بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 546 · printed p. 497
الْجُزْءُ الثَّانِي [ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ ] وَإِذَا اعْتُبِرَتِ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا وَرَدَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبُيُوعِ ، ( وَهِيَ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةُ ) وُجِدَتْ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا : تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمَبِيعِ . وَالثَّانِي : الرِّبَا . وَالثَّالِثُ : الْغَرَرُ . وَالرَّابِعُ : الشُّرُوطُ الَّتِي تَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا .
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أُصُولُ الْفَسَادِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهَا بِالْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعٌ لَا لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ .
وَأَمَّا الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا لِأَسْبَابٍ مِنْ خَارِجٍ; فَمِنْهَا الْغِشُّ; وَمِنْهَا الضَّرَرُ; وَمِنْهَا لِمَكَانِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَقِّ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ; وَمِنْهَا لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْبَيْعِ . 497 فَفِي هَذَا الْجُزْءِ أَبْوَابٌ : الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُحَرَّمَةِ الْبَيْعِ
وَهَذِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : نَجَاسَاتٌ ، وَغَيْرُ نَجَاسَاتٍ . فَأَمَّا بَيْعُ النَّجَاسَاتِ فَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهَا حَدِيثُ جَابِرٍ ، ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا ؟ فَقَالَ : " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتِ الشُّحُومُ عَلَيْهِمْ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا " ، وَقَالَ فِي الْخَمْرِ : " ۝ إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا " .
وَالنَّجَاسَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : ضَرْبٌ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا وَهِيَ الْخَمْرُ وَأَنَّهَا نَجِسَةٌ ، إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِي الْخَمْرِ ( أَعْنِي : فِي كَوْنِهَا نَجِسَةً ) ، وَالْمَيْتَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ ، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ . وَاخْتُلِفَ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ ، فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمِنْهُ أَصْبَغُ .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي ( وَهِيَ النَّجَاسَاتُ الَّتِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا كَالرَّجِيعِ ، وَالزِّبْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَسَاتِينِ ) ، فَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا فِي الْمَذْهَبِ ، فَقِيلَ بِمَنْعِهَا مُطْلَقًا ، وَقِيلَ بِإِجَازَتِهَا مُطْلَقًا ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ ( أَعْنِي : إِبَاحَةَ الزِّبْلِ وَمَنْعَ الْعَذِرَةِ ) .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيلِ لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ نَابٌ جَعَلَهُ مَيْتَةً ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَرْنٌ مَعْكُوسٌ جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْقَرْنِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ .
وَأَمَّا مَا حَرَّمَ بَيْعَهُ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسٍ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ ، فَمِنْهَا الْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ . أَمَّا الْكَلْبُ فَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ذَلِكَ . وَفَرَّقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ بَيْنَ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ ، وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَإِمْسَاكِهِ . فَأَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِلْأَكْلِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمَنْ أَجَازَ أَكْلَهُ أَجَازَ بَيْعَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ ، فَقِيلَ هُوَ حَرَامٌ ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ . فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَعُمْدَتُهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ ۝ النَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالثَّانِي أَنَّ الْكَلْبَ عِنْدَهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَهُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ غَيْرُ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الْعَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ ، وَفِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَلَالٌ .
498 وَمَنْ فَرَّقَ أَيْضًا فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لِلْأَكْلِ وَلَا مُبَاحٍ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْحَدِيثُ مِنْ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ أَوْ كَلْبِ الزَّرْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ اقْتَرَنَ فِيهَا بِالنَّهْيِ مِنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ اسْتِثْنَاءُ أَثْمَانِ الْكِلَابِ الْمُبَاحَةِ الِاتِّخَاذِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ فَثَابِتٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ مُبَاحُ الْمَنَافِعِ . فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِلَابِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الزَّيْتِ النَّجِسِ وَمَا ضَارَعَهُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ النَّجِسِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ إِذَا بَيَّنَ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَحُجَّةُ مَنْ حَرَّمَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ " ۝ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ " . وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ : أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الشَّيْءِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَحُرِّمَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحَرَّمَ مِنْهُ سَائِرُ الْمَنَافِعِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْرُ وَالْمَيْتَةُ وَالْخِنْزِيرُ ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ مُحَرَّمَاتِ الْأَكْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ( أَعْنِي : أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيهَا مَنَافِعُ سِوَى الْأَكْلِ فَبِيعَتْ لِهَذَا ) جَازَ ، وَرَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ الزَّيْتِ النَّجِسِ لِيُسْتَصْبَحَ بِهِ ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَعَمَلُ الصَّابُونِ مَعَ تَحْرِيمِ بَيْعِهِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مَعَ تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةً أُخْرَى تَمْنَعُ الِاسْتِصْبَاحَ بِهِ وَهُوَ أَلْزَمُ لِلْأَصْلِ ( أَعْنِي : لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ ) .
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ فِي غَسْلِهِ وَطَبْخِهِ هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَمُزِيلٌ لَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا جَوَازُ ذَلِكَ ، وَالْآخَرُ مَنْعُهُ ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الزَّيْتَ إِذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ هَلْ نَجَاسَتُهُ نَجَاسَةُ عَيْنٍ أَوْ نَجَاسَةُ مُجَاوَرَةٍ ؟ فَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةَ مُجَاوَرَةٍ طَهَّرَهُ عِنْدَ الْغَسْلِ وَالطَّبْخِ ، وَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةَ عَيْنٍ لَمْ يُطَهِّرْهُ عِنْدَ الطَّبْخِ وَالْغَسْلِ .
وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ إِذَا حُلِبَ ، فَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزَانِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُهُ . وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ أَنَّهُ لَبَنٌ أُبِيحَ شُرْبُهُ فَأُبِيحَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ سَائِرِ الْأَنْعَامِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى تَحْلِيلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ الطِّفْلِ إِلَيْهِ ، وَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ ، إِذْ لَحْمُ ابْنِ آدَمَ مُحَرَّمٌ ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَلْبَانَ تَابِعَةٌ لِلُّحُومِ ، فَقَالُوا فِي قِيَاسِهِمْ هَكَذَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَبَنِهِ ، أَصْلُهُ لَبَنُ الْخِنْزِيرِ ، وَالْأَتَانِ . فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ . وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي كُلِّ بَابٍ الْمَشْهُورَ ؛ لِيَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى الْأُصُولِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith