بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 638 · printed p. 606
الرُّكْنُ الثَّانِي .
وَهُوَ الْمَشْفُوعُ فِيهِ .
اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الدُّورِ ، وَالْعَقَارِ ، وَالْأَرَضِينَ كُلِّهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ :
فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : مَقْصُودٌ ، وَهُوَ الْعَقَارُ مِنَ الدُّورِ ، وَالْحَوَانِيتِ ، وَالْبَسَاتِينِ .
وَالثَّانِي : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ لَا يُنْقَلُ ، وَلَا يُحَوَّلُ ، وَذَلِكَ كَالْبِئْرِ ، وَمَحَالِّ النَّخْلِ ، مَا دَامَ الْأَصْلُ فِيهَا عَلَى صِفَةٍ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ عَنْهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ الْأَرْضُ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَقْسُومٍ .
وَالثَّالِثُ : مَا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ كَالثِّمَارِ ، وَفِيهَا عَنْهُ خِلَافٌ ، وَكَذَلِكَ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ ، وَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ .
وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْحَمَّامِ وَالرَّحَا ، وَأَمَّا مَا عَدَا هَذَا مِنَ الْعُرُوضِ ، وَالْحَيَوَانِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي الطَّرِيقِ ، وَلَا فِي عَرْصَةِ الدَّارِ .
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي أَكَرِيَةِ الدُّورِ ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ ، وَفِي الدَّيْنِ ، هَلْ يَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَقَّ بِهِ ؟ وَكَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَرَوَى : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ " ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ . وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي إِيجَابِهَا فِي الْكِتَابَةِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ فَقَطْ . وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةُ الشُّفْعَةَ فِي الْبِئْرِ وَالْفَحْلِ ، وَأَجَازَهَا فِي الْعَرْصَةِ وَالطَّرِيقِ . وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي الْعَرْصَةِ وَفِي الطَّرِيقِ وَفِي الْبِئْرِ ، وَخَالَفَاهُ جَمِيعًا فِي الثِّمَارِ .
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْعَقَارِ : مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ " ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الشُّفْعَةُ فِيمَا تُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ مَا دَامَ لَمْ يُقَسَّمْ ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ .
وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ : فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ " ; وَلِأَنَّ مَعْنَى ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَالْجِوَارِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ 606 فِي الْعَقَارِ أَظْهَرَ . وَلَمَّا لَحِظَ هَذَا مَالِكٌ أَجْرَى مَا يَتْبَعُ الْعَقَارَ مَجْرَى الْعَقَارِ .
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَنْعِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ بِمَا رُوِيَ : ۝ " لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ " ، وَمَالِكٌ حَمَلَ هَذَا الْأَثَرَ عَلَى آبَارِ الصَّحَارِي الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ الْمَوَاتِ ، لَا الَّتِي تَكُونُ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith