بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
كِتَابُ الْكَفَالَةِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَوْعِهَا وَفِي وَقْتِهَا ، وَفِي الْحُكْمِ اللَّازِمِ عَنْهَا ، وَفِي شُرُوطِهَا ، وَفِي صِفَةِ لُزُومِهَا ، وَفِي مَحِلِّهَا .
وَلَهَا أَسْمَاءٌ : كَفَالَةٌ ، وَحَمَالَةٌ ، وَضَمَانَةٌ ، وَزَعَامَةٌ .
فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا : فَنَوْعَانِ : حَمَالَةٌ بِالنَّفْسِ ، وَحَمَالَةٌ بِالْمَالِ .
أَمَّا الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ : فَثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً تَشْبِيهًا بِالْعِدَّةِ وَهُوَ شَاذٌّ . وَالسُّنَّةُ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ هِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " .
وَأَمَّا الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ ( وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِضَمَانِ الْوَجْهِ ) : فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا شَرْعًا إِذَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْمَالِ . وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَحُجَّتُهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ) [ يُوسُفَ : 79 ] . وَلِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِنَفْسٍ; فَأَشْبَهَتِ 636 الْكَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ . وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " . وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً ، وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ اللَّازِمُ عَنْهَا : فَجُمْهُورُ الْقَائِلِينَ بِحَمَالَةِ النَّفْسِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَمَّلَ عَنْهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ بِالْوَجْهِ شَيْءٌ . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ لُزُومُ ذَلِكَ . وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ، فَقَالَ : إِنْ مَاتَ حَاضِرًا لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ شَيْءٌ ، وَإِنْ مَاتَ غَائِبًا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةً يُمْكِنُ الْحَمِيلَ فِيهَا إِحْضَارُهُ فِي الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ فِي إِحْضَارِهِ ( وَذَلِكَ فِي نَحْوِ الْيَوْمَيْنِ إِلَى الثَّلَاثَةِ ) ، فَفَرَّطَ : غَرِمَ ، وَإِلَّا لَمْ يَغْرَمْ .
وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَابَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَا حُكْمُ الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : إِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَغْرَمَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّهُ يَحْبِسُ الْحَمِيلَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَوْ يَعْلَمَ مَوْتَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَلَّفَ إِحْضَارَهُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْضَارِهِ ، فَإِنِ ادَّعَى الطَّالِبُ مَعْرِفَةَ مَوْضِعِهِ عَلَى الْحَمِيلِ ، وَأَنْكَرَ الْحَمِيلُ ؛ كُلِّفَ الطَّالِبُ بَيَانَ ذَلِكَ . قَالُوا : وَلَا يُحْبَسُ الْحَمِيلُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَعْلُومَ الْمَوْضِعِ ، فَيُكَلَّفُ حِينَئِذٍ إِحْضَارَهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْفِقْهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَارَهُ .
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ : أَنَّ الْمُتَحَمِّلَ بِالْوَجْهِ غَارِمٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ إِذَا غَابَ ، وَرُبَّمَا احْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ غَرِيمَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَالَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى حَاكَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَتَحَمَّلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَدَّى الْمَالَ إِلَيْهِ " . قَالُوا : فَهَذَا غُرْمٌ فِي الْحَمَالَةِ الْمُطْلَقَةِ .
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَقَالُوا : إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ وَهُوَ النَّفْسُ ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْمَالِ إِلَّا لَوْ شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " . فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يُحْبَسَ فِيهِ ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا ضَمِنَ الْمَالَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ الْمَالَ ، أَوْ يُحْبَسَ فِيهِ ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي ضَمَانِ الْوَجْهِ .
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ : أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ إِذَا كَانَ إِحْضَارُهُ لَهُ مِمَّا يُمْكِنُ ، وَحِينَئِذٍ يُحْبَسُ إِذَا لَمْ يُحْضِرْهُ ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّ إِحْضَارَهُ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ كَمَا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ . قَالُوا : وَمِنْ ضَمِنَ الْوَجْهَ فَأُغْرِمَ الْمَالَ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مَغْرُورًا مِنْ أَنْ يَكُونَ غَارًّا .
