بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
الْقِسْمُ الثَّانِي
[ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ ]
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الْعَدَّةِ : فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الرَّجْعِيَّاتِ : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) الْآيَةَ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي سُكْنَى الْمَبْتُوتَةِ وَنَفَقَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ .
471 وَالثَّالِثُ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَهُ :
فَاسْتَدَلَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ : " طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً " خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ " . وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ : فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورَةِ ، وَفِيهِ : " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِسْقَاطَ السُّكْنَى ، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) وَعَلَّلُوا أَمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِأَنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهَا بَذَاءٌ .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ : فَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) . وَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا لِكَوْنِ النَّفَقَةِ تَابِعَةً لِوُجُوبِ الْإِسْكَانِ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَفِي الْحَامِلِ وَفِي نَفْسِ الزَّوْجِيَّةِ .
وَبِالْجُمْلَةِ : فَحَيْثُمَا وَجَبَتِ السُّكْنَى فِي الشَّرْعِ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا : لَا نَدَعُ كِتَابَ نَبِيِّنَا وَسُنَّتَهُ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ ، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) الْآيَةَ . وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ حَيْثُ تَجِبُ السُّكْنَى ، فَلِذَلِكَ الْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ لَهَا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مَصِيرًا إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْرُوفِ مِنَ السُّنَّةِ ، وَإِمَّا أَنَّ يُخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورِ .
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فَعَسِيرٌ ، وَوَجْهُ عُسْرِهِ ضَعْفُ دَلِيلِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : فِي طَلَاقٍ ، أَوْ مَوْتٍ ، أَوِ اخْتِيَارِ الْأَمَةِ نَفْسَهَا إِذَا أُعْتِقَتْ . وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فِي الْفُسُوخِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهَا .
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِدَّةِ يَتَعَلَّقُ فِيهِ أَحْكَامُ عِدَّةِ الْمَوْتِ رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا هَاهُنَا ، فَنَقُولُ :
[ الْمَسْأَلَةُ الأُولَى ]
[ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ ]
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) . وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ ، وَفِي عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا لَمْ تَأْتِهَا حَيْضَتُهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرٍ فَمَاذَا حُكْمُهَا ؟ .
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ تَمَامِ هَذِهِ الْعِدَّةِ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَهِيَ عِنْدَهُ مُسْتَرَابَةٌ ، فَتَمْكُثُ مُدَّةَ الْحَمْلِ . وَقِيلَ عَنْهُ : إِنَّهَا قَدْ لَا تَحِيضُ ، وَقَدْ لَا تَكُونُ مُسْتَرَابَةً ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ ، وَهَذَا إِمَّا غَيْرُ مَوْجُودٍ ( أَعْنِي : مَنْ تَكُونُ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ أَكْثَرَ 472 مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) وَإِمَّا نَادِرٌ . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَنْ هَذِهِ حَالُهَا مِنَ النِّسَاءِ إِذَا وُجِدَتْ ، فَقِيلَ : تَنْتَظِرُ حَتَّى تَحِيضَ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَتَزَوَّجُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ . وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ .
[ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ]
[ عِدَّةُ الْحَامِلِ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ]
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ( وَهِيَ الْحَامِلُ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ) : فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ، مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) . وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الطَّلَاقِ . وَأَخْذًا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنْ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ وَفِيهِ : " فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ " . وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّتَهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، يُرِيدُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ : إِمَّا الْحَمْلُ ، وَإِمَّا انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ عِدَّةِ الْمَوْتِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ الْحَوَامِلِ وَآيَةِ الْوَفَاةِ .
[ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ ]
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الْعَدَّةِ : فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الرَّجْعِيَّاتِ : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) الْآيَةَ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي سُكْنَى الْمَبْتُوتَةِ وَنَفَقَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ .
471 وَالثَّالِثُ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَهُ :
فَاسْتَدَلَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ : " طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً " خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ " . وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ : فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورَةِ ، وَفِيهِ : " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِسْقَاطَ السُّكْنَى ، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) وَعَلَّلُوا أَمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِأَنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهَا بَذَاءٌ .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ : فَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) . وَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا لِكَوْنِ النَّفَقَةِ تَابِعَةً لِوُجُوبِ الْإِسْكَانِ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَفِي الْحَامِلِ وَفِي نَفْسِ الزَّوْجِيَّةِ .
وَبِالْجُمْلَةِ : فَحَيْثُمَا وَجَبَتِ السُّكْنَى فِي الشَّرْعِ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا : لَا نَدَعُ كِتَابَ نَبِيِّنَا وَسُنَّتَهُ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ ، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) الْآيَةَ . وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ حَيْثُ تَجِبُ السُّكْنَى ، فَلِذَلِكَ الْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ لَهَا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مَصِيرًا إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْرُوفِ مِنَ السُّنَّةِ ، وَإِمَّا أَنَّ يُخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورِ .
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فَعَسِيرٌ ، وَوَجْهُ عُسْرِهِ ضَعْفُ دَلِيلِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : فِي طَلَاقٍ ، أَوْ مَوْتٍ ، أَوِ اخْتِيَارِ الْأَمَةِ نَفْسَهَا إِذَا أُعْتِقَتْ . وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فِي الْفُسُوخِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهَا .
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِدَّةِ يَتَعَلَّقُ فِيهِ أَحْكَامُ عِدَّةِ الْمَوْتِ رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا هَاهُنَا ، فَنَقُولُ :
[ الْمَسْأَلَةُ الأُولَى ]
[ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ ]
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) . وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ ، وَفِي عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا لَمْ تَأْتِهَا حَيْضَتُهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرٍ فَمَاذَا حُكْمُهَا ؟ .
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ تَمَامِ هَذِهِ الْعِدَّةِ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَهِيَ عِنْدَهُ مُسْتَرَابَةٌ ، فَتَمْكُثُ مُدَّةَ الْحَمْلِ . وَقِيلَ عَنْهُ : إِنَّهَا قَدْ لَا تَحِيضُ ، وَقَدْ لَا تَكُونُ مُسْتَرَابَةً ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ ، وَهَذَا إِمَّا غَيْرُ مَوْجُودٍ ( أَعْنِي : مَنْ تَكُونُ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ أَكْثَرَ 472 مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) وَإِمَّا نَادِرٌ . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَنْ هَذِهِ حَالُهَا مِنَ النِّسَاءِ إِذَا وُجِدَتْ ، فَقِيلَ : تَنْتَظِرُ حَتَّى تَحِيضَ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَتَزَوَّجُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ . وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ .
[ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ]
[ عِدَّةُ الْحَامِلِ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ]
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ( وَهِيَ الْحَامِلُ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ) : فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ، مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) . وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الطَّلَاقِ . وَأَخْذًا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنْ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ وَفِيهِ : " فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ " . وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّتَهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، يُرِيدُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ : إِمَّا الْحَمْلُ ، وَإِمَّا انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ عِدَّةِ الْمَوْتِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ الْحَوَامِلِ وَآيَةِ الْوَفَاةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith