← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
العصام الأسفراييني البلاغة 945 هـ
A− A+
595 · ص300 · ج2
عليه (١) بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به) من غير أن يكون هناك أمر محقق حسا أو عقلا يجري عليه اسم ذلك الأمر، (فيسمى) التشبيه (استعارة بالكناية) أو استعارة (مكنيا عنها). أما الكناية والمكني عنها فلأنه لم يصرح به، بل إنما أشير إليه بذكر لازم المشبه به. وأما الاستعارة وإن قيل: إنها مجرد تسمية خالية عن المناسبة كما مر؛ فلأنها استعيرت للدلالة عليه ذكر لازم المشبه به؛ لأن ما هو حقه تلك الدلالة أداة التشبيه. (و) يسمى (إثبات ذلك الأمر) المختص بالمشبه به (للمشبه استعارة تخييلية) (٢) لاستلزامه استعارة لازم المشبه به للمشبه، وتخييل أن المشبه من جنس المشبه به، وهذا القول منه في الاستعارة التخييلية موافق لكلام السلف، ومصرح به في كلام الشيخ عبد القاهر. وقد سمعت فيها قول السكاكي؛ ففيها قولان لا ثلاث لهما، ولا يذهب عليك أن تعريف الاستعارة بالكناية لا يشمل ما جعل القرينة فيه استعارة لفظ لازم المشبه به، للزوم المشبه، فإن مجرد التعبير عن لازم المشبه بلفظ لازم المشبه به يدل على التشبيه، فإنه لولا التشبيه لم يستعر المشبه به للمشبه. وقد جعل العلامة في «الكشاف» قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ (٣) من هذا القبيل؛ حيث قال: شاع استعمال النقض في إبطال العهد، من حيث تسميتهم العهد بالحبل، على سبيل الاستعارة؛ لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، إلا أنه لما زعم المصنف أن الاتفاق على أن قرينة المكنية لا تكون إلا التخييلية كما سيجيء، لم يحفظ تعريفها عن خروج مثلها عنه. قال المصنف في الإيضاح: ثم ذلك الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه، منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه، ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه
(١) أي: على ذلك التشبيه المضمر في النفس، ويمتاز هذا التشبيه على التشبيه الاصطلاحي بما تمتاز به الاستعارة من المبالغة في التشبيه. (٢) على هذا يكون الاستعارتان عنده أمرين معنويين غير داخلين في تعريف المجاز. (٣) البقرة: ٢٧.
596 · ص301 · ج1
وقال غيرنا: معنى أبي لهب ملابس النار ملابسة ملازمة، وهو لازم الجهنمي؛ لأن اللهب الحقيقي لهب نار جهنم، فإن قلت: لم لم يكتف في المعنى الكنائي بكونه وقود النار في جهنم، أو ملابستها فيه، واعتبر الانتقال منه إلى كونه جهنميّا؟ قلت: لأن كونه جهنميّا يفيد عذابه بالنار، وغيرها مما في جهنم، فإن قلت: المعنى الحقيقي لا يكون مقصودا في الكناية، وهنا قصد الذات المعين! ! قلت: المعنى الأصلي في نظر البليغ كونه مولدا للنار أو ملازما لها، وهو لم يقصد هاهنا، بل توسل به إلى قصد الجهنمي، فإن قلت: المعنى الأصلي ليس معي حقيقيّا لأبي لهب لأنه حيوان يتولد من نطفته اللهب، قلت: الأكثر في الكناية إرادة لازم الموضوع له، وقد يكون المعنى الأصلي فيه معنى مجازيّا كثر الاستعمال فيه، حققه صاحب الكشف، وستطلع عليه. وقد يقصد بأبي لهب لازم الذات، وهو الجهنمي لاشتهار الذات في ضمن هذا اللفظ به، فأبو لهب فعل كذا معناه حينئذ جهنمي فعل كذا، وأبو لهب كناية عن الصفة كما تقول: جاءني جبان الكلب، وتريد جاءني مضياف، فحينئذ أبو لهب منكر بإرادة الوصف المشتهر به مسماه في ضمنه له، وهو بمعزل عن مقام التعريف بالعلمية، فلا ينبغي أن يحمل الكناية هنا عليه، ولا أن يجعل من المحتملات كما ذهب إليه السيد السند، ولا يصح إنكار فهم الجهنمي منه بهذا الاشتهار لسند أنه لو قيل هذا الرجل فعل كذا مشارا به إليه لم يفهم كونه جهنميّا، كما زعمه الشارح المحقق؛ لأن اشتهار الذات بالوصف في ضمن لفظ لا يستدعي فهمه من أي لفظ عبر به عن الذات، ولا يصح أن يكون جاءني حاتم للاستعارة بشخص آخر باعتبار أنه بمنزلة جواد، لاشتهاره به، من نكات التعريف بالعلم؛ لأنه حينئذ ليس علما ولا معرفة؛ لكن من النكات قصده الإشارة إلى صفة له يشعر بها العلم إما لاشتهار الذات بها في ضمنه نحو جاءني حاتم وإما لإشعار معناه الأصلي بذلك نحو: أبو الجهل، وأبو المحاسن الأصلي. (أو إيهام استلذاذه) أي وجدانه لذيذا نحو قوله: تالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر (١)
(١) البيت للحسين بن عبد الله أو العرجي وهو في الإيضاح (٣٣٠) والطراز (٣/ ٨١) والمصباح (٨٨).