الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الثالث
73 كِتَابُ الْعَارِيَةِ
وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعَاوُرِ : وَهُوَ التَّدَاوُلُ وَالتَّنَاوُبُ ، يُقَالُ : تَعَاوَرْنَا الْكَلَامَ بَيْنَنَا : أَيْ تَدَاوَلْنَاهُ ; وَسَمَّى الْعَقْدَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَتَدَاوَلُونَ الْعَيْنَ وَيَتَدَافَعُونَهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ ، أَوْ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ اخْتَصَّتْ بِالْأَعْيَانِ ، وَالْعَارِيَةَ بِالْمَنَافِعِ ، وَسُمِّيَتْ بِهِ لِتَعَرِّيهِ عَنِ الْعِوَضِ .
وَهِيَ عَقْدٌ مُسْتَحَبٌّ شَرْعًا ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ ; وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ قَالَ - تَعَالَى - : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْمُسْلِمِ مَا دَامَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " وَذَمَّ - تَعَالَى - عَلَى مَنْعِهِ فَقَالَ : ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) أَيِ الْعَوَارِي مِنَ الْقِدْرِ وَالْفَأْسِ وَنَحْوِهِ ; وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ " وَاسْتَعَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ; وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ نَوْعَانِ : بِعِوَضٍ ، وَغَيْرِ عِوَضٍ . وَالْأَعْيَانُ قَابِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، فَكَذَا الْمَنَافِعُ بِالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ .
قَالَ : ( وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ) ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : إِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِجَارَةَ مَا 74 اسْتَعَارَ وَهُوَ مِلْكُ الْمَنَافِعِ لِمِلْكِ إِجَارَتِهَا ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ ، وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَةً لَمَا مَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْهَا إِلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ ، وَالْعَارِيَةُ تَمْلِيكٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ ، فَلَوْ جَازَتِ الْإِجَارَةُ يَلْزَمُ الْمُعِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَا رَضِيَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ ، أَوْ نَقُولُ الْإِجَارَةُ أَقْوَى وَأَلْزَمُ مِنَ الْإِعَارَةِ وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعَانِ : حَقِيقَةٌ ، وَمَجَازٌ . فَالْحَقِيقَةُ : إِعَارَةُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . وَالْمَجَازُ : إِعَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ ، فَيَكُونُ إِعَارَةً صُورَةً قَرْضًا مَعْنًى ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِهْلَاكِهِ بِبَدَلٍ ، فَكَانَ تَمْلِيكًا بِبَدَلٍ وَهُوَ الْقَرْضُ ، وَلَوِ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا حَانُوتَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سُمِّيَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَكُونُ قَرْضًا كَاسْتِعَارَةِ الْحُلِيِّ .
قَالَ : ( وَهِيَ أَمَانَةٌ ) لَا يَضْمَنُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ " وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لُغَةً وَشَرْعًا لِمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعَارَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ ; فَقَالَ : لَا بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ " أَيْ وَاجِبَةُ الرَّدِّ مَضْمُونَةٌ بِمَئُونَةِ الرَّدِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ أَعَرْتُكَ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ ( وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ ) لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ ( وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ خِدْمَتُهُ ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ ( وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ وَحَمْلَتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ ) لِمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ ( وَدَارِي لَكَ سُكْنَى ) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ ( أَوْ سُكْنَى عُمْرِي ) أَيْ سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ .
75 قَالَ : ( وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ فَيُمَلِّكُهَا غَيْرَهُ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ .
ثُمَّ الْعَارِيَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ وَالِانْتِفَاعِ كَمَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَا عَيَّنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ فِي أَيِّ مَنْفَعَةٍ شَاءَ ، وَيُرْكِبَ وَيُلْبِسَ غَيْرَهُ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ ، فَلَوْ رَكِبَ هُوَ أَوْ لَبِسَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ غَيْرُهُ لَا يَرْكَبُ هُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا بِأَنِ اسْتَعَارَهُ يَوْمًا لِيَسْتَعْمِلَهُ بِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ غَيْرَهُ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا لِلْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ ، وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ .
وَالثَّالِثُ : إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ مُقَيَّدَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مَتَى شَاءَ .
وَالرَّابِعُ : إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً فِي الْوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً يَوْمًا وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ فِي الْيَوْمِ ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ضَمِنَ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَقِيلَ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ ; لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ يُسْتَفَادُ فَيَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَمَا زَادَ فَالْمُسْتَعِيرُ مُسْتَعْمِلٌ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَيَضْمَنُ .
قَالَ : ( فَإِنْ آجَرَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَيْثُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ غَاصِبًا ( وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِيرَ ) لِمَا بَيَّنَّا ( وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ) ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَهُ مِلْكَهُ ، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَأْجِرَ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ( وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ) إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَارِيَةٌ دَفْعًا لِضَرَرِ الْغَرَرِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ .
قَالَ : ( فَإِنْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَكَانٍ ضَمِنَ بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِتَمَامِهِ 76 فِي الْإِجَارَةِ ( وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَنْفَعَتِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِالرَّدِّ ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ .
قَالَ : ( وَلَوْ أَعَارَ أَرْضَهُ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ ) ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَتُمْلَكُ كَذَلِكَ ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَمْ يُقْبَضْ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ " .
قَالَ : ( وَيُكَلِّفَهُ قَلْعَهُمَا ) ; لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الرُّجُوعُ بَقِيَ الْمُسْتَعِيرُ شَاغِلًا مِلْكَ الْمُعِيرِ فَعَلَيْهِ تَفْرِيغُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا أَصَابَ الْمُسْتَعِيرَ إِنَّمَا أَصَابَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ( وَإِنْ وَقَّتَ وَأَخَذَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ) ; لِأَنَّهُ أَخْلَفَ وَعْدَهُ ( وَيَضْمَنُ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ . وَقَالَ زُفَرُ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ فَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ . وَلَنَا أَنَّهُ غَرَّهُ بِالتَّأْقِيتِ ، إِذِ الظَّاهِرُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ إِذَا أَخْلَفَ ; لِأَنَّ مَا أَصَابَهُ إِنَّمَا أَصَابَهُ مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ ( وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ بِالْأَرْضِ ) فَيُخَيَّرُ الْمُعِيرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ وَهُوَ رَاجِعٌ عَلَى التَّبَعِ ، فَإِنْ قَلَعَهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ إِذَا كَلَّفَهُ الْمُعِيرُ قَلْعَهُمَا قَلَعَهُمَا ، وَيُضَمَّنُ الْمُعِيرُ مَا نَقَصَا بِالْقَلْعِ ; لِأَنَّهُ خَدَعَهُ حَيْثُ ضَمِنَ لَهُ الْوَفَاءَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ وَلَمْ يَفِ لَهُ .
قَالَ : ( فَإِنْ أَعَارَهَا لِلزِّرَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا قَبْلَ حَصْدِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ ) فَتَبْقَى بِالْأُجْرَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْجَانِبَيْنِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْتَعِيرِ وَمُرَاعَاةَ حَقِّ الْمُعِيرِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ مُدَّةً قَلِيلَةً بِخِلَافِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا فَيُقْلَعُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُعِيرِ .
دَخَلَ الْحَمَّامَ وَاسْتَعْمَلَ قِصَاعَ الْحَمَّامِيِّ فَانْكَسَرَتْ ، أَوْ أَخَذَ كُوزَ الْفُقَّاعِ لِيَشْرَبَ فَانْكَسَرَ ، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ إِنَاءً بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ أَوْ لِيَشْرَبَ فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ دَلَالَةً .
77 اسْتَعَارَ كِتَابًا لِيَقْرَأَ فِيهِ فَوَجَدَ فِيهِ خَطَأً ، إِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَكْرَهُ إِصْلَاحَهُ أَصْلَحَهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ : ( وَأُجْرَةُ رَدِّ الْعَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ) ; لِأَنَّ قَبْضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ فَوَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ ، وَالْأُجْرَةُ مَئُونَةُ الرَّدِّ ( وَ ) أُجْرَةُ رَدِّ ( الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْآجِرِ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْقَبْضِ حَصَلَتْ لَهُ وَهِيَ الْأُجْرَةُ فَلَا يَكُونُ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ .
قَالَ : ( وَإِذَا رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى اصْطَبْلِ مَالِكِهَا بَرِئَ ) اسْتِحْسَانًا ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ . وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالرَّدِّ إِلَى الِاصْطَبْلِ ، فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ رَدَّهَا إِلَى الِاصْطَبْلِ ، وَالْمُعْتَادُ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَرَدَّهُ إِلَى دَارِ مَالِكِهِ فَكَذَلِكَ ( وَكَذَا رَدُّ الثَّوْبِ إِلَى دَارِهِ ) لِمَا بَيَّنَّا .
( وَ ) لَوْ رَدَّ الْعَارِيَةَ ( مَعَ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ الْخَاصِّ بَرِئَ ) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَصَارَتْ كَالْوَدِيعَةِ ; وَكَذَا لَوْ رَدَّهَا إِلَى عَبْدِ الْمُعِيرِ أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ بَرِئَ ; لَأَنَّ الْمَالِكَ يَحْفَظُهَا بِهَؤُلَاءِ عَادَةً ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ : الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهَا . وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ كَانَتِ الْعَارِيَةُ شَيْئًا نَفِيسًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ لَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إِلَى هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِطَرْحِهِ فِي الدَّارِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى غِلْمَانِهِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَدِّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَالْمُسْتَعِيرِ ، وَفِي الْغَصْبِ لَا يَبْرَأُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى مَالِكِهِ ; لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ وَاجِبٌ فَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ حَقِيقَةً ، بِخِلَافِ الْعَارِيَةِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .
وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعَاوُرِ : وَهُوَ التَّدَاوُلُ وَالتَّنَاوُبُ ، يُقَالُ : تَعَاوَرْنَا الْكَلَامَ بَيْنَنَا : أَيْ تَدَاوَلْنَاهُ ; وَسَمَّى الْعَقْدَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَتَدَاوَلُونَ الْعَيْنَ وَيَتَدَافَعُونَهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ ، أَوْ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ اخْتَصَّتْ بِالْأَعْيَانِ ، وَالْعَارِيَةَ بِالْمَنَافِعِ ، وَسُمِّيَتْ بِهِ لِتَعَرِّيهِ عَنِ الْعِوَضِ .
وَهِيَ عَقْدٌ مُسْتَحَبٌّ شَرْعًا ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ ; وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ قَالَ - تَعَالَى - : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْمُسْلِمِ مَا دَامَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " وَذَمَّ - تَعَالَى - عَلَى مَنْعِهِ فَقَالَ : ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) أَيِ الْعَوَارِي مِنَ الْقِدْرِ وَالْفَأْسِ وَنَحْوِهِ ; وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ " وَاسْتَعَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ; وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ نَوْعَانِ : بِعِوَضٍ ، وَغَيْرِ عِوَضٍ . وَالْأَعْيَانُ قَابِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، فَكَذَا الْمَنَافِعُ بِالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ .
قَالَ : ( وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ) ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : إِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِجَارَةَ مَا 74 اسْتَعَارَ وَهُوَ مِلْكُ الْمَنَافِعِ لِمِلْكِ إِجَارَتِهَا ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ ، وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَةً لَمَا مَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْهَا إِلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ ، وَالْعَارِيَةُ تَمْلِيكٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ ، فَلَوْ جَازَتِ الْإِجَارَةُ يَلْزَمُ الْمُعِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَا رَضِيَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ ، أَوْ نَقُولُ الْإِجَارَةُ أَقْوَى وَأَلْزَمُ مِنَ الْإِعَارَةِ وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعَانِ : حَقِيقَةٌ ، وَمَجَازٌ . فَالْحَقِيقَةُ : إِعَارَةُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . وَالْمَجَازُ : إِعَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ ، فَيَكُونُ إِعَارَةً صُورَةً قَرْضًا مَعْنًى ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِهْلَاكِهِ بِبَدَلٍ ، فَكَانَ تَمْلِيكًا بِبَدَلٍ وَهُوَ الْقَرْضُ ، وَلَوِ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا حَانُوتَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سُمِّيَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَكُونُ قَرْضًا كَاسْتِعَارَةِ الْحُلِيِّ .
قَالَ : ( وَهِيَ أَمَانَةٌ ) لَا يَضْمَنُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ " وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لُغَةً وَشَرْعًا لِمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعَارَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ ; فَقَالَ : لَا بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ " أَيْ وَاجِبَةُ الرَّدِّ مَضْمُونَةٌ بِمَئُونَةِ الرَّدِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ أَعَرْتُكَ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ ( وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ ) لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ ( وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ خِدْمَتُهُ ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ ( وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ وَحَمْلَتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ ) لِمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ ( وَدَارِي لَكَ سُكْنَى ) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ ( أَوْ سُكْنَى عُمْرِي ) أَيْ سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ .
75 قَالَ : ( وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ فَيُمَلِّكُهَا غَيْرَهُ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ .
ثُمَّ الْعَارِيَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ وَالِانْتِفَاعِ كَمَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَا عَيَّنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ فِي أَيِّ مَنْفَعَةٍ شَاءَ ، وَيُرْكِبَ وَيُلْبِسَ غَيْرَهُ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ ، فَلَوْ رَكِبَ هُوَ أَوْ لَبِسَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ غَيْرُهُ لَا يَرْكَبُ هُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا بِأَنِ اسْتَعَارَهُ يَوْمًا لِيَسْتَعْمِلَهُ بِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ غَيْرَهُ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا لِلْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ ، وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ .
وَالثَّالِثُ : إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ مُقَيَّدَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مَتَى شَاءَ .
وَالرَّابِعُ : إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً فِي الْوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً يَوْمًا وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ فِي الْيَوْمِ ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ضَمِنَ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَقِيلَ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ ; لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ يُسْتَفَادُ فَيَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَمَا زَادَ فَالْمُسْتَعِيرُ مُسْتَعْمِلٌ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَيَضْمَنُ .
قَالَ : ( فَإِنْ آجَرَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَيْثُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ غَاصِبًا ( وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِيرَ ) لِمَا بَيَّنَّا ( وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ) ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَهُ مِلْكَهُ ، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَأْجِرَ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ( وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ) إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَارِيَةٌ دَفْعًا لِضَرَرِ الْغَرَرِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ .
قَالَ : ( فَإِنْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَكَانٍ ضَمِنَ بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِتَمَامِهِ 76 فِي الْإِجَارَةِ ( وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَنْفَعَتِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِالرَّدِّ ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ .
قَالَ : ( وَلَوْ أَعَارَ أَرْضَهُ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ ) ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَتُمْلَكُ كَذَلِكَ ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَمْ يُقْبَضْ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ " .
