المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
الصفحة 1877 · ص. المطبوع 211 · الشرح
211 فَصْلٌ
( وَإِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا ) سُمِّيَ الصُّرَاخُ اسْتِهْلَالًا تَجَوُّزًا ، وَأَصْلُهُ أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ ، صَاحُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ، وَاجْتَمَعُوا ، فَأَرَاهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ عِنْدَ اسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ اسْتِهْلَالًا ، ثُمَّ سُمِّيَ الصَّوْتُ مِنَ الْمَوْلُودِ اسْتِهْلَالًا ; لِأَنَّهُ صَوَّتَ عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ يُجْتَمَعُ لَهُ ، وَيُفْرَحُ بِهِ ، وَفَسَّرَ الْجَوْهَرِيُّ الِاسْتِهْلَالَ بِالصُّرَاخِ ، وَكَذَا الْمُؤَلِّفُ ، لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِ ، وَفِيهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ جُعِلَ حَالًا كَانَ فِيهِ إِشْعَارٌ بِانْفِكَاكِ الِاسْتِهْلَالِ عَنْهُ ، وَكَذَا إِنْ جُعِلَ تَمْيِيزًا ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَالتَّفْسِيرُ يَأْبَاهُ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( وَرِثَ ، وَوَرَّثَ ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، قَالَ : ۝ إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِغَيْرِ الِاسْتِهْلَالِ ، وَفِي لَفْظٍ ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَاقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ۝ قَالَ فِي الصَّبِيِّ إِذَا وَقَعَ صَارِخًا ، فَاسْتَهَلَّ : وَرِثَ وَتَمَّتْ دِيَتُهُ وَسُمِّيَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَقَعَ حَيًّا وَلَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ تَتِمَّ دِيَتُهُ وَفِيهِ غُرَّةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ .
( وَفِي مَعْنَاهُ الْعُطَاسُ وَالتَّنَفُّسُ وَالِارْتِضَاعُ ) وَكَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ ، وَزَادَ الْبُكَاءَ ، رَوَى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَرِثُ السَّقْطُ وَيُورَثُ إِذَا اسْتَهَلَّ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا الِاسْتِهْلَالُ ؛ قَالَ : إِذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى ، فَعَلَى 212 هَذَا : كُلُّ صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ ، فَهُوَ اسْتِهْلَالٌ ، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَالْقَاسِمُ ، لِأَنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ ، أَشْبَهَ الصُّرَاخَ ، وَعَنْهُ : إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرِثَ ، وَثَبَتَ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِلِّ ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي مَعْنَى الِاسْتِهْلَالِ ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُهُ ( وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ ) كَالْبُكَاءِ وَالْحَرَكَةِ الطَّوِيلَةِ ، وَلَوْ قَالَ : وَإِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ كَالْكَافِي لَكَانَ أَوْلَى ، لَكِنْ خَصَّهُ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَرِثُ إِلَّا إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا ، وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ ، وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ يَطَؤُهَا ، لَمْ يَرِثْ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ بِهِ ، الثَّانِي : أَنْ تَضَعَهُ حَيًّا ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ إِجْمَاعًا ( وَأَمَّا الْحَرَكَةُ ) الْيَسِيرَةُ ( وَالِاخْتِلَاجُ فَلَا تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ ) فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ لَا سِيَّمَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَانٍ ضَيِّقٍ ، فَتَضَامَّتْ أَجْزَاؤُهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَانٍ فَسِيحٍ ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ ، فَلَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُسْتَقِرَّةً ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، فَإِنَّ غَالِبَ الْحَيَوَانَاتِ تَتَحَرَّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرَكَةً شَدِيدَةً ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ : إِذَا تَحَرَّكَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ .
( وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ ، فَاسْتَهَلَّ ، ثُمَّ انْفَصَلَ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، وَهُوَ حَيٌّ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ( وَعَنْهُ : يَرِثُ ) لِمَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَنَّهُ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ ( وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا وَأَشْكَلَ ، أُقْرِعَ 213 بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، فَهُوَ الْمُسْتَهِلُّ ، قَالَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا ، فَتَعَيَّنَتِ الْقُرْعَةُ ، كَطَلَاقِ إِحْدَى نِسَائِهِ ، وَالسَّفَرِ بِهَا ، وَالْبَدَاءَةِ بِالْقَسْمِ لَهَا ، وَفِي الْخَبْرِيِّ : لَيْسَ فِي هَذَا عَنِ السَّلَفِ نَصٌّ ، وَقَالَ الْفَرْضِيُّونَ : تُعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْحَالَيْنِ ، وَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الِاحْتِمَالِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَحَلُّهُ مَا اخْتُلِفَ إِذَا مِيرَاثُهُمَا بِأَنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ ، فَلَا فَرْقَ . تَمَامٌ : رَجُلٌ خَلَّفَ أُمَّهُ وَأَخَاهُ وَأُمَّ وَلَدٍ حَامِلًا مِنْهُ ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ ، فَالْجَوَابُ : إِنْ كَانَ الِابْنُ الْمُسْتَهِلُّ ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لَهُ ، تَرِثُ أُمُّهُ الثُّلُثَ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ ، فَعَلَى هَذَا تَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ ، ثَلَاثَةٌ لِأُمِّ الْمَيِّتِ ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ ، وَلِلْعَمِّ عَشَرَةٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الْبِنْتُ فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ ، وَتَمُوتُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : لِأُمِّهَا سَهْمٌ ، وَلِعَمِّهَا سَهْمَانِ ، وَالسِّتَّةُ تَدْخُلُ فِي الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ ، فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةٍ فَسُدُسُ الْأُمِّ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَلِلْعَمِّ مِنَ السِّتَّةِ أَرْبَعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ ، وَلَهُ مِنَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ ، عَشَرَةٌ فِي وَاحِدٍ ، فَهَذَا الْيَقِينُ فَيَأْخُذُهُ ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ فِي سَهْمٍ ، وَسَهْمٌ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَتَأْخُذُهَا ، وَتَقِفُ سَهْمَيْنِ بَيْنَ الْأَخِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِمَا .
فَرْعٌ : إِذَا مَاتَ كَافِرٌ عَنْ حَمْلٍ مِنْهُ ، لَمْ يَرِثْهُ ، نُصَّ عَلَيْهِ لِحُكْمِهِ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ وَضْعِهِ ، وَقِيلَ : يَرِثُهُ ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ ، كَالطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ ، وَلِأَنَّهُ يَرِثُ إِجْمَاعًا ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مِنْ كَافِرٍ غَيْرِهِ ، فَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَبْلَ وَضْعِهِ مِثْلَ أَنْ يُخَلِّفَ 214 أُمَّهُ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ ، وَفِي الرِّعَايَةِ احْتِمَالٌ بِأَنَّهُ يَرِثُ حَيْثُ ثَبَتَ النَّسَبُ .
فَائِدَةٌ : إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِحُرٍّ فَأَحْبَلَهَا ، فَقَالَ السَّيِّدُ : إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا ، فَأَنْتِ وَهُوَ قِنَّانِ ، وَإِلَّا حُرَّانِ ، فَهِيَ الْقَائِلَةُ : إِنْ أَلِدْ ذَكَرًا لَمْ أَرِثْ وَلَمْ تَرِثْ وَإِلَّا وَرِثْنَا ، وَمَنْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَإِخْوَةً لِأُمٍّ وَامْرَأَةَ أَبٍ حَامِلًا ، فَهِيَ الْقَائِلَةُ : إِنْ أَلِدْ أُنْثَى وَرِثْتُ لَا ذَكَرًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث