355 · ص699
الدين، ولكن في هذا الاستنباط علاج لهذه الشبهة الشيطانية وإفساد لها، فإذا ما تيقن القاتل أنه بقتله مفسد غير مصلح فإنه سيبتعد عن هذا الفعل المشين.
إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير ليس بنميمة.
قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ (٢٠)} (القصص: ٢٠).
٣٥٨ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجباً- كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحاً له ومحذراً). ا. هـ ١
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير ليس بنميمة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن هذا الرجل أخبر موسى بما يدبر له من قومه وأنهم يأتمرون لقتله، وكان ذلك على وجه التحذير له، وذكر الله ذلك دون أن يتعقبه، بل ذكره على وجه الثناء عليه، مما يدل على جواز مثل ذلك.
قال الألوسي: (واستدل القرطبي ٢ وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحة دينية) ٣.
١ انظر: تفسير السعدي (٦١٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٢٧).
٢ وممن عزاه كذلك إلى القرطبي السيوطي كما في الإكليل (٣/ ١٠٧٧)، ولكن لم أجده في تفسير القرطبي.
٣ انظر: روح المعاني (١٠/ ٢٦٨).
356 · ص700
وهذا المعنى المستنبط صحيح، قال النووي: (وكل هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية فإن دعت حاجة إليها فلا منع منها وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله أو أخبر الإمام أومن له ولاية بأن إنسانا يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجباً وبعضه مستحباً على حسب المواطن) ١
الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان ولا يزيله.
قال تعالى: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ (٧)} (القصص: ٧)، وقال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا (٢١)} (القصص: ٢١).
٣٥٩ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن الخوف ٢
الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف). ا. هـ ٣
١ انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٩٧).
٢ الخوف من حيث هو على ثلاثة أقسام:
أحدها: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره وهذا هو الواقع من عباد القبور ونحوها من الأوثان يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله وهذا ينافي التوحيد.، الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس فهذا محرم وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد، الثالث: الخوف الطبيعي وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك فهذا لا يذم. انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن (٣٩٥).
٣ انظر: تفسير السعدي (٦١٨)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٢٦).