993 · ص499 · ج2
قدم على المفعول الأول، وإما بمعنى الإصابة. وقوله: أرواحنا حال قدمت على صاحبها لنكارتها، وقيل: جمع لها وأضيفت إلى المنايا وهي اللحمة المشرفة على الحلق، ويؤيده رواية يد المنايا، فقد أخذ المعنى كله مع بعض الألفاظ أعني المنية، ومرادف الفراق، ومرادف لم يجد ومرادف النفوس أعني الأرواح، وحكم الشارح بأن أخذ المرادف ليس إلا في الأرواح، وأما الفراق والمنية والوجدان فمن أخذ بعض الألفاظ بعينه محل نظر، ولا يخفى أن بيت أبي الطيب أفضل حيث حصر اهتداء المنايا إلى الأرواح في دلالة الفراق عليها بخلاف بيت أبي تمام فإنه جعل الفراق دليلا على تقدير خبره المنية له مطلقا، وحيث أفاد أن لا موت مع الوصال؛ إذ لا سبيل للموت إلا حال الفراق.
قال الشارح: وقوله: فهو أبعد من الذم إنما هو على تقدير أن لا يكون في الثاني دلالة على السرقة باتفاق الوزن والقافية، وإلا فهو مذموم جدا، كقول أبي تمام:
يقيم الظّنّ عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي (١)
وقول أبي الطيب:
وإنّي عنك بعد غد لغادي ... وقلبي عن فناؤك غير عاد
محبّك حيثما اتّجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد (٢)
وهذا وفيه نظر؛ لأن المذمومة جدا مع الدلالة على السرقة مما لا ينبغي أن يخص هذا القسم الثاني، مما أجد فيه بعض اللفظ وكله، مع تغيير النظم، بل يجب أن يشرك بينه وبين القسم الثاني أيضا، فهذا القسم مع الدلالة على السرقة أيضا أبعد من الذم من القسم الثاني، فلا حاجة إلى تقييد قوله، فهو أبعد مما إذا لم تكن دلالة على السرقة، وأظن أنه سها في هذا المقام حيث قال المصنف في الإيضاح في هذا المقام: واعلم أن من هذا الضرب ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن.
(١) البيتان في الإيضاح: ٣٥٢ لأبي تمام. الأماني معطوفة على الظن. جدواك: عطائك.
(٢) البيتان في الإيضاح: ٣٥٣.
994 · ص500 · ج1
بالمنشيء، فلا يكون حالا للمبتدأ إلا باعتبار تعلقه به أو استحقاقه له، فلا بد من ملاحظة هذه الحيثية معه، وملاحظة هذه الحيثية بجعله خبرا.
ففيه أولا: أنه يصح أن يكون المبتدأ نفس الطالب، كما في قولنا: أنا لأقتلن نفسي.
وثانيا: أن المربوط بالمبتدأ ليس الطلب، بل المطلوب؛ ليتعلق الطلب به بعد ربطه، وإن اقتضاء ملاحظة الحيثية صيرورته خبرا أول المسألة، فالحق: أن خبر المبتدأ يصح أن يكون إنشاء، وكذا إخبار النواسخ إلا الأفعال الناقصة وأفعال القلوب، (فللتقوّى)، وسبب التقوى بكون الخبر جملة على ما في المفتاح، وهو أن المبتدأ؛ لكونه مبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يسند إلى ذلك المبتدأ صرفه ذلك المبتدأ إلى نفسه سواء كان خاليا عن الضمير أو متضمنا له، فينعقد بينهما حكم، ثم إذا كان متضمنا لضميره المعتد به بأن لا يكون الخبر معه متشابها بالخالي عنه كما مر، صرفه ذلك الضمير إلى المبتدأ ثانيا، فيكتسي الحكم قوة.
أقول: لو قال: هو أن المسند إليه لكونه مسندا إليه يستدعي أن يسند إليه شيء لكان أعم وأوضح، ثم المستفاد من كلامه أن السامع أولا يصرف الجملة الصالحة إلى المبتدأ مع قطع النظر عن إسناد فيه، وثانيا: يصرفه إليه باعتبار إسناد فيه. والأظهر: أنه يصرفه الضمير أولا؛ لأن كونه صالحا للصرف إليه بملاحظة الضمير، ثم يصرفه للمبتدأ إلى نفسه لكونه صالحا.
قال الشارح المحقق: فعلى ما ذكره المفتاح لا تقوى في زيد ضربته؛ لأن الضمير لم يصرفه إلى زيد ثانيا، وفيه بحث؛ لأن زيدا صرف ضربته إلى نفسه باعتبار أنه مضروب، فتكرر هذا الصرف بالضمير، ووجه التقوى على ما نقل عن دلائل الإعجاز: أن الاسم لا يؤتي معرى عن العوامل إلا لحديث قد يؤدي إسناده إليه، فإذا قلت: زيد، فقد أشعرت قلب السامع بأنك تريد الإخبار عنه، فهذا توطئة له وتقدمة للإعلام به، فإذا قلت: قام دخل في قلبه دخول المأنوس، وهذا أشد للثبوت، وأمنع عن الشبهة والشك، وبالجملة ليس الإعلام بالشيء بغتة مثل الإعلام به بعد التنبيه عليه والتقدمة، فإن ذلك يجري مجرى