قَالَ : ( وَيُكَلِّفَهُ قَلْعَهُمَا ) ; لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الرُّجُوعُ بَقِيَ الْمُسْتَعِيرُ شَاغِلًا مِلْكَ الْمُعِيرِ فَعَلَيْهِ تَفْرِيغُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا أَصَابَ الْمُسْتَعِيرَ إِنَّمَا أَصَابَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ( وَإِنْ وَقَّتَ وَأَخَذَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ) ; لِأَنَّهُ أَخْلَفَ وَعْدَهُ ( وَيَضْمَنُ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ . وَقَالَ زُفَرُ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ فَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ . وَلَنَا أَنَّهُ غَرَّهُ بِالتَّأْقِيتِ ، إِذِ الظَّاهِرُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ إِذَا أَخْلَفَ ; لِأَنَّ مَا أَصَابَهُ إِنَّمَا أَصَابَهُ مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ ( وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ بِالْأَرْضِ ) فَيُخَيَّرُ الْمُعِيرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ وَهُوَ رَاجِعٌ عَلَى التَّبَعِ ، فَإِنْ قَلَعَهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ إِذَا كَلَّفَهُ الْمُعِيرُ قَلْعَهُمَا قَلَعَهُمَا ، وَيُضَمَّنُ الْمُعِيرُ مَا نَقَصَا بِالْقَلْعِ ; لِأَنَّهُ خَدَعَهُ حَيْثُ ضَمِنَ لَهُ الْوَفَاءَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ وَلَمْ يَفِ لَهُ .
قَالَ : ( فَإِنْ أَعَارَهَا لِلزِّرَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا قَبْلَ حَصْدِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ ) فَتَبْقَى بِالْأُجْرَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْجَانِبَيْنِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْتَعِيرِ وَمُرَاعَاةَ حَقِّ الْمُعِيرِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ مُدَّةً قَلِيلَةً بِخِلَافِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا فَيُقْلَعُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُعِيرِ .
دَخَلَ الْحَمَّامَ وَاسْتَعْمَلَ قِصَاعَ الْحَمَّامِيِّ فَانْكَسَرَتْ ، أَوْ أَخَذَ كُوزَ الْفُقَّاعِ لِيَشْرَبَ فَانْكَسَرَ ، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ إِنَاءً بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ أَوْ لِيَشْرَبَ فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ دَلَالَةً .
77 اسْتَعَارَ كِتَابًا لِيَقْرَأَ فِيهِ فَوَجَدَ فِيهِ خَطَأً ، إِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَكْرَهُ إِصْلَاحَهُ أَصْلَحَهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ : ( وَأُجْرَةُ رَدِّ الْعَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ) ; لِأَنَّ قَبْضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ فَوَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ ، وَالْأُجْرَةُ مَئُونَةُ الرَّدِّ ( وَ ) أُجْرَةُ رَدِّ ( الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْآجِرِ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْقَبْضِ حَصَلَتْ لَهُ وَهِيَ الْأُجْرَةُ فَلَا يَكُونُ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ .
قَالَ : ( وَإِذَا رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى اصْطَبْلِ مَالِكِهَا بَرِئَ ) اسْتِحْسَانًا ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ . وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالرَّدِّ إِلَى الِاصْطَبْلِ ، فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ رَدَّهَا إِلَى الِاصْطَبْلِ ، وَالْمُعْتَادُ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَرَدَّهُ إِلَى دَارِ مَالِكِهِ فَكَذَلِكَ ( وَكَذَا رَدُّ الثَّوْبِ إِلَى دَارِهِ ) لِمَا بَيَّنَّا .
( وَ ) لَوْ رَدَّ الْعَارِيَةَ ( مَعَ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ الْخَاصِّ بَرِئَ ) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَصَارَتْ كَالْوَدِيعَةِ ; وَكَذَا لَوْ رَدَّهَا إِلَى عَبْدِ الْمُعِيرِ أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ بَرِئَ ; لَأَنَّ الْمَالِكَ يَحْفَظُهَا بِهَؤُلَاءِ عَادَةً ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ : الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهَا . وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ كَانَتِ الْعَارِيَةُ شَيْئًا نَفِيسًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ لَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إِلَى هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِطَرْحِهِ فِي الدَّارِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى غِلْمَانِهِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَدِّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَالْمُسْتَعِيرِ ، وَفِي الْغَصْبِ لَا يَبْرَأُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى مَالِكِهِ ; لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ وَاجِبٌ فَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ حَقِيقَةً ، بِخِلَافِ الْعَارِيَةِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith