تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 933 · printed p. 547
( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) )
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : كَمَا آتَيْنَاكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ، فَلَا تَنْظُرَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ، وَمَا مَتَّعْنَا بِهِ أَهْلَهَا مِنَ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، فَلَا تَغْبِطْهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ ، وَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ حُزْنًا عَلَيْهِمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ لَكَ ، وَمُخَالَفَتِهِمْ دِينَكَ . ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 215 ] أَيْ : أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [ التَّوْبَةِ : 128 ]
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي : مَا هِيَ ؟
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ . يَعْنُونَ : الْبَقَرَةَ ، وَآلَ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءَ ، وَالْمَائِدَةَ ، وَالْأَنْعَامَ ، وَالْأَعْرَافَ ، وَيُونُسَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَالَ سَعِيدٌ : بَيَّنَ فِيهِنَّ الْفَرَائِضَ ، وَالْحُدُودَ ، وَالْقَصَصَ ، وَالْأَحْكَامَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَيَّنَ الْأَمْثَالَ وَالْخَبَرَ وَالْعِبَرَ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : ( الْمَثَانِي ) الْمُثَنَّى : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَالْأَنْفَالُ وَبَرَاءَةُ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ إِلَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُعْطِيَ مُوسَى مِنْهُنَّ ثِنْتَيْنِ .
رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنِ الْحَجَّاجُ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ .
[ وَ ] قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُوتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي الطُّوَلِ ، وَأُوتِيَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سِتًّا ، فَلَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ ارْتَفَعَ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ أَرْبَعٌ . 547
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ . وَيُقَالُ : هِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ .
وَقَالَ خُصَيْفٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قَالَ : أَعْطَيْتُكَ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ : آمُرُ ، وَأَنْهَى ، وَأُبَشِّرُ وَأُنْذِرُ ، وَأَضْرِبُ الْأَمْثَالَ ، وَأُعَدِّدُ النِّعَمَ ، وَأُنَبِّئُكَ بِنَبَأِ الْقُرْآنِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا الْفَاتِحَةُ ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَالْبَسْمَلَةُ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ ، وَقَدْ خَصَّكُمُ اللَّهُ بِهَا . وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُنَّ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَأَنَّهُنَّ يُثْنَيْنَ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ .
وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا فِي فَضَائِلِ سُورَةِ " الْفَاتِحَةِ " فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَاهُنَا حَدِيثَيْنَ :
أَحَدُهُمَا : قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ : ۝ مَرَّ بِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصَلِّي ، فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي ؟ " . فَقُلْتُ : كُنْتُ أُصَلِّي . فَقَالَ : " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ) [ الْأَنْفَالِ : 24 ] أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ " فَذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجَ ، فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ : " ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الْفَاتِحَةِ : 2 ] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ "
[ وَ ] الثَّانِي : قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، حَدَّثَنَا الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ : السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ "
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، وَلَكِنْ لَا يُنَافِي وَصْفَ غَيْرِهَا مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ بِذَلِكَ ، لِمَا فِيهَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ، كَمَا لَا يُنَافِي وَصْفَ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ بِذَلِكَ أَيْضًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) [ الزُّمَرِ : 23 ] فَهُوَ مَثَانِي مِنْ وَجْهٍ ، وَمُتَشَابِهٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَيْضًا ، كَمَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، فَأَشَارَ إِلَى مَسْجِدِهِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، فَلَا تَنَافِيَ ، فَإِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يَنْفِي 548 ذِكْرَ مَا عَدَاهُ إِذَا اشْتَرَكَا فِي تِلْكَ الصِّفَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) أَيِ : اسْتَغْنَ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ .
وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " إِلَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا عَدَاهُ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ أَضَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَيْفًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ يُصْلِحُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ : يَقُولُ لَكَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ : أَسْلِفْنِي دَقِيقًا إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ . قَالَ : لَا إِلَّا بِرَهْنٍ . فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ فَأَخْبَرْتُهُ ] فَقَالَ : " أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَأَمِينُ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَلَئِنْ أَسْلَفَنِي أَوْ بَاعَنِي لِأُؤَدِّيَنَّ إِلَيْهِ " . فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ . [ طه : 131 ] كَأَنَّهُ يُعَزِّيهِ عَنِ الدُّنْيَا
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) قَالَ : نُهِيَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَمَنَّى مَالَ صَاحِبِهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) هَمُ الْأَغْنِيَاءُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith