلَيْهِمُ الْمَعَاصِيَ وَأُرَغِّبُهُمْ فِيهَا ، وَأُؤَزِّهُمْ إِلَيْهَا ، وَأُزْعِجُهُمْ إِزْعَاجًا ، ( وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ ) أَيْ : كَمَا أَغْوَيْتَنِي ونَدَّرْتَ عَلَى ذَلِكَ ، ( أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) كَمَا قَالَ ( أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 62 ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مُتَهَدِّدًا وَمُتَوَعِّدًا ( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : مَرْجِعُكُمْ كُلُّكُمْ إِلَيَّ ، فَأُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) [ الْفَجْرِ : 14 ]
وَقِيلَ : طَرِيقُ الْحَقِّ مَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ كَمَا قَالَ : ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) [ النَّحْلِ : 9 ]
وَقَرَأَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةُ : " هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ " كَقَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) [ الزُّخْرُفِ : 4 ] أَيْ : رَفِيعٌ . وَالْمَشْهُورُ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) أَيِ : الَّذِينَ قَدَّرْتُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ ، فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا وُصُولَ لَكَ إِلَيْهِمْ ، ( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ .
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ قَالَ : كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَكُونُ لَهُمْ مَسَاجِدُ خَارِجَةً مِنْ قُرَاهُمْ ، فَإِذَا أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْبِئَ رَبَّهُ عَنْ شَيْءٍ ، خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَصَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ، ثُمَّ سَأَلَ مَا بَدَا لَهُ ، فَبَيْنَا نَبِيٌّ فِي مَسْجِدِهِ إِذْ جَاءَ عَدُوُّ اللَّهِ - يَعْنِي - : إِبْلِيسُ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . [ فَقَالَ 536 عَدُوُّ اللَّهِ : أَرَأَيْتَ الَّذِي تَعُوذُ مِنْهُ ؟ فَهُوَ هُوَ . فَقَالَ النَّبِيُّ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ] قَالَ : فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ عَدُوُّ اللَّهِ : أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ تَنْجُو مِنِّي ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : بَلْ أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ تَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ مَرَّتَيْنِ ؟ فَأَخَذَ كُلُّ [ وَاحِدٍ ] مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُولَدَ . قَالَ النَّبِيُّ : وَيَقُولُ اللَّهُ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ الْأَعْرَافِ : 200 ] وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحْسَسْتُ بِكَ قَطُّ إِلَّا اسْتَعَذْتُ بِاللَّهِ مِنْكَ . قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ : صَدَقْتَ ، بِهَذَا تَنْجُو مِنِّي . فَقَالَ النَّبِيُّ : " أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ تَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ " ؟ قَالَ : آخُذُهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْهَوَى
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) أَيْ : جَهَنَّمُ مَوْعِدُ جَمِيعِ مَنِ اتَّبَعَ إِبْلِيسَ ، كَمَا قَالَ عَنِ الْقُرْآنِ : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) [ هُودٍ : 17 ]
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ : ( لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) أَيْ : قَدْ كَتَبَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَتْبَاعِ إِبْلِيسَ يَدْخُلُونَهُ ، لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ - أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا - وَكُلٌّ يَدْخُلُ مِنْ بَابٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ، وَيَسْتَقِرُّ فِي دَرْكٍ بِقَدْرِ فِعْلِهِ .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَشُعْبَةُ كِلَاهُمَا ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْغَنَوِيِّ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ : إِنَّ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ هَكَذَا - قَالَ أَبُو هَارُونَ : أَطْبَاقًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنَ يَرِيمَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَبْوَابُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، فَيَمْتَلِئُ الْأَوَّلُ ، ثُمَّ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثُ ، حَتَّى تُمْلَأَ كُلُّهَا
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ) سَبْعَةُ أَطْبَاقٍ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ( سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ) أَوَّلُهَا جَهَنَّمُ ، ثُمَّ لَظَى ، ثُمَّ الْحُطَمَةُ ، ثُمَّ سَعِيرٌ ، ثُمَّ سَقَرُ ، ثُمَّ الْجَحِيمُ ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ .
وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ . وَكَذَا [ رُوِيَ ] عَنِ الْأَعْمَشِ بِنَحْوِهِ أَيْضًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) وَهِيَ وَاللَّهِ مَنَازِلُ بِأَعْمَالِهِمْ ، رَوَاهُنَّ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ جِوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) قَالَ : بَابٌ لِلْيَهُودِ ، 537 وَبَابٌ لِلنَّصَارَى ، وَبَابٌ لِلصَّابِئِينَ ، وَبَابٌ لِلْمَجُوسِ ، وَبَابٌ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا - وَهُمْ كُفَّارُ الْعَرَبِ - وَبَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ ، وَبَابٌ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ ، فَأَهْلُ التَّوْحِيدِ يُرْجَى لَهُمْ وَلَا يُرْجَى لِأُولَئِكَ أَبَدًا .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ جُنَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ : بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ قَالَ : عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ، عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْخَلَّالُ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ - يَعْنِي - ابْنُ يَحْيَى - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ 55 عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) قَالَ : " إِنَّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرَاقِيهِ ، مَنَازِلُ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith