← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
العصام الأسفراييني البلاغة 945 هـ
A− A+
1069 · ص543 · ج1
من طرق العامة لاختصاصها بقصر القلب. وقال السيد السند في شرح المفتاح: عدم ذكره لسبقه في بحث العطف، وكأنه اكتفى في كون الطريق من الطرق العامة بأن لا يقتصر على طرفين مخصوصين كالمسند والمسند إليه، وكأنه نبه بتكرار المثال، على أنه لا يتجاوزهما لا بالاكتفاء بهما، وإلا لكان الاكتفاء بإلا أيضا مقتضيا لعدم تجاوز النفي والاستثناء إلا (كقولك في قصره) أي: قصر الموصوف على الصفة (إفرادا: زيد شاعر، لا كاتب أو ما زيد كاتبا، بل شاعر، وقلبا: زيد قائم، لا قاعد، أو ما زيد قائما، بل قاعد) وليس زيد قائما، بل قاعد (وفي قصرها: زيد شاعر، لا عمرو، أو ما عمرو شاعرا، بل زيد) ويصح أن يقال: ما شاعر عمرو، بل زيد، لكنه يجب حينئذ رفع الاسمين؛ لبطلان عمل ما بتقديم الخبر، كذا في الشرح، ودليله قاصر، وإطلاق دعواه للصحة فاسد، أما الأول؛ فلأن رفع الاسمين لبطل عمل ما، إلا إذا كان زيد مبتدأ والصفة خبره، وأما إذا كان الصفة مبتدأ، وما بعده فاعلا، فليس رفع الاسمين لبطلان عمل ما بتقديم الخبر، بل لأن ما لا يعمل إلا إذا دخل على المبتدأ والخبر، وأما الثاني، فلأن صحته إنما تتم لو لم يكن عمرو فاعلا؛ إذ حينئذ لا يصح، لأنه بطل النفي فيما بعد بل، فيلزم عمل الصفة من غير اعتماد، وكأنه أراد: ويصح أن يقال: ما شاعر عمرو، بل زيد بتقديم الخبر على الاسم، وأما ما ذكر العلامة في شرح المفتاح من أنه لا يجوز تقديم خبر ما على اسمه مع العمل وبدونه أيضا، فخلاف المجمع عليه. قال الشارح: لما لم يكن في قصر الموصوف على الصفة مثال الإفراد صالحا للقلب لتنافي شرطهما عند المصنف، أفرد لكل مثالا في جميع الطرق بخلاف قصر الصفة، فإنه لإطلاقه عن الشرط يكفي لقسميه مثال، فلذا اكتفى، ولما كان قصر التعيين أعم، فجميع الأمثلة تصلح له، فلم يتعرض له هذا، وهذا كلام قوي يزيف ما ذكرنا أنه ترك المصنف اشتراط قصر الصفة مع عدم التفاوت بينه، وبين قصر الموصوف اعتمادا على المقايسة، فكأنه لم ينتبه لعدم التفاوت، وكأنه أراد الشارح أنه أفرد في الأكثر، وإلا فهو لم يفرد في التقديم، هاهنا بحث شريف لا يحق إلا لرجل كريم نلقيه إليك بالهام ملك عليم، وهو أن قولك: زيد شاعر لا
1070 · ص544 · ج1
كاتب، إلقاء حكمين لمخاطب يعلم الأول، فيخلو عن فائدة الخبر؛ إذ من البين أن ليس مقصودك إفادة أنك عالم به، بل مقصودك تسليم ما اعتقده، ولم يعد فائدة للخبر، وثانيهما: منكر وقد خلا عن المؤكد، وأن زيد قائم لا قاعد إلقاء حكمين منكرين بلا تأكيد، ويمكن أن يقال: القصد بالأول إفادة العلم به؛ لأن التسليم معناه الموافقة مع المخبر في العلم، والثاني تأكيد بأنه ألقاه مقرونا بتسليم بعض الدعوى، فكأنه قال: إني أخبر مع نصفة وتحقيق فأوافق فيما أعلم، وأخالف فيما هو منكر، وأما زيد قائم لا قاعد، فقد تأكد فيه لا قاعد بفهمه قبل ذكره من إثبات القيام، وتأكيد الحكم بالقيام بنفي القعود بقد تقرر أن أحدهما واقع، ومن هذا اندفع أن قوله: لا قاعد لغو؛ لأنه اتضح بإثبات القيام، ودفعه الشارح المحقق بأن ذكره للتنبيه على أن المخاطب يعتقد العكس ومجرد الإثبات خال عن هذه الفائدة، ولا يذهب عليك أن طريق العطف مخصوص بغير الحقيقي لا يجري فيه قصر حقيقي. (ومنها) أي: من الطرق (النفي والاستثناء) (١) لا الاستثناء مطلقا، إذ الاستثناء من الإيجاب ليس القصد فيه إلى الحصر، بل إلى تصحيح الحكم الإيجابي، فهو بمنزلة تقييد طرف الحكم، فكما أن جاءني الرجال العلماء ليس قصرا، كذلك جاءني الرجال إلا الجهال ليس قصرا، وهذا بخلاف الاستثناء من النفي؛ فإن المقصود من نحو: ما جاءني إلا زيد قصر الحكم على زيد، لا تحصيل الحكم، وإلا لقيل: جاءني زيد، فتأمل. وقال السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح: ولعل السر في ذلك أن المستثنى إذا كان جزئيا للمستثنى منه، كما في المفرغ من المنفى، نحو: ما جاءني إلا زيد، وما يؤول إليه المفرغ المذكور إذا صرح فيه بالمقدر، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، حسن أن يعتبر اعتقاد المخاطب للشركة، أو للعكس، أو تردده في
(١) بخلاف الاستثناء من الإثبات فإنه ليس بقصر عندهم، وقيل: إنه قصر أيضا؛ لأنك إذا قلت «قام القوم إلا زيدا» قصرت عدم القيام على زيد، ومن يذهب إلى أنه ليس بقصر يرى أنه قيد مصحح للحكم لا غير، فكأنك في هذا المثال قلت: جاء القوم المغايرون لزيد، كما تقول «جاء القوم الصالحون» وهذا بخلاف قولك «ما جاءني إلا زيد» فإن الغرض من النفي والإثبات المحققان للقصر، ولهذا يستعمل النفي والاستثناء عند الإنكار بخلاف الاستثناء من الإثبات.
→ السابق 1069–1070 / 1136 التالي ←