261 · ص133 · ج2
القوم الفساق، فإنهم يثبتون للريق لذة طعم، والأشبه أنه أراد زعم علماء البيان، حيث جعلوا التشبيه في لذة الطعم، وأشار إلى أن الأشبه أن تشبيه الريق بالخمر ليس في الطعم، بل في التذاذ روحاني، والمشبه به لذة النفس بالخمر فليس شيء من الطرفين حسيا (أو عقليان) عطف على قوله: حسيان، (كالعلم والحياة) في المختصر نقلا عن «المفتاح» و «الإيضاح» أن وجه الشبه بينهما كونهما جهتى إدراك، قال: والمراد بالعلم هاهنا ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية لا نفس الإدراك، ولا يخفى أنه جهة وطريق إلى الإدراك كالحياة.
هذا كلامه، ولا يخفى أن الملكة كما أنه سبب لإدراكات جزئية هي صور للجزئيات؛ ولذا وصفت بالجزئية كذلك هي سبب لإدراكات كلية هي صارت سببا لحصول الملكة، فإن الإدراكات إذا تكررت ورسخت تصير ملكة، والملكة تصير سببا لاسترجاع تلك الإدراكات بلا تجشم كسب جديد، فالإدراك أولا سبب لحصول الملكة، والملكة سبب لحصول الإدراك ثانيا، فلا يخفى أن الإدراك أيضا سبب للإدراك فلا صحة لنفس إرادة نفس الإدراك على أن سبب إدراك لإدراك غني عن الكسب، وبالجملة هو مدح العلم بأنه كالحياة تميز صاحبه عن الميت والجماد.
ولك أن تجعل وجه الشبه تميز الصاحب عن الجماد، وذا يصح على أي معنى تحمل العلم فتحمل، والأوجه أن وجه الشبه كونهما سببى انتفاع بالمرافق، فإنه لا انتفاع بدون العلم، كما أنه لا انتفاع بدون الحياة.
ولك أن تريد بالإدراك الوصول إلى الشيء فيكون معنى كونهما جهتي إدراك جهتي وصول إلى الشيء فيئول إلى الأوجه من الأوجه فتنبه، ولا تغفل فإن ملاك العلم التنبه، وملاك الغفلة التحصر والتأوه.
(أو مختلفان) بأن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا أو على العكس، فنبه على الأول بقوله (كالمنية) وهو الموت، وفسر بعدم الحيوة عما من شأنه.
وقال السيد السند: الأظهر أنه عدم الحياة عما اتصف بها، ويؤيد الأول قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (١) (والسبع) بفتح الباء وضمها وسكونها
(١) البقرة: ٢٨.
262 · ص134 · ج1
ولا أظنك مرتابا في الصبح إن كنت بصيرا، عارفا بكريمه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، الحمد لله الذي هدانا لهذا في عنفوان أواني حتى ما رضيت بالتقليد أحدا، وما قنعت إلا بالتحقيق معتمدا؛ إلى أن جنيت من هذه الجنة ما جنيت، فلجمع كثير منه في شرح التلخيص هذا سعيت، وبأوضح تقرير وأملح تحرير أمليت، ولسالكي مناهج الحق بعين التحقيق أهديت، ولم أخف أن أشرح كتابا قد صرفت غاية همته في شرح كل باب فيه من الأبواب، جم غفير من فحول أصحاب العقول، وقوم عظيم من عظماء أرباب الألباب، سيما العالم الرباني، أستاذ الفضلاء العلامة التفتازاني (١)، والمحقق الحقاني، قدوة العلماء الشريف الجرجاني (٢)، روّح الله روحهما، ورزقنا غبوقهما وصبوحهما؛ كيف وقبض الصمد، لا يحيط به قبض أحد، وليس له حد، ولا يعرف له أمد؛ ولذلك ترى معي من بعدهم من مواهبه في هذا الكتاب ما يكاد يتحير فيه نواظر بصائر أرباب الذكاء؛ حيث زاد أي زيادة على ما امتلأ به أنهار المتأخرين وأجلة القدماء، فجاء بحمد الله تعالى عقدا مشتملا على فرائد اللآلى، لكل لفظ منه لفظ درر المعاني الغوالي، في أردان أذهان أذكياء الفضلاء الأعالي، وفي كل حرف منه للقلب العالي فرح في اصطياد أصناف المعالي، وكل نقطة منه لقطة نفيسة لأرباب الهمم العوالي، ظواهره مظاهر أزهار التحقيق، وبواطنه مواطن إثمار التدقيق، فلا غرو أن تجهد في اكتسابها بفكر عميق. يا ناظرا إلى قلة بضاعتي، وقصور باعتي؛ لا تكن مستبعدا لهذا النشو والنماء، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فنسأل (٣) من الله أن يجعله معينا للطلبة في فهم دقائق كتابه، وظهيرا للأجلة في علم حقائق خطابه، وذخرا لهذا العاجز الذليل، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعملا مبرورا له أجر غير ممنون، إنه المنعم لكافة البرايا بعامة
(١) التفتازاني هو: مسعود بن عمر بن عبد الله بن مسعود التفتازاني، العالم بالعلوم العربية والكلام والأصول والمنطق، وكان في لسانه حبسة، ولد بتفتازان بلدة بخرسان في صفر سنة ٧٢٢ هـ وتوفي بسمرقند سنة ٧٩٢ هـ.
(٢) الشريف الجرجاني: هو علي بن محمد بن علي المعروف بالسيد الشريف والسيد السند والسيد الجرجاني ولد بجرجان في شعبان سنة ٧٠٤ هـ وتوفي في ربيع الثاني سنة ٨١٦ هـ.
(٣) ضمن نسأل معنى نطلب، فلذا عدّاها بمن.