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ الْوَجْهَ دُونَ الْمَالِ وَصَرَّحَ بِالشَّرْطِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ الْمَالَ لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فِيمَا أَحْسَبُ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ قَدْ أَلْزَمَ ضِدَّ مَا اشْتَرَطَ ، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ ضَمَانِ الْوَجْهِ .
وَأَمَّا حُكْمُ ضَمَانِ الْمَالِ : فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَدِمَ الْمَضْمُونُ أَوْ غَابَ أَنَّ الضَّامِنَ غَارِمٌ .
وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَضَرَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ وَكِلَاهُمَا مُوسِرٌ : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لِلطَّالِبِ أَنْ يُؤَاخِذَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْكَفِيلِ ، أَوِ الْمَكْفُولِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ مَعَ وُجُودِ الْمُتَكَفَّلِ عَنْهُ . وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : 637 الْحَمَالَةُ ، وَالْكَفَالَةُ وَاحِدَةٌ ، وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا لَزِمَهُ وَبَرِئَ الْمَضْمُونُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالَ وَاحِدٍ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ .
وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَا رَأَى أَنَّ الطَّالِبَ يَجُوزُ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ; كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ غَائِبًا ، أَوْ حَاضِرًا ، غَنِيًّا ، أَوْ عَدِيمًا : حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِيِّ قَالَ : " تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : تُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ، وَذَكَرَ رَجُلًا تَحَمَّلَ حَمَالَةَ رَجُلٍ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا " . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ الْمَسْأَلَةَ لِلْمُتَحَمِّلِ دُونَ اعْتِبَارِ حَالِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ .
وَأَمَّا مَحِلُّ الْكَفَالَةِ : فَهِيَ الْأَمْوَالُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " ( أَعْنِي : كَفَالَةَ الْمَالِ وَكَفَالَةَ الْوَجْهِ ) ، وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَتِ الْأَمْوَالُ مِنْ قِبَلِ أَمْوَالٍ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ حُدُودٍ ، مِثْلُ الْمَالِ الْوَاجِبِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ ، أَوِ الصُّلْحِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، أَوِ السَّرِقَةِ الَّتِي لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهَا قَطْعٌ ، وَهِيَ مَا دُونَ النِّصَابِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِجَازَةُ الْكَفَالَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، أَوْ فِي الْقِصَاصِ دُونَ الْحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ( أَعْنِي كَفَالَةَ النَّفْسِ ) .
وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ ( أَعْنِي مُطَالَبَتَهُ بِالْكَفِيلِ ) : فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَى الْمَكْفُولِ إِمَّا بِإِقْرَارٍ وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ .
وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ : فَاخْتَلَفُوا هَلْ تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الْحَقِّ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الْحَقِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَقَالَ قَوْمٌ : بَلْ يَجِبُ أَخْذُ الْكَفِيلِ بِالْوَجْهِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِّ ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا مَتَى يَلْزَمُ ذَلِكَ ؟ وَإِلَى كَمْ مِنَ الْمُدَّةِ يَلْزَمُ ؟
فَقَالَ قَوْمٌ : إِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ مِثْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ ضَامِنًا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَلُوحَ حَقُّهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفِيلُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ ، فَيُعْطِيهِ حَمِيلًا مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ حَمِيلٌ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَدُّوا ذَلِكَ بِالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يَقُولُونَ : إِنَّهُ : مَنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا حَتَّى يُثْبِتَ دَعْوَاهُ أَوْ تَبْطُلَ ، وَقَدْ أَنْكَرُوا الْفَرْقَ فِي ذَلِكَ وَالْفَرْقَ بَيْنَ الَّذِي يَدَّعِي الْبَيِّنَةَ الْحَاضِرَةَ وَالْغَائِبَةَ ، وَقَالُوا : لَا يُؤْخَذُ حَمِيلٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَذَلِكَ إِلَى بَيَانِ صِدْقِ دَعْوَاهُ أَوْ إِبْطَالِهَا .
وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ : تَعَارُضُ وَجْهِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ ضَامِنٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَغِيبَ بِوَجْهِهِ فَيَعْنَتَ طَالِبُهُ ، وَإِذَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بَاطِلَةً فَيَعْنَتَ الْمَطْلُوبُ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ دَعْوَى الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَالْغَائِبَةِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : " أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مَعَهُمْ ظَهْرٌ ، فَصَحِبَهُمْ رَجُلَانِ فَبَاتَا مَعَهُمْ ، فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَقَدُوا كَذَا وَكَذَا مِنْ إِبِلِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : اذْهَبْ وَاطْلُبْ ، وَحَبَسَ الْآخَرَ ، فَجَاءَ بِمَا ذَهَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : اسْتَغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ، قَالَ : وَأَنْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَقَتَلَكَ فِي سَبِيلِهِ " خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ بِالْفِقْهِ ، قَالَ : وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَبْسًا قَالَ : وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَبْسُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، 638 وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدِي مِنْ بَابِ الْكَفَالَةِ بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إِذَا كَانَتْ هُنَالِكَ شُبْهَةٌ لِمَكَانِ صُحْبَتِهِمَا لَهُمْ .
فَأَمَّا أَصْنَافُ الْمَضْمُونِينَ : فَلَيْسَ يَلْحَقُ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي ضَمَانِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبْلُ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْلُومٍ قَطْعًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُفْلِسُ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهُ بِمَا رُوِيَ : " أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُضْمَنَ عَنْهُ " . وَالْجُمْهُورُ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ كَفَالَةُ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَأَمَّا شُرُوطُ الْكَفَالَةِ : فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ يَشْتَرِطَانِ فِي وُجُوبِ رُجُوعِ الضَّامِنِ عَلَى الْمَضْمُونِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ بِإِذْنِهِ ، وَمَالِكٌ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ .
وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَفَالَةُ الْمَجْهُولِ ، وَلَا الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ .
وَأَمَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ مِمَّا لَا تَجُوزُ : فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِكُلِّ مَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا الْكِتَابَةَ ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ ، وَمَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فَشَيْئًا مِثْلَ النَّفَقَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ ، وَمَا شَاكَلَهَا .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
كِتَابُ الْكَفَالَةِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَوْعِهَا وَفِي وَقْتِهَا ، وَفِي الْحُكْمِ اللَّازِمِ عَنْهَا ، وَفِي شُرُوطِهَا ، وَفِي صِفَةِ لُزُومِهَا ، وَفِي مَحِلِّهَا .
وَلَهَا أَسْمَاءٌ : كَفَالَةٌ ، وَحَمَالَةٌ ، وَضَمَانَةٌ ، وَزَعَامَةٌ .
فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا : فَنَوْعَانِ : حَمَالَةٌ بِالنَّفْسِ ، وَحَمَالَةٌ بِالْمَالِ .
أَمَّا الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ : فَثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً تَشْبِيهًا بِالْعِدَّةِ وَهُوَ شَاذٌّ . وَالسُّنَّةُ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ هِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " .
وَأَمَّا الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ ( وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِضَمَانِ الْوَجْهِ ) : فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا شَرْعًا إِذَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْمَالِ . وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَحُجَّتُهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ) [ يُوسُفَ : 79 ] . وَلِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِنَفْسٍ; فَأَشْبَهَتِ 636 الْكَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ . وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " . وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً ، وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ اللَّازِمُ عَنْهَا : فَجُمْهُورُ الْقَائِلِينَ بِحَمَالَةِ النَّفْسِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَمَّلَ عَنْهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ بِالْوَجْهِ شَيْءٌ . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ لُزُومُ ذَلِكَ . وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ، فَقَالَ : إِنْ مَاتَ حَاضِرًا لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ شَيْءٌ ، وَإِنْ مَاتَ غَائِبًا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةً يُمْكِنُ الْحَمِيلَ فِيهَا إِحْضَارُهُ فِي الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ فِي إِحْضَارِهِ ( وَذَلِكَ فِي نَحْوِ الْيَوْمَيْنِ إِلَى الثَّلَاثَةِ ) ، فَفَرَّطَ : غَرِمَ ، وَإِلَّا لَمْ يَغْرَمْ .
وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَابَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَا حُكْمُ الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : إِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَغْرَمَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّهُ يَحْبِسُ الْحَمِيلَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَوْ يَعْلَمَ مَوْتَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَلَّفَ إِحْضَارَهُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْضَارِهِ ، فَإِنِ ادَّعَى الطَّالِبُ مَعْرِفَةَ مَوْضِعِهِ عَلَى الْحَمِيلِ ، وَأَنْكَرَ الْحَمِيلُ ؛ كُلِّفَ الطَّالِبُ بَيَانَ ذَلِكَ . قَالُوا : وَلَا يُحْبَسُ الْحَمِيلُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَعْلُومَ الْمَوْضِعِ ، فَيُكَلَّفُ حِينَئِذٍ إِحْضَارَهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْفِقْهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَارَهُ .
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ : أَنَّ الْمُتَحَمِّلَ بِالْوَجْهِ غَارِمٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ إِذَا غَابَ ، وَرُبَّمَا احْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ غَرِيمَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَالَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى حَاكَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَتَحَمَّلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَدَّى الْمَالَ إِلَيْهِ " . قَالُوا : فَهَذَا غُرْمٌ فِي الْحَمَالَةِ الْمُطْلَقَةِ .
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَقَالُوا : إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ وَهُوَ النَّفْسُ ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْمَالِ إِلَّا لَوْ شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " . فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يُحْبَسَ فِيهِ ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا ضَمِنَ الْمَالَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ الْمَالَ ، أَوْ يُحْبَسَ فِيهِ ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي ضَمَانِ الْوَجْهِ .
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ : أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ إِذَا كَانَ إِحْضَارُهُ لَهُ مِمَّا يُمْكِنُ ، وَحِينَئِذٍ يُحْبَسُ إِذَا لَمْ يُحْضِرْهُ ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّ إِحْضَارَهُ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ كَمَا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ . قَالُوا : وَمِنْ ضَمِنَ الْوَجْهَ فَأُغْرِمَ الْمَالَ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مَغْرُورًا مِنْ أَنْ يَكُونَ غَارًّا .
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ الْوَجْهَ دُونَ الْمَالِ وَصَرَّحَ بِالشَّرْطِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ الْمَالَ لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فِيمَا أَحْسَبُ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ قَدْ أَلْزَمَ ضِدَّ مَا اشْتَرَطَ ، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ ضَمَانِ الْوَجْهِ .
وَأَمَّا حُكْمُ ضَمَانِ الْمَالِ : فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَدِمَ الْمَضْمُونُ أَوْ غَابَ أَنَّ الضَّامِنَ غَارِمٌ .
وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَضَرَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ وَكِلَاهُمَا مُوسِرٌ : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لِلطَّالِبِ أَنْ يُؤَاخِذَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْكَفِيلِ ، أَوِ الْمَكْفُولِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ مَعَ وُجُودِ الْمُتَكَفَّلِ عَنْهُ . وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : 637 الْحَمَالَةُ ، وَالْكَفَالَةُ وَاحِدَةٌ ، وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا لَزِمَهُ وَبَرِئَ الْمَضْمُونُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالَ وَاحِدٍ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ .
وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَا رَأَى أَنَّ الطَّالِبَ يَجُوزُ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ; كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ غَائِبًا ، أَوْ حَاضِرًا ، غَنِيًّا ، أَوْ عَدِيمًا : حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِيِّ قَالَ : " تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : تُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ، وَذَكَرَ رَجُلًا تَحَمَّلَ حَمَالَةَ رَجُلٍ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا " . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ الْمَسْأَلَةَ لِلْمُتَحَمِّلِ دُونَ اعْتِبَارِ حَالِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ .
وَأَمَّا مَحِلُّ الْكَفَالَةِ : فَهِيَ الْأَمْوَالُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " ( أَعْنِي : كَفَالَةَ الْمَالِ وَكَفَالَةَ الْوَجْهِ ) ، وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَتِ الْأَمْوَالُ مِنْ قِبَلِ أَمْوَالٍ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ حُدُودٍ ، مِثْلُ الْمَالِ الْوَاجِبِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ ، أَوِ الصُّلْحِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، أَوِ السَّرِقَةِ الَّتِي لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهَا قَطْعٌ ، وَهِيَ مَا دُونَ النِّصَابِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِجَازَةُ الْكَفَالَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، أَوْ فِي الْقِصَاصِ دُونَ الْحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ( أَعْنِي كَفَالَةَ النَّفْسِ ) .
وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ ( أَعْنِي مُطَالَبَتَهُ بِالْكَفِيلِ ) : فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَى الْمَكْفُولِ إِمَّا بِإِقْرَارٍ وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ .
وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ : فَاخْتَلَفُوا هَلْ تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الْحَقِّ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الْحَقِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَقَالَ قَوْمٌ : بَلْ يَجِبُ أَخْذُ الْكَفِيلِ بِالْوَجْهِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِّ ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا مَتَى يَلْزَمُ ذَلِكَ ؟ وَإِلَى كَمْ مِنَ الْمُدَّةِ يَلْزَمُ ؟
فَقَالَ قَوْمٌ : إِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ مِثْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ ضَامِنًا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَلُوحَ حَقُّهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفِيلُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ ، فَيُعْطِيهِ حَمِيلًا مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ حَمِيلٌ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَدُّوا ذَلِكَ بِالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يَقُولُونَ : إِنَّهُ : مَنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا حَتَّى يُثْبِتَ دَعْوَاهُ أَوْ تَبْطُلَ ، وَقَدْ أَنْكَرُوا الْفَرْقَ فِي ذَلِكَ وَالْفَرْقَ بَيْنَ الَّذِي يَدَّعِي الْبَيِّنَةَ الْحَاضِرَةَ وَالْغَائِبَةَ ، وَقَالُوا : لَا يُؤْخَذُ حَمِيلٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَذَلِكَ إِلَى بَيَانِ صِدْقِ دَعْوَاهُ أَوْ إِبْطَالِهَا .
وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ : تَعَارُضُ وَجْهِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ ضَامِنٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَغِيبَ بِوَجْهِهِ فَيَعْنَتَ طَالِبُهُ ، وَإِذَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بَاطِلَةً فَيَعْنَتَ الْمَطْلُوبُ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ دَعْوَى الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَالْغَائِبَةِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : " أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مَعَهُمْ ظَهْرٌ ، فَصَحِبَهُمْ رَجُلَانِ فَبَاتَا مَعَهُمْ ، فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَقَدُوا كَذَا وَكَذَا مِنْ إِبِلِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : اذْهَبْ وَاطْلُبْ ، وَحَبَسَ الْآخَرَ ، فَجَاءَ بِمَا ذَهَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : اسْتَغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ، قَالَ : وَأَنْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَقَتَلَكَ فِي سَبِيلِهِ " خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ بِالْفِقْهِ ، قَالَ : وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَبْسًا قَالَ : وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَبْسُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، 638 وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدِي مِنْ بَابِ الْكَفَالَةِ بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إِذَا كَانَتْ هُنَالِكَ شُبْهَةٌ لِمَكَانِ صُحْبَتِهِمَا لَهُمْ .
فَأَمَّا أَصْنَافُ الْمَضْمُونِينَ : فَلَيْسَ يَلْحَقُ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي ضَمَانِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبْلُ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْلُومٍ قَطْعًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُفْلِسُ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهُ بِمَا رُوِيَ : " أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُضْمَنَ عَنْهُ " . وَالْجُمْهُورُ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ كَفَالَةُ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَأَمَّا شُرُوطُ الْكَفَالَةِ : فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ يَشْتَرِطَانِ فِي وُجُوبِ رُجُوعِ الضَّامِنِ عَلَى الْمَضْمُونِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ بِإِذْنِهِ ، وَمَالِكٌ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ .
وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَفَالَةُ الْمَجْهُولِ ، وَلَا الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ .
وَأَمَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ مِمَّا لَا تَجُوزُ : فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِكُلِّ مَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا الْكِتَابَةَ ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ ، وَمَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فَشَيْئًا مِثْلَ النَّفَقَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ ، وَمَا شَاكَلَهَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith